فى وداع أكاديمى مستنير.. سيد البحراوى يكتب عن ألمه

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 27 يونيو 2018 - 12:30 مساءً
فى وداع أكاديمى مستنير.. سيد البحراوى يكتب عن ألمه

فى كتابه فى مديح الألم كتب سيد البحراوى عن تجربه مرضه، وفيما يلى جزء مما كتب:
إلي الأصدقاء..
منذ ثمانية شهور أعانى من آلام فى الظهر والرقبة والذراع الأيمن، الأساتذة الكبار تعاملوا معه باعتباره التهابًا فى العضلات أو انزلاقًا غضروفيًّا، ولم يأت كل ذلك بفائدة، وبالصدفة أثناء فحص شامل، أنصح الجميع بإجرائه دوريًّا، وبعد فحوصات وعينة، تأكّد وجود سرطان على الرّئة أقصى اليمين القريب من القصبة الهوائيّة، ومتصل بالغدد الليمفاويّة ومن الدرجة الثانية، أى متوسط الخطورة.
العلاج الامثل كان الجراحة، ولكن المكان ضيق يستحيل الوصول اليه، من هنا كان الحل هو الحقن بثلاث جرعات من العلاج الكيماوي فربما يتقلص الورم ويسهل استئصاله، او الاستمرار فى العلاج الكيماوي مع الاشعاعي لمدة ستة اسابيع يوميا.
منذ اسبوعين تلقيت الجرعة الاولي فى مستشفى القصر العيني الجديد (الفرنساوي) (الرعاية فيه متوسطة). لكني لا اطمح فى سواه سواء داخليا او خارجيا، لأن تأميني الصحي مرتب به.
بقيت فيه عدة ايام ثم عدت الي بيتي دون برنامج واضح للحياة (العلاج، والطعام، الخ)، فعانيت معاناة فظيعة لمدة عشرة ايام، تمنيت الا تتكرر مع الجرعات التالية.
من الأهل والأصدقاء والزملاء، لقيت اهتمامًا يفوق الوصف، كنت أتوقعه ولكن ما لم أكن أتوقعه هو ما وراء الاهتمام، الجميع راجعوا – وسيستمرّون فى ذلك بعض الوقت – أنفسهم: لماذا أحبّونى إلى هذه الدرجة، أو لماذا أساءوا إليّ، وأعتقد أن هذا أمر مهم ومفيد لهم وللحياة”.
بالنسبة لى، لست منزعجًا، أعرف أننى سأواصل الحياة – إن لم يحدث خطأ فادح فى العلاج- لدىّ أشياء مهمة أظن أنها قد تفيد الآخرين فى فهم ما حدث فى الخمسين سنة الماضية. لدى سيرة ذاتيّة شبه مكتملة، ورواية بعنوان الساحرات، وجزء ثانٍ من رواية ليل مدريد بالإضافة إلى مجموعة قصصية تصدر قريبًا عن دار كتب خان، وعنها أيضًا نعد لإصدار وثيقة صوتية: شريط كاسيت أرسلْته أنا وأمينة رشيد من باريس سنة 1985، إلى أهلى فى المنوفية، سيكون مفاجأةً على كل المستويات. وفى هذه الأيام أراجع مع صديقتى سارة الجزء الأول من كتاب “الرحلات”، الذى سيصدر عن دار الثقافة الجديدة.
هل هناك ما يمكن أن يطمئنكم أكثر من ذلك؟”،
اليوم اظهرت الاشعة المقطعية وجود ورم على الرئة اليمني، اطباء الاشعة لم يؤكدوا انه ورم سرطاني، لكن ماوراء السطور كان يؤكد انه ورم كذلك، سوف نتأكد من ذلك فيما بعد مع اطباء متخصصين، ربما ينصحون بأخذ عنية (رغم اني ضد ذلك تماما منذ تجربة بدر الدين ابو غازي فى امريكا، التي قالت لي ان اخذ عينة من مكان مسرطن يؤدي الي انتشاره ومن ثم الوفاة).
مشاعري غريبة جدا، لست شديد الانزعاج ارتحت من احتمال ان يكون هذا الورم وراء الام الظهر والكتف والذراع، قلت فى نفسي ها انا ذا ادخل نادي مرضي السرطان، وظلما ان المرض اكتشف مبكرا، فسيمكن علاجه، لكن على كل حال سيمنعنني من التدخين، وهذا صعب بالنسبة لي، ولكنه – من ناحية اخري- قد يساعد على بدء نمط جدد من الحياة، يسمح لي بأن انجز الكتابات المتفرقة التي لم انشرها بعد، وسيصعب على أي احد اخر أن يجمعها ويرتبها وينشرها.
وهناك – طبعا- احتمال ان يعود المرض اذا لم تنجح الجراحة اوالعلاج، فيعود فى مناطق اخري، وهذا لا احبه، وقد وصيت كل المقربين مني بأن يضموني الي نادي الموت الرحيم لو لم تكن نسبة شفائي اكثر من 70% حتي لا أتعذب ويتعذب من حولي.
فوجئت بأن انتشار خبر احتمال السرطان قد هز عددا كبيرا من تلاميذى فى القسم. كان عبد الرحمن الشرقاوي فى اليابان حادثني باكيا وامرا- لاول مرة فى حياتي- ان التزم بدقة ما يليه على هو طبقا لنصائح الاطباء.
حسام قاسم بقي طوال يوم معرفته بالخبر فى حالة هياج قولون فظيع. قيل ان طارق النعمان قد بكي حين سمع الخبر من لميس النقاش التي كانت تتابع معنا المعركة منذ البداية باعتبارها حلقة الوصل مع د. لبني يوسف وزوجها مجدي بسيوني اللذين كانا فى امريكا.
اشرف دعدور رئيس القسم تابع الاخبار وادلي بنصائح، وتولي اجراءات السفر الي مؤتمر روما الذي كنت مصرا على الذهاب اليه، وفوجئت به يبلغ المسئولين تمهيدا لاحتمال السفر للعلاج بالخارج.. فى هذه الاثناء صدرت الاحكام ببراء| مبارك وطاقمه، وكان الغضب- يجانب الألم- يملؤني. كنت اريد النزول الي الشارع وحدي بلافتة اكتب عليها احمد رفعت ومحمود الرشيدي فاسدان يقرءان الاوراق ولا يريان المصفحات وهي تدهس الناس فى الشوارع. لا ضمير لديهم، بغض النظر عما اذا كانا متواطئين أم لا.
شعرت أن تلاميذى جميعا ادركوا ما امثله فى القسم، وخطر ضياع هذا الميزان اذا ما مت. تمنيت لو ان هذا الادراك يستمر، بعد أن انشغل كل منهم فى امره الخاص ونسوني. عاد الي اليقين بأنني ما زلت- كما قال احدهم- امثل ضمير القسم، وانني امثل دعما نفسيا ومعنويا وعلميا يستندون اليه دون ان ينتبهوا، فإذا به مهدد بالغياب، فيخافون وفى الوقت نفسه يساعدهم- داخليا- على امل دفين فى قتل اب لم يستطيعوا قتله من قبل.
تحت جهاز الاشعة المقطعية بقيت- ما لايزيد عن ثلث ساعة حسبما قالوا فيما بعد- واعيا نحو عشر دقائق، كانت فتاة لطيفة تقول:
ما تقلقش ازاي ما اقلقش؟!!
بعدها دخلت فى غيبوبة قصيرة الي درجة انني لم ادرك تخدير الطبي والمحيطين بي، ومقاومتي بعنف حين اشعلت سيجارة، صرخت فيهم وقاومت وارتديت ملابسي دون وعي، وخرجت الي الشارع واشعلت سيجارة اخري غير التي خطفوها من فمي.. فيما بعد علمت ان الطبيب قد اخبرهم ان اي تدخين قبل ساعتين يمكن ان يؤدي الي نزيف، واصلت التدخين بنفس الوتيرة، ولم يحدث النزيف بعد.
بعد اخذ العينة انفجرت فيهم جميعا. العاملون فى كايرو سكان واختي واولادها وتلميذاتي وزوجتي، كانوا يريدون ان يمنعنوني من تدخين سيجارة وكنت فى شدة الشوق اليها بعد ست ساعات من الصيام، اخذت اواسي نفسي فيها مقارنا بساعات طويلة امتنعت فيها عن التدخين فى الطائرات والمطارات. كنت ايضا شديد التوتر بسبب الرحلة الطويلة من اشعة الي تحليل ومن طبيب الي طبيب..
بدا لي قلق الاطباء وتردد اكثرهم فى اخذ العينة واجتماع اسرة اختي وتلاميذى نوعا من التأكيد ان الورم خبيث، حتي محاولات النفى والتعاطف بدت لي ايضا فى نفس الاتجاه
فى هذه الاثناء نشرت فى الاهرام لاول مرة فى حياتي- حيث كنت ومازلت اعتبرها الصوت المباشرللسلطة- قصة “ثلاثية كامل” ابلغت بطلي القصة بنشرها، فشيروها على الفيس بوك وكان شعارهم “شوف البحاروة بيعملوا ايه”.
كان هذا المعني قد غاب تماما منذ زمن طويل واكد لي هذا الموقف عدم سؤالهما عني بعد ان اخبرت احمد صلاح بحالتي الصحية وكذلك ابن عمي الاخر محمد كامل.
قرأ القصة بنات اختي واعجبوا به ا، وكانت اختي جالسة لا تفهم ما يدور، شغوفة، وتتمني لو كانت تستطيع القراءة، كنت اشعر بالذنب ازاءها. ولذلك فبعد اخذ العينة وحينما استيقظت متألما، لأتناول المسكن، وجدتها يقظة، فقررت ان اقرأ لها القصة على سبيل الاعتذار. وانا اقرأ وجدت ان كثيرا من التراكيب والكلمات لن تصل اليها، فأخذت اعدل الي العامية اثناء القراءة وكانت المحصلة ايجابية، فحين انتهيت كانت الدموع تسيل من عينيها.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة الأهالي المصرية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.