قضية للمناقشة: إنجاز دون رؤية

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 3 يوليو 2018 - 6:30 مساءً
قضية للمناقشة: إنجاز  دون رؤية


تثور عند كل تغيير وزاري المناقشة التقليدية حول صلاحيات الوزير، إن كان مكلفا بتقديم سياسات ورؤى وبرامج تنفيذية لها، أم هو مكلف فقط بالتفاصيل والإنجازات العملية لما يخططه صناع السياسة الحقيقيون، وكان وزير الزراعة الأسبق “ يوسف والي “ قد أطلق وصفاً بليغاً ودقيقا حين قال عن الوزراء : نحن جميعا سكرتارية للرئيس.
وطالما سأل المثقفون الزميل “ حلمي النمنم” حين تولى وزارة الثقافة عن رؤيته وخطته للنهوض بالثقافة، فكانت إجاباته دائما عامة وإن حددت فى بعض الأحيان طبيعة القيود التي تكبل حركة الوزير، أي وزير، وعلى رأسها الميزانية التي يذهب الجزء الأكبر منها للأجور، وبذا يحول فقر الموارد بشكل إضافى بين وزير الثقافة وبين تحقيق الطموحات التي تنهض بالثقافة من وجهة نظره، حتى لو بقى الأمر كما هو عليه الآن معلقا فحسب، بالتفاصيل والإنجازات العملية دون الرؤى والخطط التي لا شأن للوزير بها.
وتفاءل مثقفون ومواطنون وأنا منهم بتولي الدكتورة الفنانة “ إيناس عبد الدايم” موقع وزير الثقافة، نظراً لجهودها الدائبة من أجل الوصول بالإنتاج الثقافى والفني إلى الجماهير البسيطة، والفقيرة، وهو ما كان يتطلع إليه أيضا “ حلمي النمنم”.
وكنا قد شهدنا فى السنوات الماضية نماذج كثيرة لوزراء لم تهدأ حركتهم من أجل الوصول بالخدمات التي تقدمها وزاراتهم للجمهور الواسع، ومع ذلك بقى سؤال السياسات العامة التي يجد الوزير نفسه بعيدا تماما عن المشاركة فى وضعها، فإذا كانت لدى الوزيرة أو الوزير تصورات ورؤى وأفكار وخريطة لترتيب أولويات موازنة طالما اشتكت الإدارة من ضعفها، فإنه غالبا ما يكتفى بهذه الأفكار لنفسه لأنه ليس مكلفاً بالمشاركة فى وضع السياسات.
ولعلني بذلك أكون قد وصفت بالضبط وضع الدول التي تسقط فى قبضة المؤسسات المالية الدولية من أجل الحصول على قروض، لأنه سيكون عليها فى هذه الحالة أن تنفذ” روشتة” لم تجر كتابتها فى الدوائر السياسية للبلد المعني، ولا استجابة لمصالحه واحتياجاته لأنه أصلا برنامج مخطط لخدمة مصالح الدول المتنفذة فى هذه المؤسسات المالية التي تكاد تهيمن على الاقتصاد العالمي كله.
فإذا عدنا إلى موضوع السياسات الثقافية، وتابعنا الجهود الشريفة التي تبذلها وزيرة الثقافة الدكتورة “ إيناس عبد الدايم “ سوف نجد أنفسنا أمام سؤالين كبيرين: أولهما هو حقيقة الرؤية الثقافية التي تتبناها الدولة المصرية على اعتبار أن الوزيرة هي التي تجسد هذه الرؤية فى عملها، أما السؤال الثاني فيتعلق بالحريات العامة والخاصة التي يظل توفرها شرطا أساسياً للإبداع الثقافى وجسرا للنهوض بالثقافة، وكان الدستور المصري قد خصص بابا كاملا لقضية الحريات، ولكن لأن الدستور لم يطبق، ولم يصدر مجلس النواب القوانين المنظمة لكي يمكن تطبيق الدستور، فلا تزال الانتهاكات للحريات وحقوق الإنسان التي كانت أحد الأسباب الرئيسية لإنفجار موجات الثورة قائمة.
ولأن الوزراء ليسوا معنيين بوضع السياسات العامة فلم تشغلهم مسألة القيود على الحريات، ولم يكن أحد منهم طرفا أبداً فى الحركة المطالبة بإسقاط القوانين المقيدة للحريات، أو الشروع فى تطبيق الدستور الذي استلهمت لجنة الخمسين فى كتابته وتحصينه شعارات الموجات المتعاقبة للثورة، خاصة فى باب الحريات.
سوف تكون “ إيناس عبد الدايم “ إذن مضطرة لإعادة إنتاج ما هو قائم، وماكان قائما من قبل: أي مواصلة الجهد للوصول بالإنتاج الثقافى إلى الجماهير العريضة والفقيرة، ولكن دون رؤية متكاملة لأهداف الثقافة، وقبل ذلك أدوارها، والمتطلبات السياسية لتتفتح زهورها، وليجد المبدعون فى كل المجالات مناخا ملائما لتطوير إنتاجهم، دون خوف او قلق دون قضايا حسبة، أو إتهام بإزدراء الأديان، أو التخطيط لقلب نظام الحكم وتكدير السلم العام.
وسوف يكون من الصعب أن تلعب الثقافة فى ظل هذه الظروف، الأدوار المنوطة بها فى القضايا الكبرى التي تواجهها البلاد من تجديد الفكر الديني، لتطوير نظام التعليم، والتقدم فى ميدان البحث العلمي، وإطلاق مواهب المصريين، وهم معرضون فى ظل الاختيارات السياسية القائمة وترتيب الأولويات الذي هو بدوره سياسة، معرضون لمزيد من الإفقار ماديا ومعنويا، وفى ظل هذه الأوضاع ينحرف دور الثقافة فى إتجاه الترفيه لا التنوير ولا النقد.
وقبل ثمانين عاما كتب “ طه حسين “ كتابه “ مستقبل الثقافة فى مصر “ ربط فيه هذا المستقبل عضويا بالتعليم، ومازال التعليم فى مصر بانقسامه، وبدخول المدارس والجامعات الأجنبية، فيه يشكل عبئا على الثقافة لا قاطرة لها.
تعلمنا التجربة الإنسانية حتى قبل الكتابات النظرية العميقة، أن العمل دون رؤية ومهما كان مخلصا هو كارثة، وهذا هو بالضبط ما يحدث لنا فى ميدان الثقافة على الأقل، ولذا سوف نرى باستمرار جهودا مضنية من الوزيرات والوزراء الذين تشبعوا جميعا بفكرة أن الإنجاز هو المهم، وهم يبثون خطاب الإنجاز هذا دون رؤية، وتبقى الدائرة تدور كإنما نحرث فى البحر، ويتساءل الناس لماذا الحصاد قليل رغم كل هذا الجهد ؟ وعلينا جميعا أن نشارك فى الإجابة عن هذا السؤال.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:


عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

404 Not Found
ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة الأهالي المصرية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.