مكتبة القاهرة تشهد قصص الصمود والتحدى لـ «جودة عبد الخالق وكريمة كريم»: حكاية راعى الغنم الذى أصبح دكتورًا فى الاقتصاد ووزيرًا للتموين

جودة عبد الخالق والمواجهة مع الأستاذ الصهيونى التى تتزامن مع هزيمة يونيو وحرب الاستنزاف.. كريمة كريم: كنت أمام شخص يدافع لتحقيق حلم بكل ما أوتى من قوة

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 4 يوليو 2018 - 12:07 مساءً
مكتبة القاهرة تشهد قصص الصمود والتحدى لـ «جودة عبد الخالق وكريمة كريم»: حكاية راعى الغنم الذى أصبح دكتورًا فى الاقتصاد ووزيرًا للتموين


سلوى العنترى : الكتاب يثير قضية حقيقية وهى الحاجة إلى عودة القيم المصرية التى اندثرت

محمد صادق عرب : ينبغى تقديم كتاب حكاية مصرية للشباب للتعلم منه واكتساب الخبرات

أحمد تيمور : «الكتاب» يمتاز باستثنائية خاصة تجعله فريدًا وإضافة للمكتبة العربية


“حكاية إنسانية درامية شائقة ومثيرة.. مبكية ومفرحة وملهمة.. تنقل جودة من العمل بالزراعة إلى رعى الغنم ثم إلى حفظ القرآن، تمهيدا للالتحاق بمعهد أزهرى ثم تمرد على المعهد قبل دخوله بأيام بسبب علقة من شيخه- وهو قريب له – لمجرد أنه طلب منه تفسير الآية «سنسمه على الخرطوم»”.. هى سطور من الكتاب الذى أصدره الدكتور جودة عبد الخالق، المفكر الاقتصادى، ووزير التموين الأسبق، مع رفيقة دربه، الدكتورة كريمة كريم، حيث شهد مطلع الأسبوع الجارى، إقامة حفل توقيع ومناقشة هذا الكتاب، والذى حمل عنوان “حكاية مصرية”، وذلك بمكتبة القاهرة الكبرى، وهو سيرة ذاتية عن مسيرتهما فى الحياة، وسرد لتجربة حياتية بطعم الدراما الإنسانية سجّلها المؤلِّفان بقلميهما.
الدافع الأساسى
وقال الدكتور جودة عبد الخالق، إنه تم التفكير كثيرًا قبل الشروع فى البدء بالكتابة، وأن تشجيع عدد من الأصدقاء كان دافعا أساسيا لخروج هذا الكتاب إلى النور، وخاصة التركيز على الجزء الأخير وهى المواجهة مع “استاذ الجامعة الصهيونى”، حيث أنه كان أمر غاية فى الصعوبة، لأن هذه المواجهة كانت تتزامن فى الفترة التى عاشتها مصر بين هزيمة يونية 1967 وحرب الاستنزاف لاسترداد الأرض، فكان هناك أحداث شخصية وكذلك أحداث عامة خاصة ببلدى.. وتابع المفكر الاقتصادى، أن هذا الكتاب يمكن تناوله من عدة زوايا، أولها العلاقات الطبقية، بين الطبقة الفقيرة، والطبقة الوسطى العليا، موضحًا أن تجربتنا فى إزالة الفوارق بين الطبقات، ساعد كثيرًا فى الجهود التى تمت فى ستينيات القرن الماضى، لآفتًا إلى أنه لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية أفضال علينا، فهى التى سمحت لنا بالخروج بأرضية واحدة، موضحًا أنه فى كل منعطف فى حياتنا كان هناك تحديات وجودية، وعليك أن تثبت أنك ستكون، ومواجهتى مع الشيخ الذى كنت أحفظ على يديه القرآن الكريم للاتحاق بالمعهد الأزهرى، كانت أولى التحديات الوجودية، موضحا أن التحدى الوجودى، هو عندما تجد نفسك وفى وضع يجب أن تختار فيه بين المبدأ والمصلحة. وقال إننى اعتبر نفسى «سعيد الحظ» كونى التقيت “كريمة” فى مرحلة مهمة من مراحل حياتى.
طلب الهجرة
وحول التحدى الأخر فى هذه المرحلة، أوضح أنها متعلقة بترصد “استاذ الجامعة الصهيونى”، مضيفًا أننا رفضنا التقديم لطلب الهجرة لدولة كندا، وبالتالى فالطلاب ليس من حقهم العمل، إلا فى السوق السوداء، فلو اتخذنا القرار السهل وهو العودة إلى مصر نقول أن هناك اضطهادا متعمدا من استاذ صهيونى، فلم نسلم من الأقاويل حول فشل تجربتنا ودراستنا، لكن كان قرارنا من اليوم الأول وخططنا لذلك حياتنا المستقبلية وفقًا لذلك، هو الحصول على الماجستير بامتياز من الجامعة التى بها الاستاذ الصهيونى رغم المضايقات التى تواجهنا، والحصول على منح دراسية والحصول على الدكتوراة من جامعات أخرى محترمة.
وقال إننا كسبنا الرهان والتحديات بفضل عدة عوامل، أهما الحب المتبادل، وحبنا لوطننا والانتماء له فى كل مراحله، حيث اننا رفضا ان نقدم للهجرة إلى كندا، عندما عرض علينا، أو نعمل فى هذه الجامعة.
رفيقة الدرب
وقالت الدكتورة كريمة كريم، أستاذة الاقتصاد فى جامعة الأزهر، إن فكرة إعداد هذا الكتاب، هو أننا وجدنا الشباب يريد أن يحقق جميع أحلامه دفعة واحدة، وأن يحصل على كل شئ دون تعب، فأردنا أن نبين لهم أنه لابد من التعب للوصول إلى الهدف الذى تريده وذلك نقلا عن تجربتنا الشخصية، حتى إذا كانت الحياة قاسية فى وقت من الأوقات، تستطيع أن تواجه هذه المشكلات وتتغلب عليها.
وتابعت كريم، اخترت “جودة” كزوج بعقلى، فعلى الرغم من الظروف القاسية التى نشأ فيها، فهو حصل على المركز الثانى بين زملائه فى الثانوية العامة، وحصل على المركز الأول على دفعته بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، موضحة أن هذه العوامل أثبتت لى أننى أمام شخص يدافع لتحقيق حلم بكل ما أوتى من قوة، وبالمثل فقد تربيت على هذه الدوافع أيضًا، قائلة “ رغم الظروف المعيشية المختلفة بيننا فى هذا الوقت، ولكنه كان الشخص الذى يمكننى الاعتماد عليه. وقالت، إنه مع هذا الإصرار على النجاح الذى كنت أراه رغم كل الظروف الصعبة والمعوقات، فكان الهدف الذى قمت بالتخطيط له، أنه فى خلال خمس سنوات سنكون قد انتهينا من الحصول على درجات الماجستير والدكتوراة، مستطردة، “كنا بناكل جبنة طوال الوقت عشان مش معانا فلوس خلال هذه السنوات”، مضيفة أن العقل يجب هو الذى يختار، لأنه لو كنا اختارنا الحب فقط لكانت هذه العلاقة انتهت قبل ان تبدأ، فكان رهاننا على الكفاح والتعب وليس الحب لتحقيق حلمنا.
تجربة حياتية
وقال الشاعر الدكتور أحمد تيمور، إن العرض المقدم فى الكتاب ليس سيرة ذاتية، ولكنه تسجيل وتجربة حياتية بطعم الدراما الإنسانية بكل معانيها، ويرصد أحداث ووقائع عاشاها معًا، ومتغلبين على صعوبات فرضت عليهما، وكان الجزاء من جنس العمل نتيجة هذا الجهد الأسطورى، وهو ما توج فى هذا الكتاب، موضحًا أن الحكاية التى يسردها هذا الكتاب، هى حكاية مجتمع، قائلا، أزعم بأنني متابع جيد لكتب السير والتراجم، وأرى أن كتاب “حكاية مصرية” يمتاز باستثنائية خاصة تجعله فريدا وإضافة للمكتبة العربية.
وقال الكاتب حسام الدين ناصف، إن الكتاب يعبر عن قصة تحقيق الأحلام ومجابهة الأحلام، موضحًا أن الكتاب يوضح أن الوصول حول اتفاق فى أي قضية، كانت هى السمة السائدة فى حياتهم، مضيفًا أن الفارق فى النشأة كان تأثيره واضحا بين سطور هذا الكتاب. وأضاف، أن الكتاب رسخ مبدأ مهما فى الارتباط وهو تطابق الشخصيتين، وذلك رغم اختلاف النشأة، فكل تعلم الانضباط كل بطريقته ومرجعيته، فضلا عن مبدأ الصراحة والوضوح والالتزام، وهى الرسالة التى أوصلها الكتاب بصورة مباشرة لجميع القراء.
3 مقالات
ومن جانبه، قال رئيس الوزاء الأسبق، الدكتور عصام شرف، إن هناك ثلاث معادلات أساسية حول الكتاب، وأولها أن القلم ليس عقابا، فهو استطاع أن يشكل كيانهما فيما بعد، والثانية، أن النجاح أتٍ لا محالة بعد سلسلة من الفشل ولكن يجب الاصرار، والمعادلة الثالثة، هى فلسفة العوالم، “جمع عالم”، وهو أن النظم الاقتصادية والسياسية، هى نظم صممها الإنسان.
اكتساب الخبرات
وزير الثقافة الأسبق، محمد صادق عرب، قال إن هذا الكتاب، يفتح مجالات كبيرة، وأهمها هو حالة التحدى، والتى يجب أن نركز عليها خلال هذه الفترة، مشيرًا إلى قضية كتابة المذكرات هى ظاهرة عالمية، لافتًا إلى زمالته مع الدكتور جودة عبد الخالق فى حكومة كمال الجنزورى، قائلا “رأيت تطابقا فى الشخصية التى أقرأ لها والشخصية التى قابلتها، مؤكدًا أنه ينبغى تقديم كتاب “حكاية مصرية” للشباب، للتعلم منه واكتساب الخبرات.
إعادة القيم
وقالت الدكتورة سلوى العنترى الخبيرة المصرفية، إن الكتاب به الكثير من قصص الصمود والتحدى، والذى يظهر المعدن المصرى الأصيل، والذى يعتبر إرادة وتحديا يجب أن يحتذى به الشباب فى هذا العصر، موضحة أن الجيل الذى يتحدث عنه الكتاب تربى على عدد من المبادئ، ومنها أن من جد وجد، وأن العمل شرف، وغيرها من القيم التى شكلت وجدان جيل كامل، ويجب على هذه القيم والتى اندثرت بفعل فاعل أن نعمل على إعادتها مرة أخرى، مؤكدة أن الكتاب يثير قضية مجتمعية مهمة وهى عودة القيم المصرية الأصيلة التى اندثرت.
مفردات القرية
دكتورة هالى عدلى حسين، أكدت أن الكتاب أعاد لنا مفردات القرية التى كانت قد اندثرت فى هذه الأيام، وأن الدكتورة كريمة كريم، أظهرت لنا حقيقة الطبقة المتوسطة العليا وهو عكس ما يصدره لنا الإعلام.
وقال د. حافظ شمس الدين، إن الكتاب هو عبارة عن سبيكة مشتركة، انصهرت واخرجت لنا هذا الكتاب، وأنه يعتبر دافعا للشباب، لكى يبذلوا مزيدا من الجهد، فى سبيل تحقيق أهدافهم.

404 Not Found
نعرض فيما يلى أجزاء من هذا الكتاب المملوء بالصعاب والعناء الممزوج بابتسامة النصر وتحقيق الحلم، فهى “ حكاية إنسانية درامية شائقة ومثيرة.. مبكية ومفرحة وملهمة..
تنقل جودة من العمل بالزراعة إلى رعى الغنم ثم إلى حفظ القرآن، تمهيدا للالتحاق بمعهد أزهرى ثم تمرد على المعهد قبل دخوله بأيام بسبب علقة من شيخه- وهو قريب له – لمجرد أنه طلب منه تفسير الآية «سنسمه على الخرطوم»، نهره الشيخ وضربه بعنف طالبا منه أن يحفظ فقط «ورجله فوق رقبته».. عمل والد جودة- الأمى- بالكامب الإنجليزى ثم بشركة كهرباء فرنسية بالقاهرة وكاد يدفع جودة إلى ترك الدراسة الثانوية ليعمل بها خراطا لولا تدخل والدته. جودة ابن قرية ميت العز-دقهلية، عاش على الضنك فى قاهرة المعز لكنه أصبح الثانى على الثانوية العامة والأول على دفعته فى كلية الاقتصاد، وقد صافح الرئيس عبدالناصر مرتين فى عيد العلم عامى 1960 و1964 خلال الدراسة بالكلية، وقع من أول نظرة فى حب ابنة قيادة وفدية كبيرة وهى الدكتورة كريمة على كريم التى تحتاج إلى راتب كراتبه وهو معيد فقط لتأكل به شيكولاتة، لكن تم زواج الراعى والآنسة التى لم تعرف يوما كيف يعد كوب الشاى، واحتاجت إلى دليل عندما سافرت مع زوجها إلى كندا لتعرف منه أن الأرز يغسل قبل الطهى وأن المكرونة لا. فى كندا تعرضا لمؤامرة من أستاذ صهيونى حتى يعودا إلى مصر فاشلين، وعمل جودة ميكانيكى سيارات ومساعد جناينى ومنظم مرور أمام مدرسة أطفال وبائع موسوعات، وعملت بنت الأكابر مساعد طباخ وبائعة مقشات بيد خشبية وموزعة إعلانات سلع، كل ذلك بكبرياء، تأبى طلب العون من أى أحد ولو كان من أسرة كريمة! وأخيرا عادا ظافرين بالدكتوراه انتصارا على الصهيونى وعلى نفسيهما، إذ رفضا الجنسية الكندية ورفضا أيضا العمل بالتدريس هناك مع أن راتب الواحد منهما بمصر سيكون 1/ 50 مما عرض عليهما هناك. هى حقا أشياء لا تشترى وهما حقا نوع من البشر لا يمكن أن يبيع ذرة من تراب بلده أو من ضميره العلمى بكنوز العالم.
زهور البرتقال
كانت حقول ميت العز فى دلتا النيل بمحافظة الدقهلية تفوح برائحة زهور البرتقال والمشمش والخوخ مع تباشير الربيع. وكانت أصوات الطيور تنطلق فرحة بالربيع القادم وبدء دورة جديدة للحياة. وعلى بعد مئات الكيلو مترات فى صحراء العلمين كانت هناك أصوات من نوع آخر. إنها أصوات مدافع إلانجليز/ مونتجومرى، والألمان/ روميل، فى المعركة التى كانت تدور على أرض مصر. لكنها أصوات مرعبة تنذر بالدمار والموت. وبين تباشير الحياة القريبة ونُذر الدمار البعيدة، جاء المولود الثانى للعائلة، وكان ذلك فى العاشر من إبريل 1942، كانت الأحوال الصحية فى ريف مصر وقتذاك صعبة للغاية بسبب الفقر والجهل والمرض، ذلك الثالوث الرهيب. ولذلك مات المولود الأول للأسرة بعد شهور من ولادته. ولأن الذرية- الأولاد – هم رأس مال الأسر الفقيرة فى ذلك الوقت، فقد كان موت الأبناء مصابا أليما إضافة إلى كونها خسارة فادحة، أى صدمة للقلب وللجيب. هكذا تلقت الأسرة خبر موت الابن البكرى، فكان رد فعلها التلقائى أن نذرت الأم أن تسمى مولودها القادم باسم أحد الأولياء فى قرية قريبة اسمه «سيدى الشيخ جودة»، على أمل أن يمد الله فى عمره. وهكذا اكتسب المولود الجديد اسمه من سياق مجتمعه فى معادلة دقيقة بين الحياة والموت، والاختيار والقدر. «جودة» كان هذا هو اسم المولود الثانى للأسرة والأكبر بين أبنائها الثمانية بعد فقدان مولودها الأول…
ميسور الحال
كانت العائلة فى الأصل من ذوى الأملاك فى ميت العز، ولديها أطيان مكنتها من أن تعيش ميسورة الحال. إلا أنها تأثرت بتقلبات الأيام ومفعول الميراث وتحولات الاقتصاد والسياسة. فتحولت إلى عائلة فقيرة ممتدة تكابد العيش بفلاحة مساحة من الأرض كانت موضوعا للتفتت المتسلسل من جيل إلى جيل، بمفعول الاحتياجات البيولوجية ومقتضيات الشريعة الإسلامية. وإلى جانب الزراعة، اشتغل أعضاء الأسرة ومنهم الغلام بتربية الماشية ورعى الأغنام. وبعد أن ضاقت الأرض بذراعيها، ارتحل والد الطفل إلى التل الكبير للعمل فى الكامب – معسكر قوات الاحتلال الإنجليزى هناك- وكانت تلك مقدمة لهجرة الأسرة الصغيرة إلى القاهرة طلبا للرزق بعد ذلك بسنوات…
الزراعة
بعد أن صار الطفل غلاما، مارس أنواع العمل الزراعى فى فلاحة أرض الأسرة الممتدة، فعرف كيف ينقل «التراب» من الغيط إلى المنزل، ليستخدم فى ردم أرضية الزريبة عندما تتشبع بفضلات المواشى الصلبة والسائلة. ويقوم بصرف المجارى من الخزان الخاص بها عندما يمتلئ، ثم ينقل «السباخ» (السماد البلدى) من زريبة المنزل إلى الحقل لتخصيب المزروعات بالسماد العضوى. كان ذلك هو النسق المغلق للزراعة المصرية فى زمانه، كل شىء من الحقل وإليه. عرف كيف يضع الغبيط على ظهر الحمار، وكيف يملؤه (يُحمله) بالتراب أو السباخ، وكيف يقود الحمار فى رحلته من الحقل إلى المنزل أو العكس. أتاح له ذلك أن يراقب الحمار ويتعامل معه عن قرب. فاكتشف أنه مخلوق ذكى وليس حيوانا غبيا، كما يشاع عنه، فهو يعرف طريقه دائما، وقد تعلم الغلام من الحمار كيف يعرف طريقه جيدا، وألا يسمح للشواغل بتشتيت انتباهه وتحويل مساره، فهو يعتبر نفسه دائما فى مهمة، يسعى لإنجازها بكل تفان وإخلاص. كما اكتشف الغلام من تجربته فى تلك المرحلة أن الحمار ليس متبلد الإحساس كما يروى عنه. إن لديه اعتزازًا بالنفس وكرامة، مما يدفعه أحيانًا إلى التمرد والثورة على صاحبه إذا أحس أنه يهينه. وأدرك العلامات التى تنبئ بأن الحمار على وشك أن يتمرد على صاحبه فيوسعه ركلا بكلتا رجليه أو يعضه بأسنانه، وهو قد يسبب لصاحبه إصابات بالغة، وقد يفضى به إلى الموت. وهناك علامات أو مؤشرات على الحالة المزاجية للحمار، فعندما يكون الحمار فى حالة صفاء وسلام مع صاحبه يسير وأذنيه متدليتين إلى جانبيه وذيله فى وضع عمودى على الأرض، وعندما يكون الحمار فى حالة غضب ويكون على وشك التمرد على صاحبه، تجد أذنيه أخذتا وضعا رأسيا فيما يشبه الهوائى (إلايريال) للإرسال والاستقبال، وتجد ذيله أخذ زاوية 45 درجة مع جسمه. فإذا رأيت حمارا على هذا النحو، فتأكد أنه قد ينقلب على صاحبه فى أى لحظة!
طين القرية
فى تلك المرحلة من حياته تعلم الغلام فى قريته أيضًا كيف يروى الأرض بتشغيل الساقية والطنبور وكيف يقوم بـ«تحويل الميه» وغاص فى طين القرية واستحم فى ترعتها (جنابية كفر منصور المتفرعة من الرياح التوفيقى). كان يمشى حافى القدمين ويعمل فى الحقل ويستحم فى مياه الترعة وقنوات الرى التى كانت مرتعا لقواقع البلهارسيا، فأصابته بذلك المرض اللعين، واعتاد أن يذهب كل صيف إلى مستشفى صهرجت الكبرى (وهى مدينة صغيرة تبعد حوالى ثلاثة كيلومترات من قريته) للعلاج بحقن كانت تنتقل من شخص إلى آخر دون تعقيم، فأصابه ما هو أخطر من البلهارسيا الالتهاب الكبدى الوبائى (فيروس C)- وإلى جانب العمل الزراعى، مارس الغلام، كباقى أفراد أسرته، نشاط الرعى، عمل راعيا للغنم، كان يجوب جوانب الترع والجسور وأيضا الحقول بعد جمع المحصول بقطيع من الأغنام، عدد قليل منها ملك لعائلته، لكن أغلبها مملوك للغير من أهل القرية. كانت هذه تجربة خصبة، تعلم منها كيف تكون عينه دائما على قطيع الأغنام وعلى كلبه الذى يتولى استطلاع الذئاب المتربصة. أصبح الغلام يعرف من سلوك الكلب متى يكون هناك خطر كامن داخل حقول الذرة أو خلف الجسر، فيبادر باتخاذ ما يلزم لحماية قطيع الأغنام. تلك كانت بدايات تعلم الغلام مسئولية الراعى عن رعيته، وقد استفاد منها بعد ذلك فى كل مجال عمل فيه. وفضلا عن اليقظة الدائمة، تعلم الغلام أيضًا من مهنة راعى الغنم معنى الصبر واحتمال المشاق.
مرض!
ابتلى الله الغلام بقراع أصاب رأسه، وحارت أسرته ماذا تفعل. جربت كل ما كان متاحا من تراث العلاج الشعبى: تراب الفرن، المراهم، الرقية والأحجبة والنذور، والتردد على أضرحة أولياء الله الصالحين فى القرى المجاورة، قال لهم الناس إن شفاء رأس الغلام يكمن فى شحم وابور قطار الدلتا، الذى كان يمر بالقرية على الشط الشرقى للرياح التوفيقى. كانت جدته، رحمها الله، تصطحبه كل يوم وتقف به على محطة قطار الدلتا انتظارا لوصول القطار ثم تقوم بأخذ ما تيسر من شحم الوابور وتدلكه فى رأس المسكين، لم يكن مؤكدًا أن هذا الشحم يشفى من القراع، لكن هو التمسك بالأمل مهما كان ضعيفا، تماما كالغريق الذى يتعلق بقشة طلبا للنجاة، ويبدو أن الحرارة المرتفعة لشحم القطار ساعدت فى إعطاء الغلام إحساسا بالراحة، وربما تكون قد ساهمت فى قتل الميكروبات المسببة للقراع، وربما تكون هذه العوامل كلها. المهم أن القراع اختفى، ولكن بعد أن تجاوز الغلام سن القبول بالمرحلة الابتدائية…
وسعيا للحاق بقطار التعليم، قررت أسرته إعداده لدخول المعهد الدينى بالزقازيق. فأوكلته إلى الشيخ عبدالناصر، ابن عم والده، لتحفيظه ما تيسر من القرآن وتعليمه مبادئ القراءة والكتابة والحساب لمساعدته على اجتياز اختبار القبول بالمعهد الدينى بالزقازيق.
القرآن الكريم
كانت ميت العز، كما كان جميع أهل الريف فى ذلك الوقت، تعلق أهمية كبيرة على التعليم الدينى فى المعاهد الأزهرية، وكان المعهد الدينى فى الزقازيق هو قبلة أولاد العائلات للحصول على التعليم، نظرا لما حققه ذلك المعهد من شهرة واسعة، وعلى نفس الدرب سارت الأسرة، فقررت أن تلحق ابنها الأكبر بالمعهد الدينى فى الزقازيق…
بدأ الغلام يتردد على كتاب الشيخ عبدالناصر ليحفظ ما تيسر من أجزاء القرآن الكريم استعدادا لدخول امتحان القبول بالمعهد الدينى فى الزقازيق. ودارت الأيام، وحفظ جزءَى عم وتَبَارك، كما حفظ سورتَى البقرة وآل عمران، وصار فى وضع يؤهله لاجتياز اختبار القبول فى المعهد الذى لم يبق على موعده سوى أسبوع واحد، باق من الزمن سبعة أيام ويدخل الابن الأكبر هذا العالم المثير، عالم الأزهر، من أوسع أبوابه وهو المعهد الدينى بالزقازيق، التى كانت أقرب لميت العز من مركز ميت غمر الذى تتبعه القرية إداريا، ولكن فجأة، حدث ما لم يكن فى الحسبان، وفشل مشروع الالتحاق بالأزهر، وتغير المسار كليا…
فذات يوم ذهب الابن الأكبر إلى الكتاب وهو يجاهد لحفظ سورة القلم، كان نص الآية 16 فى تلك السورة هو: ﴿سَنسمه َعلى الخرطوم﴾، ولم يكن الغلام الصغير يفهم معنى الأية، فطلب من شيخه أن يشرحها له حتى يسهل عليه حفظها، لكن الشيخ رفض بإصرار، وقال للغلام غاضبا: «احفظ ورجلك فوق رقبتك» فرد الغلام: «لن أحفظ» فعاجله الشيخ بالضرب المُبرح بقسوة لم يتوقعها، ولم يفهم مبررا لها، ولم يقبلها، كانت تلك أولى مواجهات الغلام مع الطغيان…
قسوة الموقف
كان ضرب الشيخ عبدالناصر صدمة شديدة له، وزاد من قسوة الموقف أن الغلام لم يفهم سببا لذلك الضرب، هل جزاؤه أنه طلب من شيخه شرح الآية لكى يفهمها؟ لماذا يربط طلب العلم بالأذى والقهر؟ إلى الجحيم بأى شىء يأتى مع القهر. استقبله أبوه مهللا: «لم يبق إلا أسبوع وتلتحق بالأزهر»، ففاجأه بلا تردد: «لو كان الأزهر هو الجنة فلم أعد أرغب فيها، لم يعد الأزهر يلزمنى، وسأبحث عن طريق آخر». وقع كلام الابن على الأب كالصاعقة، لقد كان يتحرق شوقا وهو الفلاح الأمىّ لأن يصبح ابنه يوما من شيوخ الأزهر المُعممين.؟ وها هو يرى الأمل يتحول إلى سراب، وهو لا يعرف ماذا يفعل. حاول جاهدا أن يثنى الابن عن عزمه وأن يقنعه بالتراجع عن موقفه، لكن دون جدوى…
الضباط الأحرار
كانت عقارب ساعة التاريخ المصرى قد تخطت حاجز 23 يوليو 1952، بـ«انقلاب» مجموعة الضباط الأحرار الذى أطاح بالملك فاروق، ثم كان إعلان التحول من الملكية إلى الجمهورية فى 18 يونيو 1953 لم يدرك الابن الأكبر هذه التحولات الكبرى فى بلده لسبب بسيط، لقد كانت قرى مصر فى حال وعاصمتها فى حال آخر يبعد عنه مئات السنين فلا كهرباء ولا مياه ولا صحف ولا إذاعة- لذلك لم يعلم الغلام بالذى كان يجرى من أحداث جسام فى القاهرة، رغم أنها لا تبعد عن قريته أكثر من 60 كيلو مترا.
حكاية «رفيقة الدرب»
كان والدى محاميًا مستقلاًّ وله اسمه المهنى المعروف، كما كان من رجالات حزب الوفد وعضوًا فى مجلس النواب ثم مجلس الشيوخ عن دائرة شبرا وروض الفرج قبل ثورة 1952 ثم قامت ثورة 1952، فتم عزله سياسيا، مثله مثل الكثيرين ممن كانوا يعملون بالسياسة فى ذلك الحين. ولكن الحمد لله أنه لمُ يعتقل مثل كثيرين من الوفديين المعروفين. كما تم إغلاق مكتب المحاماة الخاص به. وأدت الإجراءات الاقتصادية التى اتخذتها حكومة الثورة إلى انخفاض دخلنا من الملكية الزراعية… ولكنه بالرغم من كل تلك الصدمات تمكن، بالتعاون مع والدتى، من أن يحافظا لنا على مستوى معيشة مرتفع بشراء عمارة فى موقع متميز بالمعادى، كانت معروضة فى المزاد، بعد هروب صاحبها اليونانى من مصر دون دفع الضرائب المستحقة عليه… وبفضل ذلك تمكنت أسرتنا من المحافظة على مستوى المعيشة الذى اعتدنا عليه، بما فى ذلك وجود السائق والطباخ وعدد من الشغالين بالمنزل. لقد كفلا لنا حياة مريحة، فلم نكن نحتاج أن نأتى لأنفسنا حتى بكوب ماء. وتعلمنا أيضًا من الوالدين أن هؤلاء الشغالين أصبحوا من الأسرة، وبالتالى نحن مسؤولون عن تعليم أولادهم، وعلاجهم فى حالات المرض، ورعايتهم عند كبرهم بحيث يصل إليهم راتبهم الشهرى… هكذا كانت نشأتى وإخوتى، مرتاحين اقتصاديا، ولكن فى نفس الوقت تعلمنا مساعدة الآخرين خاصة من يعملون فى خدمة الأسرة.
ومن القواعد التى نشأنا عليها أيضًا، وأظن أنه نشأ عليها الجزء الأكبر من جيلنا، عدم وجود فارق بين المسلم والمسيحى، فكلنا مصريون، ولا نختلف عن بعضنا البعض إلا بأخلاقنا وليس بديننا. وأتذكر فى هذه الفترة ثلاث وقائع تدل على قوة العلاقة بين جميع المصريين، مسلمين وأقباطا. الواقعة الأولى تتعلق بالمنافسة الانتخابية، فقد كان والدى فى كل انتخابات برلمانية يفوز دائمًا بالتزكية عن دائرة شبرا وروض الفرج. وكما هو معروف، فإن نسبة كبيرة من السكان فى هذه الدائرة من الأقباط، وكانت المكافأة التى يحصل عليها والدى من عضويته فى البرلمان لا يحتفظ بها لأسرتنا، وإنما تقسم فى أظرف مغلقة وتوزع أول كل شهر على المحتاجين من أهل الدائرة دون تمييز بين مسلم ومسيحى…

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة الأهالي المصرية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.