عشر سنوات على رحيله.. محمود درويش شرفة الشعر المفتوحة على الأمل

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 15 أغسطس 2018 - 1:29 مساءً
عشر سنوات على رحيله.. محمود درويش شرفة الشعر المفتوحة على الأمل


تمر هذه الأيام الذكرى العاشرة لرحيل الشاعر محمود درويش، صاحب التجربة المتفردة فى الشعر العربي المعاصر، التي زاوج فيها بين كونه صوتاً للمقاومة الفلسطينية، وبين الرؤية الفنية الجمالية المتجددة، التي جعلت من الشعر زاداً يومياً للحياة وللحرية، فقد كانت قصائده بطاقة هوية للروح العربية الوثابة للمستقبل.
انحاز صاحب «لماذا تركت الحصان وحيداً؟»، إلى الإنسان الباحث عن الأمل فى قلب المأساة، عن الحرية فى أسمى معانيها، عن خضرة الزيتون فى قلب الحرائق والرماد، لم يكترث بمقولات بعض النقاد بأنه شاعر قضية فقط؛ بل راح يخط تجربته الشعرية بهدوء، ليصل بنا فى النهاية إلى أن الشعر فى جوهره هو «أثر الفراشة»، وأنه كشاعر «يطل من شرفته على ما يريد.
استطاع درويش أن يخرج شعر المقاومة من إطار الأناشيد المدرسية المباشرة، إلى فضاء اللغة الإنسانية الأرحب عبر دواوينه المختلفة بداية من «عصافير بلا أجنحة، وعاشق من فلسطين» وصولاً إلى عمله الشعري الأخير «أنت منذ الآن غيرك»..
إن الشعر بعد وفاة محمود درويش يمر بعدة أزمات منها غياب ما يسمى «جماهيرية الشعر»، التي كانت متحققة فى شخص درويش، «الشعر يمر الآن بمحنة فى السنوات الأخيرة، خاصة بعد ما سمي الربيع العربي، واشتعال المنطقة بحروب أهلية، والتدخل الأجنبي وتفتت الدول، وتراجع الاهتمام بالكتابة الإبداعية، وتراجع الأمر أكثر بالشعر، لم يعد هناك جمهور يهتم بحضور أمسيات الشعر فى الأماكن والندوات المختلفة، الدواوين توزيعها محدود، والأجهزة الإعلامية بعيدة، كان شعره نشيداً إنسانياً ينضح بأحاسيس ورؤى استثنائية، بما فيه من قدرة على استشراف المستقبل والتعبير عن الوجود الإنساني.. محمود درويش سيظل حاضراً فى الإبداع العربي؛ لأنه جعل خطابه الشعري قريباً من دلالات الأشياء والوقائع فى صفاتها ووجودها الأول، الذي طمسته التأويلات. لقد كانت مهمة درويش مزدوجة، فبقدر ما عمل على تأسيس وجوده كفلسطيني، ينزع نحو تأكيد حريته وحقه فى امتلاك هوية وطنية مكتملة، عمل أيضاً على تشكيل ملامح القصيدة الجديدة. وتأسيساً على هذا التصور، شيد محمود درويش مشروعاً شعرياً يتسم بالانفتاح والقلق المفتوح على المجهول، الذي جعله مسكوناً دائماً بالقادم وبما سيأتي، وعياً منه بضرورة التجاوز وعدم السقوط فى التكرار، وتجديد أدواته وأساليبه الشعرية للاقتراب من جوهر الوجود الإنساني، فالشعر يخلق واقعاً لغوياً يحتاجه الإنسان، لتحمل صدمة الواقع الإنساني ومأزقه الإنساني أيضاً، ويحاول أن يجدد أسئلته عما لا يعرف.
شاعر الصورة
الفعل التخيلي لدى محمود درويش، يقوم ببناء جديد للوقائع والذكريات المرتبطة بمساره كشاعر، عن طريق التكثيف العميق للصور الشعرية، لهذا تُحيلنا قصائده إلى عالم متخيل فيه كثير من الواقع وصراعاته، وهنا تكمن قدرته الفائقة على خلق الصورة الشعرية.. وقد استفاد كثير من الأجيال التالية لدرويش من تجربته الشعرية، ليس من شعراء فلسطين فقط؛ بل على امتداد الوطن العربي، حتى هؤلاء الذين يكتبون أشكالاً أخرى غير التي كان يكتبها درويش، مثل شعراء قصيدة النثر.
يقول الناقد د. مدحت الجيار، رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة الزقازيق: «رحلة طويلة قضاها محمود درويش خارج الوطن، ورحلة أكبر قضاها مع القصيدة، تلك الأيقونة الرامزة إلى تاريخ الأرض المحتلة، وتاريخ محاولات استردادها فأصبحت كلماتها وحجارتها محرضة على المقاومة، والحفاظ على الهوية الوطنية داخل الوطن، وفى المنافى البعيدة والقريبة، الاختيارية والإجبارية.. قصائد درويش حولت اللاجئ المنفى إلى مقاوم وفدائي ومفاوض من أجل السلام العادل، من هنا نستدل على تطور القضية الفلسطينية من شعر محمود درويش، ونستدل على تقلبات الأوضاع السياسية والإنسانية من الشعر نفسه؛ ذلك الشعر الذي لم يسقط فى المباشرة على الرغم من وجود صوت المحرض، وعلى الرغم من البيانات السياسية التي تترجم شعراً ومجازاً، لم يتجه درويش إلى تسجيل بطولات خاصة أو شخصية؛ بل سجل حالة الوطن.
الرحلة الشعرية كما يقول الجيار كانت هي عمر محمود درويش الحقيقي، إذ على الرغم من رئاسته لتحرير مجلات ومؤسسات فلسطينية، لم ينخدع وظل يعلم أن بندقيته قصيدة وكلمته طلقة فيها، وعلى الرغم من ترجمته إلى لغات عالمية كثيرة، لم يجنح درويش إلى مقولات تعجب الآخرين أصحاب هذه اللغات بل ظل يردد: «سجل أنا عربي.. ورقم بطاقتي خمسون ألفاً…» بطرق متعددة وأساليب متنوعة دالة على الأصالة الوطنية والثبات على المبدأ.
وأصبحت قصائده لذلك، سفيراً لنا فى كل مكان من العالم، وعرفت القصيدة العربية من شعره، فهو الصوت الألمع فى شعر المقاومة المعاصرة، وعلامة على تطور القصيدة العربية فى معاجمها وأدوات تشكيلها، منذ ديوانه الأول: «عصافير بلا أجنحة»، وحتى ديوانه «أنت منذ الآن غيرك»، الصادر عام 2008.
تجربة متنوعة
لم يتوقف محمود درويش عن العطاء الشعري لمدة ثمانية وأربعين عاماً، هي عمر تجربة من الشعر المتنوع المتابع لقضية فلسطين، وهناك علامات على هذا الطريق الشعري، منها دواوينه «أوراق الزيتون، وعاشق من فلسطين، ومديح الظل العالي، وهي أغنية، ولماذا تركت الحصان وحيداً، وأثر الفراشة، وأحد عشر كوكباً» وغيرها.. يضيف د. الجيار: «القارئ العربي تعرف إلى محمود درويش وهو لم يزل شاباً فى التاسعة عشرة من عمره، ومنذ هذه اللحظة الباكرة انخرط درويش فى العمل السياسي والنضالي، وأصبح الشعر سلاحًا آخر يناضل به، ولم يلق سلاحه إلا عند موته، وقصائده ودواوينه حملت رؤيته الفنية والسياسية حتى تحولت إلى بيان شخصي ورسمي، تحمل الموقف الرسمي لمنظمة فتح، لكننا نلاحظ استقلاله عن السلطة حين يختلف معها، وهذا ما أعطى مصداقية لشعر درويش.
ويتفق مع هذه الرؤية الناقد والشاعر د. محمد السيد إسماعيل، مشيراً إلى أن درويش باقٍ فى ذاكرة الشعر العربي بمفرداته الخاصة، وبجمله الشعرية الوثابة نحو الأمل، فهو شاعر لم ينس ثمار بلاده وزرعها، وهي مفردات تتناثر فى قصائده مثل حبات المسبحة، ولم ينس طيور بلاده من العصافير واليمام، وقد تحول شعر درويش إلى خريطة لفلسطين، وحتى لا ينسى أبناء الوطن وطنهم.
مفردات الحياة
قصد درويش أن تعيش مفردات وعناصر الحياة الفلسطينية فى قصائده، ليتعرف الغائبون والغرباء إلى الوطن، وهذه المفردات هي التي كونت معجمه الشعري، وأعطته خصوصية فى دوران هذه المفردات داخل سياقات لا تنتهي، تعطي فى كل مرة دلالة جديدة، فهو لا يكرر بقدر ما يؤكد مفردات الوطن، ويقوم المعجم مع سياقات الجملة الشعرية والصورة الشعرية، برسم صورة لغوية مجازية للشاعر والناس والطبيعة، كما أن الموسيقى الخاصة بنصه تنبع من تلك السياقات، فدرويش لا يفتعل إيقاعاً للقصيدة، لكنه يعتمد فى البداية على التداعي العاطفي، وبهذا تنتقل بعض قصائد درويش من الغنائية المسيطرة وصوت الشاعر الفرد، إلى الدرامية وكسر الصوت الشعري الواحد، وتشظيه فى عدة أصوات وحوارات، والقصد من الدرامية والسرد لديه، هو الاستعانة بخصائص الحكي والصراع الدرامي والإفادة من تقنيات الحوار والوصف، حتى تتنوع تقنيات القصيدة، فيجد المتلقي نفسه وحلمه مع الشاعر.
قصيدة محمود درويش هي قصيدة إنسانية فى الأساس، على الرغم من أنها قصيدة مقاومة، إلا أنها كتبت بحس إنساني عميق، ما جعلها تقرأ بكل اللغات، مما يشعر القارئ مهما كانت لغته أو مكانه بأنها قصيدة تخصه، وهذا ما حدث مع شعراء كبار عالميين أمثال «بوشكين، وبابلو نيرودا، وبريخت، وإليوت» وغيرهم، مع محمود درويش اصبحت لغة الشعر العربي لغة عالمية، لأن لغته تميزت بأهم سمة للشعر الحقيقي وهي الصدق، وهذا ما يجعل اعماله باقية، وستظل فى ذاكرة الأدب العربي لاجيال تالية.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:


عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

404 Not Found
ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة الأهالي المصرية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.