فى وداع «حنا مينه» همنجواي الرواية العربية.. صلاح فضل: رواياته عبرت عن الهامش الاجتماعى

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 29 أغسطس 2018 - 1:52 مساءً
فى وداع «حنا مينه» همنجواي الرواية العربية.. صلاح فضل: رواياته عبرت عن الهامش الاجتماعى

“عندما ألفظ النفس الأخير، آمل، وأشدد على هذه الكلمة، ألا يُذاع خبر موتي فى أية وسيلةٍ إعلامية، مقروءة أو مسموعة أو مرئية، فقد كنت بسيطًا فى حياتي، وأرغب أن أكون بسيطًا فى مماتي، وليس لي أهلٌ، لأن أهلي، جميعًا، لم يعرفوا من أنا فى حياتي، وهذا أفضل، لذلك ليس من الإنصاف فى شيء، أن يتحسروا عليّ عندما يعرفونني، بعد مغادرة هذه الفانية، كل ما فعلته فى حياتي معروفٌ، وهو أداء واجبي تجاه وطني وشعبي، وقد كرست كل كلماتي لأجل هدف واحد نصرة الفقراء والبؤساء والمعذبين فى الأرض، وبعد أن ناضلت بجسدي فى سبيل هذا الهدف، وبدأت الكتابة فى الأربعين من عمري، شرّعت قلمي لأجل الهدف ذاته، ولما أزل”، بهذه الكلمات كتب الأديب السوري الراحل حنا مينه وصيته فى عام 2008، الذي وافته المنيه أول أيام عيد الأضحى المبارك بعد أن أنهكه المرض، عن عمر يناهز 94 عامًا، بدأه محاربًا ضد الاستعمار الفرنسي حين كان لا يزال فى الثانية عشر من عمره.
ولد حنا مينة فى مدينة اللاذقية عام 1924، عاش طفولته فى إحدى قرى لواء الاسكندرون على الساحل السوري، وفى عام 1939 عاد مع عائلته إلى مدينة اللاذقية، كافح كثيراً فى بداية حياته وعمل حلاقاً وحمالاً فى ميناء اللاذقية، ثم كبحار على السفن والمراكب. اشتغل فى مهن كثيرة أخرى منها مصلّح دراجات، ومربّي أطفال فى بيت سيد غني، إلى عامل فى صيدلية إلى صحفى أحيانا، ثم إلى كاتب مسلسلات إذاعية للإذاعة السورية باللغة العامية، إلى موظف فى الحكومة، إلى روائي، أرسل قصصه الأولى إلى الصحف السورية فى دمشق، وبعد استقلال سوريا أخذ يبحث عن عمل وفى عام 1947 استقر به الحال بالعاصمة دمشق وعمل فى جريدة الإنشاء الدمشقية حتى أصبح رئيسا لتحريرها.
وأضافت لم تكن السينما السورية أقل حظا فى النهل الثقافي، فقد حرصت المؤسسة العامة للسينما، على نقل إبداع الأديب حنا مينه إلى الشاشة الكبيرة، وتحويله إلى صورة بصرية، وكانت النتيجة خمس أفلام روائية وست جوائز عربية وعالمية.
مواكبة اللحظات
قال الدكتور حسام عقل الناقد الأدبي، إن حنا مينه على المستوى الفني يعتبر فى الرواية العربية رمزيًا وقياميًا الرجل الثاني بعد الأديب الراحل نجيب محفوظ، بالنظر إلى الكم والكيف وإلى التميز النوعي، لافتا إلى أنه خرج من سوريا التحتية وأمهن عدة مهن يدوية بما فيها العمل فى الموانئ، مؤكدة أن حنا أفضل من كتب عن عالم الميناء، وهو نفسه كان يقول: أكتب استيحاء لدولاب المأكولات الفنية، والغرض من ذلك هو إغراق النص وإشباعه بالتفاصيل.
وأشار الناقد الأدبي، إلى أن النص الأدبي لمينا واكب كل اللحظات العربية انكسارا وانتصارا، كونه طرح فكرة الكتابة المشتركة مع نجاح العطار وبدأ هذا فى المجموعة القصصية “من يذكر تلك الأيام”، موضحا انه طور البنية الروائية تطويرا كبيرا ووصل بها إلى مستويات رائعة من النضج والاختمار.
أما على المستوى السياسي، تابع عقل يمكن أن نختلف مع كثير من الأطروحات الفكرية والسياسية لحنا مينه؛ ولكن لم يختلف اثنان على توجهاته العروبة الواضحة فى معظم أعماله.
خصائص أساسية
وفى السياق ذاته قال الدكتور صلاح فضل الناقد الأدبي، إن حنا مينا بالنسبة للشام فى مقام نجيب محفوظ فى مصر والدول التي تقع فى نطاقها، كونه يتميز بعدة خصائص أساسية هي التي حددت معالم إبداعه منها:
انه نشأ فى بيئة شديدة الفقر والحرمان ولم يتعلم القراءة والكتابة إلا فى سن كبير نسبيا، ومر بتجارب بالغة المشقة الأمر الذي جعله يقترب بشدة من قاع الطبقات الفقيرة وعاني بعمق كل مشاكلها الاجتماعية والنفسية، وارتبط كذلك بالبحر، مؤكدا انه لم يكن ابن مدينة ولكنه صياد فقير، كاد لا يجد قوت يومه، وكل ذلك تبلور فيما بعد باعتناقه العميق للواقعية الاشتراكية وتجزر الفكر الايدولوجي الماركسي فى أعماله، فصدغ رؤيته للحياة وميز إنتاجه طيلة عمره.
وأشار إلى انه اقترب كثيرا من السلطة بعد ذلك فكان مواليا حميما لنظام البعث وللأسد الأب والابن، وأستاذا وصديقا لوزيرة الثقافة العتيقة فى سورية، غير انه ظل بطابعه الماركسي الايدولوجي شديد الولاء للفقراء والتعبير عنهم حتى أخر لحظة من حياته.
وتابع فضل، بالرغم من ذلك الانحصار فى المنظور الايديولوجي فى الأدب تعمق كثيرا فى رؤيته للحياة وتناقضاتها متجاوزا الإشكاليات الطبقية التي تستقطب عادة اهتمام الماركسيين، إلا إشكاليات الوجود الإنساني دون أن يقع فى رفاهية المنظور البرجوازي الذي يسود عادة صوت الكتاب من الطبقة الوسطى.
وأضاف يمكن اعتبار حنا مينه “هنجواي” الرواية العربية لكن تأخره فى الزمن عن المرحلة التي عاش فيها “جوركي” والاتحاد السوفيتي كان يقيم مفارقه بينه وبين المحيط الثقافى الذي يعيش فيه، موضحا أنه يعتبر أستاذ الأجيال الروائية التي نشأت بطبيعتها فى الشام، ولكنه فى المقابل لا يقدر له أن يحظى بمقروئية عالية فى مصر وبقية أنحاء الوطن العربي، وذلك لتذبذب العلاقات السياسية التي ربطت سوريا بهذه المناطق لذلك فيندر أن تجد رواية له فى مصر، ولم ينشر عملا واحدا فى دور النشر المصرية.
وتابع فضل، أن هذه الظاهرة الخطيرة تجعلنا أكثر تمزقا من الوجهة الفكرية مما نحن عليه من الناحية السياسية، لافتا إلى انه لم يتكأ فى طابع كتبه أيضا على دور النشر اللبنانية النشطة عادة فى التوزيع والتي تغطي كافة أنحاء الوطن العربي، وربما كان انحيازه الطبقي والايدولوجي عائقا أخر من عوائق انتشاره لم يأخذ حقه بالنسبة لأجيال شباب المبدعين العرب.
وشدد فضل على ضرورة إعادة التقييم والتعريف خاصة انه جعل إبداعه يتميز بالحميمة الصادقة والجرأة المفرطة والصدق البالغ.
واختتم حديثه قائلا: مازلت اعتبر أن الثلاثية الرائعة عن سيرته الذاتية “بقايا صور عام 1975، والمستنقع عام 1977، حتى القطاف عام 1986” تمثل نموذجا غير مسبوق فى الصدق الجارح والبوح الفادح والكشف الحقيقي عن خفايا البشرية ومناطق الضعف فيها، ولعل مسيحيته التي تجعل طقس الاعتراف بكل الذنوب والأوثان طقسا مقدسا يؤدي إلى التطهر دون أن يلصق العار بأصحابه، لذلك تختلف الثقافة المسيحية عن الثقافة الإسلامية التي تتوخى دائما بالستر والمعصية بدلا من البوح والتطهير.
ظواهر متأصلة
بينما قال الروائي السيد نجم، يعتبر حنا مينه أحد رواد الرواية العربية والسرد العربي، ولديه حالة خاصة فى شخصه وإنتاجه، خاصة أنه لم يبدأ الكتابة إلا فى سن الأربعين، وهي ظاهرة لافتة لأديب يبدأ الكتابة فى هذا السن وينجز مثل هذا الإبداع المتميز، إلى جانب انه لم يكن على وفاق مع عائلته على الرغم من رؤيته الاجتماعية التي يمكن أيدلوجيا نقول انه يساري وله رؤية تقدمية، ونظرة اجتماعية إلى الفقراء وهو ما تمثل فى “حياة الصيادين” التي رصدها فى إعماله. وأوضح نجم، أنه ذكر فى وصيته التي كتبها عام 2008 بتوريث ما يملكه إلى زوجته فقط، وهذا يعبر عن الرؤية الخاصة به وحياته الاجتماعية. وعن انجازه الأدبي أكد الروائي نجم، انه أديب من أدباء المقاومة الصادقين الذين يكتبون بلا افتعال وبلا أيدلوجية فجه، وهو ما أطلق عليه “الصوت الزاعق”.
وعن عطائه الأدبي والقصصي أكد أن أدب حنا مينه لا يعبر عن الصوت الزاعق ولكنه يعبر عن الروح الإنسانية للشخصيات ومن خلال الملامح الإنسانية تتولي الأحداث، كون الشخصية تسبق النص وتصنع الحدث وتخلق الرؤية لتصبح الشخصية فى أدبة هي الجزء المحوري فى القصة وليست بالشكل التقليدي المعتاد.
موضحا أن مينه على رأسي روائي سوريا ومن أهم كتاب الرواية والقصة فى العالم العربي، وبفقده فقدت الأمة العربية والسرد العربي ركيزة من الركائز الادبية المهمة
واختتم حديثه قائلا: أن هذا الرجل لم ينل ما يستحق من تقدير واهتمام حتى من الدراسات النقدية الجادة، ولم يقع فى دائرة الاهتمام الأكاديمي بشكل يليق ويستحقه حتى فى سوريا، بل نجد من هم أقل منه بكثير محور الاهتمام.
وأردف: أن هناك ظاهرة متأصلة فى نفوس العرب سادت فى الوطن العربي وهي إهمال العلماء والكتاب والتنويريين وعدم إلقاء الضوء عليهم وعلى أعمالهم ونجاحاتهم الإ أن يتوفاهم الله، ومن هنا ناشد السيد نجم القائمين على الثقافة والمعنيين بالأمر بضرورة تكريم الرموز والعلماء والنخبة والاهتمام بهم وبإعمالهم ونشر ثقافة الفكر خاصة فى ظل غياب المناهج والبرامج التي تفتقد الثقافة والوعي والتعريف بهؤلاء النخبة.
وشدد نجم على ضرورة أن تهتم مجلتا “الثقافة الجديدة، وأدب ونقد” كونهما لديهما جمهورا كبيرا وقوي بتلك الأفكار وتعرض ملفات دائمة خاصة بالتنويريين والمثقفين والأدباء لنشر الثقافة وتعريف الأجيال الصاعدة بتلك النخبة.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة الأهالي المصرية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.