مشروعية الضريبة العقارية والمسئولية الاجتماعية

76

• ثارت فى الأيام الماضية إدعاءات عن عدم دستورية أو مشروعية “الضريبة العقارية”، ووصل الأمر إلى الدعوة لإلغائها..!
والغريب فى تلك الإدعاءات أنها استندت إلى القياس على حكم سابق يختص بالضريبة على (الأراضى الفضاء)، بينما أن نطاق الضريبة العقارية هو “العقارات المبنية”، والأماكن المعدة للاستخدام سواء بشكل تجارى أو للتخزين أو ما يماثلها.
ولم يكن قانون الضريبة العقارية الصادر فى 2008 وتعطل تطبيقه حتى 2013، بدعة أو مغالاة فى فرض أعباء ضريبية، لأن تلك الضريبة كانت قائمة منذ 1954، وكانت تطبق فى النطاق المحلى بكل محافظة وهى المعروفة بإسم (العوايد) على العقارات المبنية فى ما يسمى كردون المدينة الذى يحدده كل محافظ، ولذلك كان يخرج من نطاقها العقارات التى تقع خارجه مثل الساحل الشمالى، منتجعات البحر الأحمر،…إلخ.
وفى 2008 قررت الدولة أن يمتد نطاق التطبيق فى جميع أنحاء البلاد، وبذلك خضعت للضريبة كل العقارات الحديثة والفاخرة التى استجدت عبر العقود الماضية، وغيرها.
ولا يتطرق هذا المقال إلى الجدل القانونى حول مشروعية فرض هذه الضريبة، لأنه لا شك فى مشروعيتها على ضوء أحكام الدستور السارى التى تنحو إلى العدالة والمساواة فى تحمل الأعباء، وكفالة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ولا يوجد حكم من المحكمة الدستورية بشأنها.
ولأن النظام الضريبى لم يعد مجرد نصوص قانونية للتحصيل الضريبى فقط ولكنه أصبح أداة اقتصادية واجتماعية، ترتبط بغايات المجتمع فى التنمية وعدالة التوزيع، ولم تعد الاتجاهات التقليدية المنحازة إلى الملكية، ورأس المال مقدسة فى التشريعات الضريبية، خصوصاً فى ظل عولمة رأس المال، والملكية والاستحواذ فى نطاق الاقتصاد العالمى والمحلى.
ولعلنا نذكر ذلك الهجوم العنيف ضد هذا التطبيق الجديد للضريبة العقارية بديلاً عن القانون السابق السارى منذ 1954.
وأستطيع أن أقرر أن حملة الهجوم الرئيسية كان يقف وراءها أقلية طبقية محتكرة من الملاك العقاريين والتى حاولت ان تستخدم الطبقة المتوسطة المحدودة الملكية والدخل كدروع بشرية ضد التطبيق الجديد الذى قررته الحكومة بهدف زيادة الموارد الضريبية لتغطية عجز الموازنة العامة المستمر وكان ذلك فى سنة الأزمة المالية (2008).
.. نحن الان بحاجة الى تنمية الموارد الحقيقة، وعلى رأسها الضرائب، بدلاً من الاقتراض والفوائد، لمواجهة احتياجاتنا الاجتماعية والمجتمعية،لصالح الاغلبية العاملة والفقيرة، ولذلك تأتى “الضريبة العقارية “ كأداة واجبة التطبيق كمورد مالى حقيقى، يأتى من ثمار الثروات العقارية الكبيرة التى تراكمت بغطاءات قانونية فى عمليات التخصيص والخصخصة وعمليات التقييم المشبوهه، والنهب ووضع اليد.. الخ.
وهى فى نفس الوقت استرداد لجزء محدود من ثروة الشعب الفقير، فى اصوله الطبيعية التى يتعين ان يكون نتاجها والدخل المتولد عنها لصالح المجتمع ككل وليس للاكتناز والتوريث للأقلية المتخمه بالثروة.
ورغم اننا من انصار فرض الضريبة على تداول اصول الثروة سواء العقارية او غيرها، الا ان الضريبة العقارية المفروضه الان لا تمس تلك الأصول العقارية، ولكنها تفرض على دخل قانونى وهو “القيمة الايجارية “، ولذلك فان اى دعوى تدعى انها تستهلك الأصول ورؤوس الاموال تنطوى على المغالطة والمجافاة للالتزام والاخلاق والمسئولية الاجتماعية، لانها تتغافل عمداً عن حقائق الارتفاع المهول فى قيمة العقارات الحديثة خلال العقدين الماضيين وهى التى حازتها طبقة الاقلية وتولد منها قيمة مضافة تصل الى مئات الاضعاف بل وآلاف الأضعاف فى احيان كثيرة، استحوذوا عليها للاستمتاع الشخصى والمضاربة..!! بدلاً من تنمية الاقتصاد الحقيقى بالمزج بين عناصر الأصول المختلفة لتحقيق المنافع الاقتصادية لمصلحة المجتمع ككل واستخدامها كقاعدة لبناء الصناعة والانتاج الحقيقى وعمران الأرض، وليس بتعطيلها والاكتفاء بالمكاسب الريعية لصالح العائلة فقط..!
اما الطبقة الوسطى، وغالبيتها التى تحوز ملكيات عقارية صغيرة ومفتتة، والقسم الاكبر منها هو السكن الخاص الذى حازوه بعد سنوات العمل والشقاء الطويلة، وبالمشاركة مع ابنائهم العاملين وفى احيان اخرى نتيجة لميراث محدود ويقتضى العدل “اعفاء هذا السكن الخاص” طالما انه فى حدود وحدة عقارية واحده، وهو أمر مشروع ويتفق مع تاريخ فلسفة التشريعات الضريبية المصرية التى كانت دائماً تحرص على رعاية الطبقة الوسطى والطبقات الشعبية، واذا كانت حدود الاعفاء القائمة او التى سيجرى زيادتها تغطى قيمة السكن الخاص الوحيد، فان التوصل الى تعريف له وبضوابط واضحة لاعفائه بشكل مطلق قد يكون اكثر مناسبة لهذا القطاع من المكلفين بالضريبة وللدولة لأنه يحقق العدالة فى مقابل الملاك العقاريين الاخرين الذين يحوز بعضهم اكثر من وحدة سكنية ويقوم باستغلالها بالايجار.
لكن يبقى ان يكون المبدأ العام هو اعطاء الاعتبار للطبقة الوسطى المحدودة الملكية والدخل، وهى الملتزمة من ناحية اخرى بدفع القسم الاكبر من ضريبة الاجور والمرتبات بالاضافة الى العبء الكبير الذى تدفعه فى ضريبة القيمة المضافة وأنواع اخرى من المدفوعات الحكومية، ولذا يتعين مساندتها لتنهض اجتماعياً وسياسياً فى تجاه مشروع الدولة الديمقراطية الحديثة.
•مشروعية التدخل الضريبى للدولة
يزايد بعض من الناس بمقولة ان الضريبة العقارية تزيد من العبء الضريبى على المجتمع، فأى مجتمع يقصدون ؟ هل هم الفقراء الذين لا ملكية عقارية لهم أصلاً، ام العاملون الذين يدفعون ما يزيد عن 2.% من الضرائب ؟ أم ال 5% الحائزين للثروة والدخول الضخمة؟

الدولة هى هذا الكيان المعنوى والمادى الذى نجاهد منذ ما يقرب من قرنين ليأخذ مكانه المستحق فى هذا العالم، بتحديثه وارساء قواعد العدل والمساواة فى مجتمعه تجاه الارتقاء نحو “الدولة الديمقراطيه الحديثة “ وهى دولة “الحقوق والمسئولية الاجتماعية “ وهو ما يملى عليها الا تكون محايدة فى ادارة تلك المسئولية واقرار تلك الحقوق بالالتزام الدائم بعدالة توزيع الدخول والأعباء عن طريق سياسة للتدخل الضريبى لصالح الطبقات الشعبية والمتوسطة.
وفى البلدان الرأسمالية تتدخل الدولة بواسطة الضرائب لاصلاح الهيكل الاجتماعى والاقتصادى، وهناك يلتزم المكلفون بالضرائب حرصاً على مسئوليتهم تجاه المجتمع، ولا يناهضون الدولة ضد الضرائب..!

د. هانى الحسيني

تعليق 1
  1. كمال العربى يقول

    المطلوب تشريع يلزم جميع الملاك بأداء ضريبه عقاريه …..ولكن بقيمه زهيده تبدأمن 100 فى السنه ولا تزيد على1000 جنيه وسوف تجنى الدولة أكثر من 50 مليار جنيه سنويا …..هذا وكانت العوايد ضئيلة القيمه وميسرة السداد فيما مضى

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق