رفعت السعيد فى آخر مؤلفاته.. «بناة مصر الحديثة».. رحلة التنوير من «الطهطاوى» إلى طه حسين

128

يعد المفكر والسياسي الراحل د. رفعت السعيد احد رموز اليسار المصري والعربي، وقد اشتهر السعيد بكتاباته الفكرية التقدمية وكتبه التي ناقشت ورصدت الحركات السياسية فى مصر فى القرن العشرين. يقول فى سيرته الذاتية” مجرد ذكريات” “عانيت فى حياتي من ثلاثة انواع من الكتابة، كتابة التاريخ والكتابة السياسية، ومحاولة يتيمة لكتابة الرواية، ثم كتابة السيرة معاناة أخري”. وفى الايام القليلة الماضية صدر اخر مؤلفات الراحل الكبيرو هو كتاب من جزئين تحت عنوان “بناة مصر الحديثة.. العقل المصري كيف تكون وكيف يتجدد؟” عن مكتبة الاسرة.
وفيه تتبع “السعيد “ تاريخ حركة التنوير فى مصر من خلال الرموز الفكرية والأدبية والسياسية التي شاركت بفاعلية فيها، مقدمة نموذج التجديد والتطوير والامتداد المستقبلي والرؤية التقدمية للعقل المصري والعربي، وقد بدأ بـ”السعيد” الجزء الأول بتمهيد عبارة عن دراسة للاحوال الاجتماعية والاقتصادية لمصرفى القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين باعتبار أن هذه الاحوال هي المناخ الذي تشكل فيه عصر التنوير، بداية من فترة حكم “محمد على باشا”.
ويعلق د. السعيد على مقولة “هيردوت” : “ سأتكلم كثيرا عن مصر.. ففى مصر من الاشياء العجيبة ما لا يوجد فى بلد آخر” قائلا: “وليس لأن هيردوت قال، وإنما لأن الدراسة العلمية الممتده منذ بدايات نشأة مصر الحديثة فى عصر محمد على وامتدادا حتي مصر المعاصرة وما عاشته مصر ولم تزل وما عشناه نحن ودرسناه وتابعناه ولم نزل ندرس ونتأمل لأن مصر كانت وظلت وستظل تمتلك مقومات نهوض مختلف- ومسار مختلف وقدرة على التلائم مع تركيبتها المتمايزة تدفعنا كشعب، وتقتاد مصر كوطن عبر مسار لا يمكن قراءته فى كتب تطور المجتمعات بل هو مسار يحتاج إلى دراسة علمية متأنية فى مجالات متغيرات التركيب الطبقي المصنوع”.
الأب الاول
ويبدأ د. السعيد رحلته مع رواد التنوير بالحديث عن رفاعة الطهطاوي والذي يصفه بأنه “الحرف الأول فى كتاب الليبرالية المصرية” رغم ان هناك بدايات بسيطة تسبقه مثل كتابات الشيخ حسين المرصفى والشيخ حسن العطار وهو شيخ رفاعة واستاذه لكنها لا ترتقي الي مستوي التجديد ولواء التحديث الذي رفعه “الطهطاوي” قولا وفعلا.
رغم أن مقولات العطار دفعت “الطهطاوي” للامام خاصة مقولته الشهيرة “ان بلادنا لابد وأن تتغير احوالها، ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها”
ويري د. السعيد ان الطهطاوي اختلف عن سابقيه بعدة سمات منها “ بأنه كان صاحب مشروع متكامل فلم يكتب كتابا اواثنين أو حتي عشرة وإنما بني لمصر جيلا من المتعلمين العصريين من ابناء الفلاحين المصريين. وهكذا نهض بمصر.
ويقول السعيد : “كثيرة هي الكتابات عن رفاعة، وهو يستحق أكثر، فهو الأب الحقيقي لحركة التنوير فى مصر الحديثة.، فمعركة رفاعة لم تكن سهلة ولا يسيرة، ومن ثم انعكست هذه الصعوبات على مدي قدرة الشيخ الازهري، الموظف لدي حاكم مستبد، فى الافصاح عن ليبراليته، وبالدقة التسلل بها إلى عقول طلابه”. ويقصد هنا ما جري لرفاعة فى عهد “عباس الأول” والذي عزله من منصبه ونفاه الي قرية “طوكر” فى السودان ليعمل مدرسا فى مدرسة لا يتعدي طلابها 34 طالبا، فى حين كان فى مصر مشرفا على حركة التعليم وكل المدارس منذ عهد محمد علي. ويؤكد د. السعيد على السمات التنويرية التي تميز بها مشروع “الطهطاوي” الفكري ومنها :” تأكيده على التعليم العصري وليس ذلك التعليم الذي عرفه الازهريون على زمانه من اغراق فى كتب السلف والاعتماد على النقل.
كذلك دفاعه عن ضرورة تعليم المرأة.. وعن ذلك يقول رفاعة “ان القول انه لا ينبغي تعليم النساء الكتابة ارتكازا على النهي عن ذلك فى بعض الاثار.. ينبغي الا يكون على عمومه، ولا النظر الي قول من علل ذلك، وقد اقتضت التجربة فى كثير من البلدان ان نفع تعليم البنات اكثر من ضرره، بل لا ضرر فيه اصلا”، كما كان له اراء واضحة فى مسألة الحرية حيث يقول :”الحرية هي رخصة العمل المباح من دون مانع غير مباح ولا معارضة محظور، فحقوق جميع اهالي المملكة المتمدنة ترجع الي الحرية فكل فرد حر”.
تحرير المرأة
وفى الفصل المعنون بـ “باحثة البادية وتحرير المرأة” يتحدث د. رفعت السعيد عن جهود “ملك حفني ناصف” التنويرية خاصة فى كتاباتها عن المرأة المصرية وضرورة المشاركة المجتمعية تجلى ذلك من خلال مجموعة من مقالاتها التي نشرت عام 1910، وهي اول امرأة مصرية تحصل على الشهادة الابتدائية عام 1900 وقد امتلكت “ملك” شجاعة وجرأة نادرة بين نساء هذا العصر تدعمها ثقافة واسعة واتقان رفيع المستوي للكتابة الصحفية ومعرفة تعتبر موسوعية بين نساء هذا الزمان.
ويستعرض د. السعيد كتابه الرائد “النسائيات” والتي دافعت فيه عن حقوق- المرأة، وتفتخر وتزهو بأن مصر- فى ذلك الوقت- كان بها متعلمات يستطعن منافسة التركيات والاوربيات فى ساحة الزواج، وتقول :”ان احسن مدارس البنات هي مدارس الحكومة اخلاقا وعلما”، وتبدي لنا ان “باحثة البادية” قد كرست جهدها للدفاع عن حقوق المرأة وحريتها انما وفق موقفها الخاص ورؤيتها الطبقية الخاصة.
رائد التجديد
وفى الفصل المعنون “الرائد.. الامام محمد عبده” يستعرض د. السعيد المشروع الفكري والتنويري لرائد التجديد الديني فى العالم العربي فعلي حد تعبيره: كان محمد عبده يخوض معركة مزدوجة. معركة ضد الهجوم على الإسلام كعقيدة، ومعركة أخري أشد ضراوة ضد الشيوخ الرجعيين الذين اعتمدوا على النقل، وعلي النظر السلفى للتراث الديني.. وعلي الذين رفضوا إعمال العقل. كان محمد عبده يصرخ فى وجوه شيوخ عصره “إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل”، بل إن محمد عبده خاض معركة تحرير المسلمين من تسلط الفكر الرجعي وشيوخه “فلكل مسلم أن يفهم عن الله، من كتاب الله، وعن رسوله من كلام رسوله بدون توسيط أحد من سلف ولا من خلف، وهذا ما اكده فى كتاباته.
ويؤكد السعيد على أن هذا التوجه اثار ضده شيوخ الازهر ثورة عارمة، فرفضوا دعوته للتجديد وخصوصا تجديد التراث، ورفضوا تجديد برامج التعليم فى الازهر، واعتبروا دعوته لتعليم الجغرافيا والحساب والجبر والهندسة ومختلف العلوم الحديثة فى مناهج الازهر جريمة نكراء. لكنه لمي بعأ بهجمات المغرضين، معبرا عن امله فى تنوير العقل المصري عبر تعليم حديث، مما جعله يركز جهوده من اجل انشاء الجامعة الاهلية. واصلاح القضاء الشرعي ونظام الاوقاف.
ويقول د. رفعت السعيد : “لكننا اذ نتابع التجديد العقلاني للفكر الديني، ومعارك محمد عبده من اجل العقل والعلم وضرورة التأويل حتي يتلاءم الفهم الديني مع مستحدثات العصر.. نجد انفسنا امام بحر زاخر من الكتابات والفتاوي والمقالات ومنها “رسالة التوحيد”، و”الاسلام دين العلم والمدنية” و”تفسيرالمنار” الذي اكمله رشيد رضا، ودروسه فى دار الافتاء وفتاواه الشهيرة، وهناك ايضا “تاريخه” “تاريخ الاستاذ الامام”. وهو القائل “”ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول تحرير الفكر من قيود التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع فى كسب معارفه إلى ينابيعها الاولي، واعتباره من ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله”
حرية التفكير
وتحت عنوان “الرحالة (ك) اشتراكي اسلامي حر التفكير” يتحدث د. رفعت السعيد عن “عبد الرحمن الكواكبي” صاحب كتاب “طبائع الاستبداد” والذي كان واحدا من اشراف مدينة حلب السورية صارع الاستبداد على ارض الشام صراعا مستميتا، وظل الاضطهاد التركي يطارده حتي هرب سرا الي مصر فى عام 1899.
وفى كتابه اكد “الكواكبي” على مخاطر الاستبداد السياسي وعرف “المستبد” قائلا “المستبد عدو الحق عدو الحرية وقاتلها، والحق ابو البشر والحرية أمهم والعوام صبية أيتام نيام لا يعلمون شيئا والعلماء هم اخوتهم الراشدون أن ايقظوهم هبوا وأن دعوهم لبوا”. وهو فى ذلك يري ان العلماء واصحاب المعرفة هم القادرون على التغيير، وان المستبدين لا يخافون من احد سوي اهل العلم. ويري د. السعيد ان رؤية “الكواكبي” لمفهوم الاشتراكية تأخذ رؤية عربية اسلامية وليست تراثا اوروبيا من وجهة نظره “فالخلفاء الراشدون فهموا معني القرآن وعملوا به واتخذوه اماما، فأنشأوا حكومة تقضي بالتساوي حتي بينهم وبين فقراء الأمة فى نعيم الحياة وشظفها وأحدثوا فى المسلمين عواطف اخوة، وروابط هيئة اجتماعية، وحالات معيشة اشتراكية لا تكاد توجد بين اشقاء يعيشون بإعالة أب واحد وفى حضانة أم واحدة”.
وعن سلامة موسي يكتب د. السعيد فصلا تحت عنوان “الحائر دوما والديمقراطية”، يقول د. السعيد : “ أثار سلامة موسي بصرامته وعصبيته واصراره على مواقفه حتي لو عارضها الكثيرون عواصف عديدة لن نستطيع ان نعرف سلامة الاب التعامل معها، التقط فيبها خصومة فقره من بين امواج ممتدة من كتابات لامتناهية فقد تعرض لهجمات سمجة بل ووقحة من كثيرين منهم محمد عمارة وفهمي هويدي وجلال كشك والشيخ المطعني، ومصطفى صادق الرفاعي يقول عنه: رأيي فى سلامة موسي معروف لم اغيره يوما، فإن هذا الرجل كالشجرة التي تنبت ثمارا مريرة ولا تخلو من المرارة ولو زرعت فى تراب من السكر.، كما تحدث د. السعيد عن عدد من كتب “سلامة موسي” ومنها” هؤلاء علموني” ويتضمن الجزء الأول كتابات ودراسات عن “فرح انطون” و”شبلي شميل” و”احمد لطفى السيد.
أبعاد سياسية
اما الجزء الثانى من الكتاب فيتضمن كتابات عن سعد زغلول،الذي يصفه د.السعيد بقوله “سعد زغلول زعيم بلا مثيل” حيث يقول عنه “سعد زغلول لا يأتي الحديث عنه عبورا ولا سريعا، فهو يحتضن فى مسار حياته احداث وطن باكمله، ويمضي كي يواصل هو وبكفاءة نادرة صناعة نفسه كزعيم لشعب مصر، وفى خضم ثورة 1919، تكرست زعامة لا مثيل لها. فقد كانت مصر تحتاج الي زعيم يقودها نحو ما يشبه الاستقلال”.
اما الفصل الخاص بـ”درية شفيق بنت النيل” فيستعرض فيه د. السعيد تجربتها فى الصحافة والنضال السياسي، فيقول عنها : “اعتقد ان درية شفيق هي اقوي واصلب من عاند فى عهد جمال عبد الناصر، فقد عاندت عناد الابطال مستهينة بالتهديد والوعيد والاوامر والترغيب، رافضة ان تكون طوع بنان احد الا ضميرها كمصرية تسعي لتحرير المرأة المصرية، ومعها وقبلها كل مصر وكل شعب مصر” وقد اسست “حزب بنت النيل؛ فى زمن الناصرية. وفى الفصل الثالث يكتب د. السعيدعن “مصطفى النحاس.. خليفة سعد عن جدارة”.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق