جلال أمين.. المثقف الموسوعى.. وداعًا

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 - 7:00 مساءً
جلال أمين.. المثقف الموسوعى.. وداعًا

يعد المفكر الراحل د. جلال امين احد ابرز المفكرين المصريين خلال الخمسين عاما الماضية من خلال ما قدمه من جهد فكري متعدد الجوانب فرغم عمله كأستاذ اقتصاد بالجامعة الامريكية بالقاهرة، إلا ان اهتماماته الثقافية والاجتماعية والابداعية وضعته فى دائرة «المثقف الشامل»، المهتم بكل ما يدور من حوله من تحولات سياسية واجتماعية وثقافية.

ظهر ذلك جليا من خلال دراساته ومؤلفاته المتنوعة ومنها «مقدمة الي الاشتراكية»، و»مبادىء التحليل الاقتصادي»، و»الاقتصاد القومي»، و»الماركسية.. عرض وتحليل ونقد لمبادئ الماركسية الاساسية فى الفلسفة والتاريخ والاقتصاد»، و»المشرق العربي والغرب.. بحث فى دور المؤثرات الخارجية فى تطور النظام الاقتصادي العربي والعلاقات الاقتصادية العربية»، و»محنة الاقتصاد والثقافة فى مصر»، «تنمية أم تبعية اقتصادية وثقافية» خرافات شائعة عن التخلف والتنمية، وعن الرخاء والرفاهية»، و»الاقتصاد والسياسة والمجتمع فى عصر الانفتاح» و»هجرة العمالة المصرية»، و»قصة ديون مصر الخارجية عصر محمد على الي اليوم»، و»نحو تفسير جديد لأزمة الاقتصاد والمجتمع فى مصر»، و»السكان والتنمية»، و»الدولة الرخوة فى مصر»، و»معضلة الاقتصاد المصري».
أما كتابه الاشهر»ماذا حدث للمصريين- تطور المجتمع المصري فى نصف قرن 1945- 1995 « فيعد من اهم الكتب التي تناولت الشخصية المصرية، وتطورها اجتماعيا وثقافيا، وما طرأ عليها من متغيرات وتحولات اثرت فى تكوينها وفى اختلاف اجيالها وظهور مجموعة من التحديات التي واجهت الشخصية المصرية مما جعل المتخصصون يبررون ذلك من وجهات نظرمتباينة، فعلماء الاجتماع يشكون من شيوع ما يسمي بالفساد او التسيب وعدم الانضباط، ومن ازدياد حوادث العنف وظهور انواع جديدة من الجرائم، والمعلقون السياسيون يشكون من ضعف روح الولاء والانتماء للوطن، وانتشار اللامبالاة بالقضايا القومية الكبري، وانشغال الناس عنها بقضايا معيشية يومية، ومن غياب مايسمونه بالمشروع الحضاري او القومي، ومن ازدياد التبعية للغرب، ومن زيف الديمقراطية وعجز المعارضة عن المشاركة فى اتخاذ القرارات الاساسية.
ويشكو المهتمون بقضية الثقافة فى مصر من شيوع ثقافة هابطة تهتم بالجنس وتستجيب لغرائز الدنيا، ومن شيوع اللاعقلانية فى التفكير الديني، واتجاه الحركات الدينية الي التمسك المفرط بطقوس وخزعبلات كانت بريئة منها فى العشرينيات والثلاثينات، ومن تدهور مكانة اللغة العربية، ومن تدهور محتوي التعليم وانحطاط حال الجامعة.
الحراك الاجتماعي
وقد رد د. جلال أمين الازمة الاجتماعية فى مصر الي سرعة الحراك الاجتماعي خاصة بعد «الانفتاح الاقتصادي» منذ الفترة الساداتية وعن ذلك يقول «ليس من المستغرب فى فترات الحراك الاجتماعي السريع أن تقوي القيم المادية وينخفض تقييم المجتمع لمايسمي بفضائل الاخلاق، فانفتاح فرص للترقي الاجتماعي لم تكن قائمة من قبل يسيل لعاب الطبقات الاخذة فى الصعود، كما يؤدي ازدياد احتمالات التردي والسقوط الي اضعاف قدرة الطبقات المهددة فى مراكزها الاجتماعية على مقاومة وسائل الاغراء المادي، فى مثل هذه الظروف يبدو التمسك بفضائل الاخلاق، اكثر فأكثر، من قبيل الترف الذي لا يسمح به تغير الاحوال، وتهون اكثر فأكثر التضحية بالمبدأ والشرف، وتعلو فى نظر الناس قيم الشطارة والسرعة والقدرة على انتهاز الفرص وعلي التكيف مع الظروف المتقلبة، وعلي تنمية العلاقات الشخصية بذوي النفوذ القادرين على فتح ابواب الفرص الجديدة».
الأسرة المصرية
ويري د. امين ان ذلك ايضا اثر بالسلب على طبيعة الاسرة المصرية، واثر كذلك على مستقبل بعض المهن اليدوية فالصعود المادي والاجتماعي وما يتضمنه مكن الطبقات الصاعدة من غزو الاسواق والمدارس والجامعات والنوادي والشواطئ، بعد أن مكنتها قوتها الشرائية الجديدة من ذلك.
كما أثر الاحتكاك بالغرب الي تغريب بعض العادات والقيم، وعن ذلك يقول د. امين : «لقد ظلت ممارسة بعض العادات الغربية رمزا لتأكيد الترقي الاجتماعي لدي الطبقات الصاعدة، كما كانت رمزا للتميز الاجتماعي للطبقات العليا قبل ثورة يوليو، ولكن الجديد فى الامر- ان بعد فترة الانفتاح الاقتصادي- هو اختلاف طبيعة التغريب الذي يختلف عن التغريب الذي كانت تحمله الارستقراطية الزراعية والرأسمالية القديمة، بحكم اختلاف الطبقات المقلدة والمجتمعات المقلدة وقنوات التغريب فى الحالين. ويؤكد د. أمين على أن «من اسوأ ما تشترك فيه السنوات الاربعون التالية لثورة يوليو 1952 يتمثل فى عجز القيادات السياسية الفكرية للنظام الجديد عن تقديم مشروع حضاري مستقل لتحقيق النهضة فى مصر، فمع كل ما اعلنته ثورة يوليو من انها قامت لتحرر مصر من الاستعمار، وتقود كفاح الامة العربية من اجل استقلالها، ومع كل الشعارات التي رفعتها مما يحمل معني السيادة الوطنية بل مع كل ما حققته من نجاح فى بعض هذه المجالات، لم يستطع قادة الثورة ومنظروها أن يتخلصوا من المفهوم الغربى للنهضة.
وضعية المرأة
اما عن حال المرأة المصرية بعد ثورة يوليو يقول د. جلال امين «لقد نجحت المرأة المصرية الي درجة بعيدة جدا فى كسر التبعية الاقتصادية للزوج، فخرجت للعمل وكسب القوت والتعليم، وصارت فى احوال كثيرة ندا للرجل، وزميلة فى المصالح الحكومية والشركات والجامعات، ومع ارتفاع معدل التضخم وازدياد اعباء الحياة اخذ الرجل يبحث عن المرأة التي تستطيع ان تتحمل معه هذه الاعباء، فاصبح يفضل المرأة العاملة، وادي ذلك الي اكتفائها بعدد اقل من الاولاد، وبيت اصغر، مما ادي بالتالي الي اعباء منزلية اخف ومطبخ اصغر وطهي اقل. ويري د. امين ان الاربعين عاما الماضية شهدت تراجعا ملحوظا فى الاهتمام باللغة العربية حتي فى الجامعة وعن ذلك يقول: «وقد زاد مع الوقت عدد الكتاب واساتذة الجامعة الذين يبدو من كتاباتهم انهم لا يفكرون فى الواقع باللغة العربية، بل بلغة اجنبية لدرجة ان القارئ كثيرا ما يحتاج، لكي يفهم ما يقرأه، أن يكون ضليعا فى اللغة الاجنبية، فيقوم بترجمة ما يقرأه بالعربية الي تلك اللغة، فى ذهنه، حتي يتضح امامه المعني. الامر مدعاة للسخرية والرثاء حقا: أن يكون فهمك لكلام مكتوب بالعربية متوقفا، لا على مدي اتساع معرفتك بمفردات العربية وقواعدها، بل على مدي معرفتك بلغة اجنبية وتقاليدها.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة الأهالي المصرية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.