رحيل سكينة محمد على رائدة الديكور فى المسرح المصرى.. هل تفعلها وزيرة الثقافة وتمنحها التكريم اللائق؟

56

رحلت قبل أيام راهبة المسرح، وعاشقة الإبداع الفنانة الكبيرة سكينة محمد، وهى واحدة من عقول مصر الموهوبين فى عالم المسرح، إنها أول امرأة مصرية تقتحم عالم الديكور والأزياء والسينوجرافيا!! بعدما كان هذا الفن مقصورا على الإيطاليين فى منتصف القرن العشرين، وقد حلقت بفنها نحو الأفاق العالمية، مع احتفاظها بالخصوصية المصرية.
تركت بصمة خاصة وفريدة على مجمل أعمالها خلال رحلتها الحافلة بالإبداع والعمل الجاد والدؤوب فى الديكور وتصميم الملابس وتنسيق المشاهد ومازالت إسهاماتها تعيش فى وجدان الجماهير وذاكرة المسرح.
على مدى أربعين عاما احتلت مكانة مرموقة بفضل موهبتها فى أصعب وأدق مجالات الإبداع المسرحى.. عملت مع كبار المخرجين والمؤلفين، وصممت ديكورات وملابس أهم العروض حتى تسعينيات القرن الماض.
فى بداية رحلتها مع الفن هلل بتعيينها بدار الأوبرا المصرية الكاتب الكبير يحيى حقى، كما أطلق عليها رائد المسرح المصرى زكى طليمات لقب «فاتنة الأوبرا»، وعملت مع مصمم الديكور الإيطالى ايتورى روندللى، واكتسبت معه خبرات واسعة، لدرجة انه أطلق عليها لقب «لصة» لأنها كانت شديدة النبوغ وسريعة التعلم، وقد تنبأ لها بمستقبل مدهش فى عالم الإبداع والتصميم.
وأكثر ما تميزت به الفنانة هو التواضع الشديد رغم موهبتها وعلمها وشهرتها الواسعة.
احتفاء عالمي
والمعروف أن اسمها مدون بموسوعة هيئة اليونسكو باعتبارها من أفضل أربعة مصممين فى العالم قاموا بتصميم الديكور والملابس لأعمال بريخت، واسمها مدون كذلك فى الموسوعة المصرية لمصممى الديكور والملابس المسرحية.
كما لعبت دورا مهما فى المسرح العبثى والملحمى والغنائى، حيث قدمت فى المسرح الغنائى مع المخرج الكبير سعد أردش عرضين هما «الحرافيش» للكاتب عبد الرحمن الشرقاوى وأغانى صلاح جاهين وألحان سيد مكاوى، و»عطوه أبو مطوه» للكاتب الفريد فرج، كما صممت ديكورات وملابس مسرحية «شهرزاد» للكاتب رشاد رشدى، وصممت سينوجرافيا عرض «آه يا غجر» للمخرج أحمد زكى.
وفى بداية الستينيات أخذت تتفاعل مع المسرح الدرامى وتنقلت بين تياراته المختلفة، وقامت بتصميم ديكور وملابس مسرحية «إله رغم أنفه» للكاتب فتحى رضوان، مع المخرج محمد عبد العزيز الذي اهتم بمسرح العبث وقدمه، وهو أيضا الذى شجعها على تصميم ديكور مسرحيات عبثية، وقدمت أيضا معه عرض «الكراسى» للكاتب الفرنسى يوجين يونسكو، وهو مسرح مختلف إلى حد بعيد عن تيارات المسرح الكلاسيكية، ما تطلب منها جهدا هائلا لمعرفة كيفية اقتحام النص العبثى وكيفية فك رموزه، ومن ثم نجحت فى تقديم مسرحية «الطعام لكل فم» للأديب توفيق الحكيم.
خلال عملها فى تصميم الديكور كانت تبعد كل البعد عن المناظر الثابتة التى غالبا ما تصيب المشاهد بالملل، لذا عشقت المناظر المتعددة، وحرصت على عمل قطع ديكورية متحركة، ولجأت فى تصميم الملابس على تعددية الزى، مع مراعاة انسجام الألوان بين الديكور والملابس، وخلق حالة من التغيير الجاذب للمتفرج، حتى لا تسيطر الكلمة منفردة على العرض.
ثم جذبها تيار المسرح الملحمى، وشاركت فى صياغة سينوجرافيا أبرز عملين قدموا فى حقبة الستينيات وهما «الإنسان الطيب»، و»دائرة الطباشير القوقازية» وهما من إخراج سعد أردش، كما عملت مع الفنان كرم مطاوع العديد من المسرحيات منها: «جاسوس فى قصر السلطان» و»النسر الأحمر» و»ايزيس»، ومع الراحل سعد الدين وهبة «سكة السلامة».
تاريخ فني
قدمت نحو ٨٥ عملا مسرحيا، تعد من علامات المسرح المصرى، وكلها تشهد على نهضة المسرح آنذاك.
كما عملت كمستشار للثقافة والفنون بجامعة قسطنطينه بالجزائر، كما انها صاحبة أهم بحث فى تاريخ الفن، حول التأثير الرومانى على الفنون المصرية.
السؤال الذى يطرح نفسه بقوه الآن هو هل يشفع لها تاريخها الحافل بالإبداع والعطاء الفنى بأن تنال التكريم اللائق بها؟وهل يمكن ان تتطور لائحة جوائز الدولة، على أن تمنح لأصحاب القيمة الفنية، ولمن أضافوا للوطن والإنسانية من الراحلين العظماء؟
هل تفعلها الدكتورة إيناس عبدالدايم بمنح هذه الفنانة العظيمة ما استحقته خلال حياتها؟ وهل تستطيع أن تمحو الظلم الذى تعرضت له الفنانة سكينة بفضل المحسوبية والمجاملات والمعايير الجائرة لجوائز الدولة؟
أخيرا… عندما كانت على فراش المرض الذى طال كثيرا، لم تكن تحلم الفنانة القديرة سكينة محمد سوى بتقدير الدولة لمسيرتها الإبداعية … و»الأهالى» وكل عشاق المسرح والجمال والحق فى انتظار قرار وزيرة الثقافة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق