قضية للمناقشة: تطبيع ماليس طبيعياً

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 - 9:19 مساءً
قضية للمناقشة: تطبيع ماليس طبيعياً

من يتابع الحياة الثقافية والسياسية عن كثب في مصر وفي بلدان الوطن العربي كافة لابد أن يتوقف أمام ما يشابه التواطؤ العام الذي جعل ما ليس طبيعياً مسألة طبيعية يتعامل الجميع معها على هذا النحو ، وسوف يكتشف المتابع أن استقرار ماليس طبيعياً يشكل لا فحسب خطراً على تقدمنا ، وإنما يقف أيضا عقبة كبرى تدفع بنا ، إلى ذيل الأمم رغم كل ما يتوفر لنا من إمكانيات سواء في القوى البشرية أو الأموال والثروات الطبيعية .. أتحدث هنا عن كل من الحريات العامة والانقسام الطبقي كمسألتين شبه غائبتين عن الرؤية الشاملة كأداة لاغنى عنها للإحاطة العينية بواقعنا من كل جوانبه إبتغاء تغييره إلى الأفضل ، وهما تغيبان عمداً لأسباب براجماتية في مجاملة ـ غالبا ـ للنظم التي تمول المؤسسات ومشروعات البحوث ، وتنشئ المجالس والمنتديات بأموالها.. حضرت في شهرين متتاليين ندوتين نظمتهما بشكل أساسي مؤسسة الفكر العربي ، الأولى كانت بالاشتراك مع مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في الأهرام ، والثانية بالاشتراك مع أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا . ورغم أهمية ، بل أقول وخطورة القضايا التي جرى طرحها في الندوتين ، إلا أن القاسم المشترك بينهما كان هو غياب كل من قضية الحريات العامة والانقسام الطبقي المتزايد بخاصة في بلدان الوطن العربي الفقيرة وكثيفة السكان مثل مصر .. جاء التقرير العربي العاشر للتنمية البشرية لمؤسسة الفكر العربي تحت عنوان : الابتكار أو الإندثار : البحث العلمي العربي واقعه وتحدياته وآفاقه “ ليعبر عن إدراك عميق لدى مثقفين بمدى تخلف الواقع العربي مقارنة بما يجري في العالم .. ويلفت النظر في كل ما يجري تنظيمه من ملتقيات وندوات ومساجلات فكرية وثقافية في كل بلدان الوطن العربي ، هذا الحضور الراقي للأفكار والعقول المتميزة والباحثين والباحثات وهو حضور يعبر بجلاء عن ثراء الرأسمال البشري للعرب ، وعن الطاقات الكامنة في كل من الأجيال القديمة ، والجديدة ، وبخاصة بين الشباب الذين اتقنوا لغة العصر ، وتعلم بعضهم تعليما حديثا سواء في بلدانهم أو في الخارج ، واستطاعوا أن يقفزوا بمهارة فوق كل المحرمات والمعوقات ، وكما قالت واحدة من الباحثات في الندوة الأخيرة عن الابتكار والاندثار ، إن نساء عربيات نجحن في تجاوز كل قوى التخلف والرجعية في المجتمع العربي وأصبحن يتقدمن في هذا المجتمع بمسافات متزايدة حتى في ميدان البحث العلمي ، ولكن ما يعطلهن كثير .. ولكن ، وأه من لكن هذه إذ أن قوى التراجع التي تجر إلى الخلف لاتزال قادرة ومتجبرة في غالبية البلدان ، وكثيرا ما تنتصر في صراعها ضد التقدم والتنوير والحداثة ، وهو ما يعطل مسيرة البحث العلمي ، ويدفع بالعرب إلى ذيل القائمة العالمية لا فحسب في ميدان المعرفة والابتكار ، والإبداع ، ولكن أيضا في كل مجالات حياتنا ، وهو ما يطبع حداثتنا بالزيف ، ويجعل من مهمة التغيير القائم على التنوير والحرية مهمة صعبة ، وأكاد أقول قتالية.. توقف المشاركون أمام مجموعة من القضايا الجوهرية التي تبين بجلاء موقع العرب الحقيقي في إنتاج المعرفة . ومساهماتهم في الثورة الصناعية الرابعة ليتبين لنا مدى تواضع هذا الإسهام ، خاصة إذا ما جرت المقارنة بيننا وبين دول الجوار الإقليمي إذ تنتج تركيا ضعف ما تنتجه بلدان الوطن العربي كلها من براءات الاختراع ، ويتزايد الإنتاج العلمي بصورة مضطردة في كل من “ إيران “ و” تركيا “ بينما يراوح مكانه في الوطن العربي ، أما نوعية التعليم في الوطن العربي فهي لا تزال أبعد ما تكون عن المعدل العالمي ، مع تراجع نوعية التعليم بعامة ، وإن لم يتوقف باحثون أمام واحدة من أخطر ظواهر تراجع التعليم ، وهو الانقسام الأفقي والرأسي فيه ، بين تعليم مدني وتعليم ديني ، وتعليم أجنبي وتعليم محلي ، ثم تعليم للفقراء وآخر للأغنياء .. ويضعنا هذا النوع الأخير من الانقسام على أرضية الاستبعاد الطبقي لملايين الطلاب من ساحة الإبداع والابتكار بسبب الفقر وتردي مستوى التعليم وهو ما يضيف عنصراً أساسياً من عناصر إهدار الطاقات والمواهب .. فإذا أضفنا لذلك كله مسألة الحريات العامة ومنها الحريات الأكاديمية وحرية التعبير ، والبحث والاعتقاد ، لتظهر أمامنا مجدداً قضية “ نصر حامد أبو زيد “ كمثال واحد على المدى الذي وصلت إليه مصادرة حرية البحث من جامعاتنا ، وهي المصادرة التي لعبت على مر التاريخ دوراً رئيسياً في تعطيل تطورنا العلمي ، وإسهامنا بما يليق بتاريخنا في إُثراء الحضارة العالمية ، فسوف نتبين فداحة الكارثة.. ورغم وجود أموال كثيرة ، وثروات طبيعية هائلة في الوطن العربي ، لاتزال الموازنات المخصصة للبحث العلمي أقل كثيرا من المعدل العالمي ، بل أقل مما نصت عليه الدساتير العربية ، وهو ما دعا أحد المشاركين إلى المطالبة بإنشاء صندوق عربي لدعم الإبتكار والبحث العلمي ، وقال باحث آخر إنه إذا كان التكامل العربي في الميدان السياسي صعباً لأسباب كثيرة ، فما أسهل أن تتنادى النظم العربية بدعم من العلماء والباحثين لتأسيس تكامل علمي رفيع المستوى في ميدان البحث العلمي من أجل الابتكار وتجنب الاندثار.. ولا تلعب هذه الفكرة الأخيرة ـ أي بناء تكامل عربي في ميدان البحث العلمي دورها فحسب في تطوير البحث العلمي ، وخلق الروابط ذات الأساس الموضوعي بينه وبين تقدم الإنتاج إن في الصناعة أو الزراعة ، والخدمات وإنما أيضا سوف يشكل مثل هذا التكامل سنداً قوياً للباحثين الذين مازال الكثيرون منهم يجتهدون كأفراد ليكونوا قادرين على مواجهة القمع والبطش الذي كثيرا ما يطول من يفكرون “ خارج الصندوق “ وهو التعبير الذي جرى استخدامه كثيرا في هذه الندوة ، وحتى يتبين أيضا لهؤلاء الذين يعتبرون غياب الحريات وتفاقم الانقسام الطبقي أشياء طبيعية حتى يخرجوا من عباءة الاستسلام للأمر الواقع وتطبيع ما ليس طبيعيا .

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة الأهالي المصرية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.