ضد التيار: لكن لا حياة لمن تنادى

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 - 9:37 مساءً
ضد التيار: لكن لا حياة لمن تنادى

منذ اليوم الأول لبدء حملته للترشح للرئاسة قبل نحو أكثر من أربعة أعوام، ولدى الرئيس السيسى رؤية واضحة لمعضلة تجديد الخطاب الدينى لم يكف عن التذكير بها فى كل مناسبة، تنطوى على دعوة للفهم الصحيح للنص الدينى تتصدى لأفكار التطرف والغلو والشعوذة والفتوى والدعوى، بغير علم، بما يعلى من ثوابت الدين ورسالته وقيمه السامية التى تسعد البشر وتصون كرامتهم، وترسى بينهم مبادئ العدالة، وتحترم الاختلاف والتنوع فيما بينهم، ولا تميز بينهم بسبب جنس أو دين أو عرق، بما يعزز جوهر مبدأ المواطنة، فلا تكون هناك تفرقة بين المواطن والمؤمن، وهو هنا جوهر ناصع لحقوق المواطنة.
وفى لقاء له آنذاك، قبل الترشح، مع ممثلى الأحزاب والقوى السياسة، ضرب الرئيس السيسى مثلاً بأمم ناهضة تتصدر المشهد العالمى حضاريًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا وثقافيًا، ولا دين سماويًا لها مثل اليابان.
هذا المبدأ المهم الرامى إلى تطوير الخطاب الدينى بما يفضى إلى احترام حرية العبادة، كرره الرئيس فى منتدى شباب العالم فى شرم الشيخ، الذى أنهى أعماله الأسبوع الماضى، بتأكيده على أن الخطاب الدينى يحتاج إلى تصويب، حتى لا يتم استغلاله فى جذب الشباب إلى التطرف والإرهاب، وأن الإيمان هو علاقة بين البشر ورب البشر، وأنه لا يحق لأحد التدخل فى عقيدة الآخر، لأن الإيمان مسئولية المواطن لا الدولة، وأن حرية العبادة مكفولة لكل الأديان دون تمييز بين معتقديها.
لكن دعوات الرئيس، مقارنة بما يجرى على أرض الواقع، باتت أشبه بقول الشاعر العربى القديم:
لقد أسمعت لو ناديت حياً…. ولكن لا حياة لمن تنادى
ولو نار نفخت بها أضاءت…. ولكن أنت تنفخ فى رماد!
ففى البرلمان يتصدى نواب لمنع صدور قانون يحظر النقاب فى المنشآت العامة ومؤسسات الدولة وهيئاتها، وفى قاعات التدريس والتمريض، برغم تصريح شيخ الأزهر أكثر من مرة بأنه عادة اجتماعية لا علاقة لها بالدين، ودعوته للتفريق بين الثابت والمتغير فى الإسلام.
وفى الملف البديع الذى أعده الزميل رجب جلال فى المصرى اليوم، عن تجارة الضفادع الرائجة عالمياً يجلب الاستثمار بها مليارات الدولارات، لانتشار أكلها فى دول أوروبية ولاتينية، وآسيوية، فتأبي دار الإفتاء أن تصمت وتتقدم بنصوص من أدابير تراث مجهول، لتفتى بتحريم صيدها وتصديرها وأكلها، مع أن إندونيسيا وهى أكبر دولة إسلامية فى العالم من حيث عدد السكان، تنتج وتصدر نحو80 % من حجم الاستهلاك الدولى من الضفادع!.
قس على ذلك رفض تقنين الطلاق الشفهى، ورفض إلغاء العقوبات على ما يسمى ازدراء الأديان، والتصدى لكل مشروع قانون لتنظيم الأزهر، بعد أن منحه الدستور سلطات فوق اختصاصاته كمؤسسة تعليمية لا دينية، والاستعداد لمعركة تنهك المجتمع لمنع صدور قانون بحذف الإشارة إلى الديانة من الرقم القومي.
وجريدة المقال كانت من أولى المؤسسات الصحفية التى استجابت لدعوة الرئيس لتجديد الخطاب الدينى، فصدرت قبل نحو ثلاث سنوات يومية، ثم تحولت إلى جريدة إسبوعية بعد أن عجزت عن توفير نفقات إصدرها، إلى أن توقفت تمامًا قبل أيام عن الصدور، ليخسر الوسط الصحفى وقضية الاستنارة وزيادة الوعى بصحيح الدين، واحدًا من أهم الإصدارت، التى امتلكت القدرة على مخاطبة القارئ العادى ببراعة، وحفزه لمراجعة مسلماته، وليكسب «طيور الظلام» والمتاجرون بالدين، الذين شأن كل التجار، يتلاعبون بالعقول ويزيفون الحقائق للبسطاء من الناس، لتعظيم مكاسبهم المادية!.
فى الجزء الثانى من كتابه الأيام، يذكر «طه حسين» نماذج من أساليب التدريس، ومناهج التفسير التى انتقدها لبعض مشايخ الأزهر حين كان يدرس به، فروى أنه كان يقرأ من نص تراثى مع زملائه يقول إن الفقهاء كفروا الحجاج لقوله والناس يطوفون بقبر الرسول «إنما يطوفون برمة وأعواد» فأنكر طه حسين أن يكون فى كلام الحجاج ما يكفره، وقال إن الحجاج أساء أدبه وتعبيره، لكنه لم يكفر، فتم فصله من الأزهر، فيمضى طه حسين ليضيء بفكره وكتبه التى انطوت على فهم صحيح للتراث الإسلامى، عقول البشر، ويجدد للأمة خطابها الدينى ليتوافق مع روح العصر، ويسهل على المسلمين حياتهم، ويثبت أن للأعمى أنواراً لم يدركها غلو من فصلوه، وحاكموه، وباتوا ركامًا منسيًا لايعرف أحد اسماءهم.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة الأهالي المصرية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.