صلاح عيسى مؤرخ الأمل

352

فى 25 ديسمبر2018 حلت الذكرى الأولى لرحيل أسطى الصحافة والمؤرخ والكاتب الكبير صلاح عيسى، لايعوضني عن رحيله إلا أنني أراه فى أعماله الباقية وأقرأ فى صفحاتها روحه المحبة وعقله اللامع وضحكاته المجلجلة. كان صلاح صديقا عزيزا ارتبطت به منذ شبابي الأول وأحببته منذ ذلك الحين إنسانا نبيلا ومثقفا ووطنيا. فى كتابه»هوامش المقريزي» يظهر صلاح عيسى مؤرخا، وليس فقط، لكن مؤرخا فنانا، وليس فقط لكن مؤرخا فنانا صاحب موقف، فيقدم صورا مختارة من تاريخ بلادنا، يصفها فى المقدمة بأنها :» صلاة صوفية فى معبد مصر، الأم الشجاعة التي تعلمنا على يديها الحب والصبر والكبرياء». يدرك صلاح أن للعودة للتاريخ وظيفة أساسية هي تجديد وتأكيد كل ما يلهم الناس مواصلة الحياة ومقاومة الصعاب والسخرية منها والتشبث بالأمل. فى مقدمته الطويلة يضع الكتاب يده بجسارة المفكر على حقيقة جوهرية وهي أن :» كل فترات اليقظة التي ارتجفت بها مصر كانت ابنة العنف فى مواجهة الاستعماريين، حدث هذا خلال اليقظة التي قادها محمد علي، وخلال التحدي العظيم الذي قاده عرابي، وبعده ثورة 1919.. ومن هذا العنف ولدت مصر وتفجرت بالفن والفكر والابداع»، ويضيف عيسى أن الكفاح المصري من أجل الحرية كان:» الوسيلة الوحيدة لتطهيرنا.. ولتطهير المستعمر ذاته وإعادته إلى جوهره الانساني». ويعرض لنا بروح الفنان وعقل المؤرخ منمنمات تاريخية تسعى لاجتذاب القاريء إلى تاريخ بلاده، صورا مضحكة وأخرى تثير الاسى وثالثة تدعو للتأمل، وتلقى كلها الضوء ليس على ما كان فحسب بل وعلى ما قد يكون. يصف صلاح جانبا من صبر مصر على مآسيها المذهلة فى هامش باسم « العيال على العرش» فيقول:» إن الأطفال قد حكموا مصر ما يزيد عن نصف قرن! وعلى امتداد الحكم المملوكي تولى سبعة عشر طفلا حكم مصر.. منهم الملك المظفر أحمد الذي تولى الحكم وعمره عشرون شهرا! مع ذلك تمت مراسيم تنصيب السلطان الطفل وهو جالس على سرير، لكن السلطان الطفل بكى عندما بدأ الأمراء يقدمون له فروض الولاء لأن مرضعته لم تكن بجواره، فاستدعوها وحين وضعته على حجرها نام كالملائكة، وخلال ذلك كان الأمير «ططر» يحكم مصر من خلف الستار!». فى هامش آخر بعنوان « العجة والبصارة» يحـــــــدثـنا صلاح بسخرية عن «البصارة» بصفتها وسيلة للتنديد بمصادرة الحريات! وذلك عندما منع الحكام الفاطميون خطباء المساجد من التعرض للحاضر بكلمة، فقام أحد الأئمة فى خطبة الجمعة يقول:»البصارة يا عباد الله من أفضل الأطعمة لتقوية المؤمن، وتصنع البصارة من فول مجروش وتنقع فى ماء ثم تدق فى ماجور»! وقضى الخطيب الوقت كله فى وصف البصاره والفرق بين طريقة المصريين فى إعدادها وطريقة الشوام وأنواع التوابل التي تضاف إليها، بينما راح المصلون يتطلعون إليه بدهشة إلى أن أدركوا أنه بحديثه عن البصارة يبلغهم أنه ممنوع من الكلام فى أي موضوع ذي شأن!! كانت البصارة إحدى طرق مواجهة القمع! فى هامش آخر يتحدث عن تأسيس ديوان رسمي للرشوة فى عهد اسماعيل بن الناصر قلاوون عرف بديوان البراطيل، وكلمة البرطيل فى المعاجم هي الرشوة، وتبرطل الرجل أي ارتشى. يقول صلاح إن مهمة ذلك الديوان كانت تحصيل الرشاوي ثمنا للوظائف أو قضاء حاجات الناس، حتى أن الأمير « بلباي الأيتالي» اشترى حكم ولاية صفد بعشرين الف دينار، ثم دفع برطيلا جديدا فأصبح ناظرا للوقف، ثم قائدا للجيش، ثم نائبا للسلطان! نقرأ فى هامش آخر حقيقة غريبة من عهد محمد علي، وكانت الصناعة والزراعة فى عهده قد شبت ونمت، فاستحدث محمد على مفهوما قانونيا جديدا لمبدأ»خيانة الأمانة» يقضي بأن شراء مصنوعات غير وطنية من خارج إنتاج المصريين يعد « خيانة للأمانة»، ثم حدد عقوبة تلك الخيانة بحيث تتدرج مع قيمة الأمانة التي خانها الشخص، فإذا بلغت قيمة ما اشتراه شخص من مصنوعات أجنبية خمسة آلاف قرش يسجن من عامين إلى خمسة فى اللومان، أما إذا ثبت أنه كان يجهل وجود صناعة وطنية من الصنف الذي اشتراه فإنه يعامل برفق ويربط بالقلعة سنتين! حاول محمد على حماية الصناعة الوطنية بتلك العقوبات، وكان فى الوقت ذاته مازل ينظر إلى المصريين بصفتهم عبيدا! يقول عيسى إن المصريين كانوا يسمون عبيدا فى الوثائق الرسمية فى عهد محمد على وخلفائه الأوائل، وعندما أصدر محمد على قانون» السياسة نامه» عام 1837، وهو أول قانون نظامي فى مصر، خاطب المصريين بوصفهم « عبيدا»، ولما تشكل مجلس الشورى نص فى أمر تشكيله على أنه يتألف من: « الذين يصير انتخابهم من العبيد» أي من المصريين!! هذه الصور وغيرها مما يحتويه كتاب» هوامش المقريزي» تؤكد أن مثل هذه الكتب هي التي يجب أن تدرس فى المدارس، هذا إذا أردنا أن نحبب أبناءنا فى تاريخ مصر لكي يبحثوا عنه بأنفسهم فيما بعد وينقبوا فى مسيرتها الشاقة والمفرحة والعظيمة التي قطعتــهــا « بالحــب والصبر والكبرياء »، ومــن ذلـك الينبـــــــوع ارتـــــوى مـــــؤرخ الأمــــــل وجـــــــــــــــــرى قـلـمــــــه.

د. أحمد الخميسي

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق