قضية للمناقشة: مصر بلدان

117

«إن الضمير الوطني لم يعد يحتمل تكرار مثل هذه الحوادث» هزتني الجملة التي قالها أحد الزملاء الصحفيين تعليقا على حادثة القطار المرعبة الأخيرة وهي الحادثة التي كشفت لا فحسب عن مدى تدهور مرفق من أهم المرافق التي تخدم ملايين المواطنين، ولكنها كشفت أيضا عن فضيحة الرؤية الشكلية والمظهرية لما يسمونه تجديد المرافق، فقد استغرق هذا التجديد المزعوم للمحطة الرئيسية للقطارات فى البلاد سنوات طويلة نتج عنها مظهراً أشد قبحاً من الفساد الإداري المتفشي، ولن أتوقف أمام البعد الجمالي فى الموضوع، ولكن المقارنة مع ما تركه لنا «الخديوي إسماعيل» منذ نهايات القرن التاسع عشر، وما قامت السلطات المسئولة» بإصلاحه «فى بداية القرن الحادي والعشرين لابد أن تبعث على الحزن العميق.
والأهم الآن إضافة لفقر الثقافة هو فداحة الافتقار إلى الخدمات الأولية، وأكاد أقول البدائية التي يعرفها العالم كله وهو يتعامل مع المرافق العامة التي تخدم جماهير بالملايين مثل الإسعاف والمطافئ، وكان مشهدا مؤلما حين رأينا لجوء الناس الذين حاولوا المشاركة فى الإنقاذ وهو يطفئون النيران المشتعلة فى مواطنين بجرادل المياه، لنتبين مدى «رخص» البشر وهوانهم فى بلادنا، أي على العكس تماما من الطنطنة الإعلامية الفارغة التي تقول العكس.
وربما سوف يقفز أمامنا مجدداً سؤال الأولويات، ليتوارى قليلا هؤلاء الذين دخلوا فى منافسة هزلية مع بعض دول الخليج الغنية جداً بالنفط وفقيرة السكان حول من منا يبنى أعلى برج فى العالم، أو أكبر جامع وأكبر كنيسة، وإذ يعرف الجميع أن هذا العوار المخيف فى مرافقنا ليس موجوداً فى السكك الحديدية وحدها، وإنما هو ينخر فى المستشفيات والمدارس الحكومية، وفى كل ما تنفق عليه الدولة باعتبار مثل هذا الإنفاق هو حق من حقوقهم هم منتجو ثرواتها، وعماد تماسكها وقوتها، ومعينها الذي لا ينضب أبداً، وهم أكبر الموارد التي يمكن أن يمتلكها مجتمع ما أو بلد. ولكن الإدارة فى بلادنا تتعامل مع هذا الإنفاق باعتباره تصدقاً منها أو شفقة، بينما يزداد الفقراء فقراً وهشاشة ويأساً وتحاصرهم الدعايات الكاذبة. ومرة أخرى تتحول مصر إلى بلدين واحدة تتنافس مع «دبي» وتجري الى الأمام بأغنيائها الذين يزدادون ثراء، والأخرى تتعثر فى مآسيها وهي تتدحرج إلى الوراء بعمالها وبفلاحيها ومثقفيها، وطبقتها الوسطى التي تنحدر بإيقاع سريع وهي تبحث عن إنقاذ، وكل من هؤلاء طبقات وأفراد فى واد يخصه.. ومرة أخرى أيضا تبرز الحاجة لإعادة النظر فى ترتيب الأولويات بمشاركة مجتمعية حقيقية لا صورية كما حدث طيلة السنوات الماضية حيث تحول الحوار المجتمعي المزعوم إلى مادة للسخرية والتندر.. ومن الآن فصاعدا لن تكون عملية إعادة ترتيب الأولويات شأناً حكومياً فقط، فالسياسيون والمثقفون الحزبيون والنقابيون، وغيرهم مدعوون جميعاً للمشاركة الإيجابية الفاعلة فى عملية إعادة النظر هذه والمطلوبة على وجه السرعة، لا فى أولويات الحكم فحسب وإنما فى أولوياتهم هم أنفسهم، وهم لا يكفون عن انتقاد ورفض إغلاق المجال العام، والتضييق على الحياة السياسية بإسم مكافحة الإرهاب، وأصبح هناك ما يشابه التسليم فى هذه الأوساط بتأجيل قضية الحريات العامة إذ «لا صوت يعلو فوق صوت مكافحة الإرهاب «والذي يكاد يكون شعاراً رسمياً الآن.
ندرك الآن وبشكل أوضح من أي وقت مضى أن الحريات العامة ليست شأناً ثقافياً يخص المبدعين والمفكرين وما يسمى «بالنخبة» السياسية فقط، ولكنها شأن شعبي بامتياز يخص العمال والفلاحين والشباب والنساء فى صميم حياتهم وحقوقهم فى المشاركة الفعلية فى تحديد الاختيارات السياسية الاجتماعية الاقتصادية للحكم، إذ يستحيل أن يكون حكم البلاد وخياراته كافة تعبيرا عن كل الطبقات متبنياً لمصالحهم الفعلية بينما يجري استبعاد الأغلبية الشعبية من المشاركة، بعد أن كانت هذه الأغلبية قد أعلنت برنامجها من أجل وطن حر وشعب سعيد يشارك بجدية وفعالية وإبداع فى السيطرة على مصيره، حدث ذلك حين أطلق المصريون الموجات الثورية المتعاقبة من 25 يناير 2011، ثم 30 يونيه 2013 رافضاً كلًا من حكم الاستبداد والفساد، ثم حكم المرشد الذي أخذ يدفع البلاد فى اتجاه الأهلية باسم مشروع رجعي ووهمي يسمى الخلافة.
يدور الصراع الذي كشفت عنه حادثة القطار بشكل أوضح الآن بين قوى الثورة، وقوى الثورة المضادة، وإذ تسعى الأخيرة لوأد كل ما يمت بصلة للموجات الثورية الأخيرة، والتعتيم على الرسائل التي أطلقتها وسقط من أجلها الشهداء، وعلى رأسها: العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وهي الرسائل التي أحتضنها الشعب المصري وتجذرت فى وجدانه، ولم يعد بوسع أي قوة مهما كان بطشها أن تطمس معالمها فى هذا الوجدان الحي، وإذ يتشبث بها الوعي الجمعي للمصريين كآلية للوصول إلى المستقبل الذي لا يمكن بناؤه دون المشاركة الشعبية الفاعلية والمبدعة باعتبارها المضمون الأصيل للديمقراطية التي يتطلع إليها المصريون، وهم يدعوون مثقفيهم وسياسييهم وحكامهم معاً لإعادة النظر فى كل ما جرى ومازال يجري. ومرة أخرى فإن الحرية والديمقراطية ليستا ترفاً للنخبة، بل هي المطلب الأصيل لشعب بكامله.
رحم الله شهداءنا من ضحايا القطار لضحايا الإرهاب، والذين سقطوا دون حلم المصريين أن لا تصبح مصر بلدين غريبين عن بعضهما البعض.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق