لقطات: قطار الجحيم

322

إضطرارا، سأقطع مؤقتا حبل مناقشة تعديلات الدستور لأتناول حادثة قطار الجحيم يوم الجمعة الماضى فى محطة مصر. فهى ليست مجرد حادثة نتجت عن خطأ جسيم للسائق، بل إنها فاجعة وطنية أدمت قلوب المصريين جميعا. كان من الصعب جدا أن نتصور كيف جرى ما جرى. لم يختلف الموقف عما نشاهده فى الحوارى بين صبية يلعبون «الكرة الشراب»، عندما يختلفون حول ما إذا كانت الكرة قد «دخلت الجون»! و لا يختلف المشهد عما نراه يوميا فى شوارعنا من سائقين يتسابقان كلاهما يريد أن يفوز بأولوية المرور فتصطدم سيارتاهما. فيتركان السيارتين فى عرض الطريق لتبدأ مشاجرة مثيرة.. يتدافعان و يتصايحان.. ترتبك حركة المرور و يتعطل الناس. و ربما ترتب على هذا السلوك الصبيانى وغير المسئول تأخر سيارة إسعاف تحمل إنسانا فى حالة حرجة، فيمضى فيه قضاء الله. أو ربما يترتب على ذلك تعطيل سيارة مطافئ تكون مسرعة فى طريقها لإطفاء حريق، فتحدث كارثة و موت جماعى.
لا تختلف هذه المواقف إلا فى مظهرها،. لكن جوهرها واحد. إن جوهرها هو ثقافة المجتمع، و هى أهم ما يحكم سلوك أفراده. فلقد أصاب ثقافة مجتمعنا خراب شديد؛ فلم نعد نُمَيِّز بين الخاص و العام أو بين الأنا و الآخر. و ما عٌدْنَا نُمَيِّز بين الفضاء العام و الفضاء الخاص. و ما عٌدْنَا نفصل بين المجال العام و المجال الخاص. و ما عٌدْنَا نُفَرِّق بين الصالح العام و المصلحة الخاصة. لقد انتشر فى مجتمعنا نوع غريب و خطير من العمى. إنها حالة أقرب إلى العمى العقلى أو العمى الثقافى أو الإجتماعى، إن جاز التعبير. و هو أكثر خطورة و أشد فتكا من العمى البصرى. إنه أشبه بالوباء الذى يؤدى إلى تفكك المجتمع، كما صوره باقتدار الأديب البرتغالى خوزيه سارَماجو الحائز على جائزة نوبل للآداب فى روايته الرائعة: «العمى».
هذا يفرض علينا التساؤل: هل تتناسب الإجراءات التى تتخذ بمناسبة هذه الكارثة مع طبيعتها؟ لا أظن، لأن هذه الإجراءات مبنية على تشخيص خاطئ للمشكلة. فكما يراها المسئولون، هى مشكلة جرارت و عربات و إشارات قديمة ومتهالكة تحتاج لننفق عليها عشرات المليارات لتجديدها و تطويرها. بل هى مشكلة بشر و نظام إدارة بالدرجة الأولى. قال المسئولون إن الحكومة خصصت 56 مليارات جنيه لتطوير المرفق، و دفعت منها 11 مليار جنيبه لشراء 100 جرار جديد. كما تم تطوير 1300 عربة ركاب. و فى كل مرة تقع فيها حادثة قطار يتكرر نفس الكلام، و نشترى جرارات وعربات و معدات من الخواجات، و نرفع أسعار التذاكر و الحجوزات، ثم تتكرر الحوادث لتحصد أرواح الأبرياء بالعشرات. الخطأ هنا هو أننا نتعامل مع مشكلات اجتماعية على أنها هندسية. نحن فى حاجة إلى فكر خبراء علوم الإدارة و الاجتماع و علم النفس قبل فكر المهندسين.
قد تنجح استقالة وزير النقل فى امتصاص غضب الناس؛ لكنها لن تحل المشكلة. سائق الجرارالمتسبب فى هذه الكارثة أثبت سجله الوطيفى تعاطيه المخدرات. و مع ذلك أفاد المسئولون بأن اللوائح لا تسمح بفصله! فمن الذى يضع هذه اللوائح المدمرة؟ فالمشكلة هنا، كما هى فى معظم نواحى حياتنا، هى مشكلة إدارة و ليست مشكلة معدات تحتاج للمليارات. و أدعو السادة المسئولين عندنا إلى زيارة الهند التى هى أكثر منا فقرا لكى يتعلموا كيف يدار مرفق السكة الحديد. فطول الشبكة فى الهند يبلغ عشرة أمثال الشبكة عندنا، و هى رابع أطول شبكة فى العالم، وتملكها الدولة و تديرها بالكامل، و معدل الحوادث هناك أقل كثيرا منه عندنا. إنهم فى الهند يهتمون بالإدارة و يختارون التكنولوجيا الملائمة لظروفهم، و ليس أحدث تكنولوجيا كما نفعل.
حكمة اليوم:
(من أمثالنا الشعبية)
الشاطر يغزل برجل حمار.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق