ضد التيار: سيرة حب مبهرة فى مسرح البالون

206

ليلة حافلة بالبهجة والفرح والسعادة قضيتها فى مسرح البالون، الذى استعاد رونقه وبهاءه، مع المسرحية الغنائية الكوميدية «سيرة حب» للمؤلف الكاتب الصحفى «الموهوب أيمن الحكيم» والمخرج الفنان عادل عبده. تروى المسرحية فى نحو ساعتين قصة السنوات الأخيرة فى حياة الموسيقار الفذ بليغ حمدى، الذى قضى نحو خمس سنوات فى باريس، هاربا من حكم على جريمة لم يرتكبها، وتسببت فيها الحياة البوهيمية والفوضوية التى كان يعيشها، حيث يفتح بيته لكل من يطرق بابه، سواء كان يعرفه، أو لايعرفه، و كان من فرط كرمه وأريحيته، يترك ضيوفه يجولون فى أنحاء المنزل، ويدعون من يشاءون للانضمام إليهم، بينما يذهب هو ليدندن لحنًا على عوده، أو يترك نفسه للنوم، فيصحو على جريمة انتحار فتاة مغربية من شرفة منزله، كانت بين ضيوفه.
وبما أن الموضوع هو بليغ حمدى، فمعنى ذلك أننا ندخل بستانًا متنوع الأزهار بألحانه التى قدم فيها تجديدا متفردا فى مسيرة الغناء العربى، لم تتم دراسته بالشكل الكافى حتى الآن، لكن يحسب للمسرحية أنها تعيد التذكير بمحطاته الفنية الحافلة بالثراء والتنوع، تجلت فى ألحانه لمعظم نجوم الطرب والغناء فى أنحاء العالم العربى. وتكشف المسرحية عن فضيلة من فضائل الجيل الذى انتمى إليه بليغ حمدى، حين نعرف أن من قدمه إلى أم كلثوم كان المطرب والملحن البارع محمد فوزى حيث تتواضع موهبته الكبيرة، فتمد يد العون لملحن آخر توسم فيه الاقتدار والموهبة، بعيدا عن أجواء المنافسة الشريرة التى تميت القلوب والضمائر، وهى الخصال التى اكتسبها بليغ وترسخت فى اختياراته، فلم يغتر بمجرد أن لحن لقمة من قمم الطرب والغناء مثل أم كلثوم أكثر من عشر أغنيات بينها «سيرة الحب» التى يحمل اسم المسرحية بعضًا منها، لكنه أتاح ألحانه للجميع من عبدالحليم حافظ ووديع الصافى إلى محمد رشدى وشكوكو وأحمد عدوية والشيخ النقشبندى الذى قدمه إليه الرئيس السادات، ومن صباح لوردة لشادية وهدى سلطان وميادة الحناوى وشريفة فاضل إلى عفاف راضى وهى فى بدية مشوارها.
ومن يقرأ كتاب أيمن الحكيم موال الشجن، الذى يسجل فيه سيرة وأوراق والحان بليغ حمدى،سوف يكتشف أن ألحانه وأحيانا كلماته، ذهبت لمعظم معاصريه من المطربين والمطربات فى مصر والعالم العربى، وكان من بينهم من يخطو خطواته الأولى مثل على الحجار وهانى شاكر.
نجح المخرج عادل عبده فى تقديم عرض ممتع بسيط، يحرر عين المشاهد وذائقته الفنية من ألوان القبح البصرى والتلوث السمعى مما يهاجمنا يوميا دون استئذان، و مزج بمهارة بين الموسيقى والباليه والصور الفيلمية، فضلا عن السرد المسرحى. وساعده على هذا التمازج الموسيقى الحية للعرض الذى يقوده المايسترو محمد أبواليزيد، وساهمت بدور هام فى حيويته. وما كان لهذا العرض أن يكتمل بدون نخبة كبيرة من مواهب مصرية وكوادر فنية متعددة فى مجالات التمثيل والغناء والديكور والإضاءة والحيل البصرية والملابس لعبت دورا مهما فى سرعة ايقاع العرض والتنقل السلس بين مشاهده، وإضفاء لون من سحر الأزمان المتعددة على أجوائه.
ولعب الحضور الآسر للفنان الموهوب إيهاب فهمى دورا مهما فى هذا النجاح وفى أن يهب بليغ حمدى حياة جديدة لم نكن قد أدركناها فى أزمان سابقة. وبدت موهبة وخفة ظل الفنان مجدى صبحى فى دور محمد عبدالوهاب شديدة الوضوح. وكشفت مروة ناجى فى دور المحامية عن مواهبها التمثيلية بجانب صوتها البديع الرائق. وتضيق المساحة أمام مهمة إعطاء فريق التمثيل المتنوع المواهب حقه، وقد ضم الفنانين أحمد الدمرداش ونهلة خليل وناصر عبدالحفيظ وأحمد الأمير ورشا سامى العدل وعماد عبدالمجيد وعمرو أصلان وسيد عبدالرحمن وهانى عبدالهادى وحمدى حنفى.
كل ما أتمناه من وزيرة الثقافة الدكتورة إيناس عبدالدايم أن تسمح بأن يجوب هذا العمل الفنى الراقى محافظات مصر من الإسكندرية إلى أسوان، وأن يجرى تصويره تليفزيونيًّا حتى يمكن تسويقه فى الخارج، إذا لم يكن متاحًا الذهاب إلى دِوَلِه.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق