قضية للمناقشة: مانيفستو لنسوية جديدة

131

مارس هو شهر النساء على الصعيدين الوطني والعالمي، ففى الثامن منه يحل اليوم العالمي للمرأة كما اعتمدته الامم المتحدة إجلالا لبسالة عاملات نظمن إضراباً كبيراً فى مصنع نسيج فى الولايات المتحدة الأمريكية احتجاجاً على ظروف العمل البائسة وتدني الأجور، وسقطت منهن شهيدات فى المواجهة مع الشرطة.. وفى السادس عشر من شهر مارس أيضا عام 1919 شاركت نساء مصريات فى أعمال الثورة الوطنية ضد الإحتلال والقصر والرجعية وسقطت منهن شهيدات فى مواجهة قوات الإحتلال الإنجليزي.
وفى كل عام هناك جديد فى الاحتفالات باليوم العالمي للمرأة وفى هذا العام توافقت ثلاث نساء باحثات وكاتبات على بلورة «مانيفستو» من إحدى عشر قضية ابتغاء بناء حركة نسوية جديدة، راديكالية ومعادية للرأسمالية، بعد دراسات لواقع الغالبية العظمى من النساء سواء فى تلك البلدان المسماه «بالمتقدمة «، أو فى بلداننا النامية كما تسمى أيضاً.. نظمت خمسة ملايين امرأة إسبانية فى الثامن من مارس عام 2018 إضراباً أدى إلى توقف الحياة فى البلاد تحت شعار «مجتمع خال من القهر الجنسي والاستغلال والعنف» وقالت الوثيقة التي صدرت عن الإضراب أن النساء قد ثرن على تحالف الأبوية والرأسمالية، وهو التحالف الذي يسعى لإخضاع النساء وإجبارهن على الطاعة والصمت. وأضافت الوثيقة أن النساء يرفضن أوضاع العمل السيئة، كما يرفضن تقاضي أجور أقل من أجور الرجال عن نفس العمل، ويسعين إلى إخراج المساواة والحرية من حيز الأماني إلى الواقع، ويتطلعن لبناء حركة نسوية جديدة لصالح 99% من النساء، وتتعاون هذه الحركة مع كل الذين يكافحون ضد الرأسمالية ونظامها.
تتبع المانيفستو الجديد التاريخ الحديث جداً للإضراب النسوي الذي انطلق من بولندا فى أكتوبر عام 2016 حين خرجت مئات الآلاف من النساء إلى الشوارع احتجاجاً على الحظر الحكومي للإجهاض.. وتشكل هذا الإضراب فى البداية كموجات صغيرة متعاقبة سرعان ما تجمعت فى موجة واحدة هائلة، إلى أن أصبح ظاهرة عالمية أدت إلى إعادة تسييس اليوم العالمي للمرأة ورده إلى أصولة العمالية فى أوساط النسوية الاشتراكية.
وتحلل الوثيقة الجديدة بعمق معنى عزوف النساء الأمريكيات عن التصويت «لهيلاري كليننتون» فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، وهو ما اعتبرته الوثيقة إعلاناً لإفلاس « النسوية الليبرالية « وتوجها لبناء نسوية جديدة على أساس طبقي وقيم لتغيير جذري.
وتقول الوثيقة أيضا إن النساء المؤسسات لا يتطلعن لبلورة يوتوبيا خيالية، وإنما لإضاءة الطريق الذي « يتعين علينا أن نقطعه وصولا إلى مجتمع عادل حقاً النسوية فيه هي من أجل 99% من مواطنية» وتذكرنا هذه الجملة الأخيرة بالشعار الذي سبق أن أطلقته حركة « احتلوا وول ستريت « قبل سنوات والتي قالت إن واحداً فى المائة فقط من الأمريكيين يستحوذون على جل ثروات البلاد.
وتضيف النسوية الجديدة إلى البعد الطبقي فى تحليل الواقع الاجتماعي سواء المحلي أو العالمي بعدا جديداً، إذ تسعى لإختراق عزلة ما هو عائلي، وتحطم الجدران المنزلية فالشخص هو سياسي أيضاً وليس بوسعنا إستكمال التحليل الطبقي للواقع دون الوقوف على الوجه الآخر له وهو الاستغلال النوعي والجنسي.
وتكشف الوثيقة عن الإمكانيات الهائلة والسياسية فى العمق لهاته النسوة اللاتي يشكلن عملهن المدفوع الأجر وغير المدفوع الأجر أعمدة أساسية ينهض عليها العالم، وتعيد الوثيقة النظر فى منظور العمل ومعناه، لتزيل التناقض بين سياسات الهوية وسياسات الطبقة.. ويعلن «المانيفستو» إفلاس النسوية الليبرالية وهو ما يذكرنا بما كتبته الباحثة السودانية « خديجة صفوت « قبل سنوات عن « النسوقراط « اللاتي يتطلعن لإقتسام عائد استغلال الكادحين مع رجال النخبة.
ويستحيل أن تنمو النسوية التي تتطلع إليها النسوة الشجاعات وأنصارهن من الرجال المستنيرين، يستحيل أن تعزل نفسها عن مجمل الكفاح من خدمات إجتماعية كافية وكريمة للكافة تحفظ للبشر كرامتهم فى السكن والتعليم والعلاج والعمل، وموارد كافية تجنب النساء العنف فى مواقع العمل.. كذلك فإن النسوية الجديدة لا تدخل فى منافسة مع النضال الطبقي ولكنها تدعو لتوسيع آفاق ومداه.. وفى تحليل الازمة التي واجهها النظام الرأسمالي عام 2008، رأى « المانيفستو» أنها لم تكن مجرد أزمة مالية عابرة كما حاول أنصار الرأسمالية أن يسوقوها، وإنما هي فى العمق أزمة الرأسمالية ذاتها التي لا يحركها إلا الربح والمزيد من الربح، وعلينا نحن الساعين لتحرير العالم فى المظالم تفهم هذه الحقيقة لابتكار أدوات فعالة فى مواجهة الرأسمالية التي دأبت على إعادة إنتاج ذاتها المرة تلو الأخرى، وعلينا نحن أن نتعلم كيف نستخدم الفائض الاجتماعي الذي هو ناتج عملنا الجماعي.. وحللت الوثيقة بعمق وعاطفة جياشة عملية تجذر القهر النوعي أي ضد النساء فى المجتمعات الرأسمالية عبر إخضاع الناتج لمعايير توليد المزيد من الأرباح للمالكين على حساب هؤلاء الذين ينتجون الثروة، ونحن نريد أن نقلب هذه المعادلة لنعود إلى الوضع الصحيح.
وكان النظام الرأسمالي قد ابتكر عملية فصل إنتاج البشر أي تجديد الجنس البشري الذي تقوم به النساء فصله عن إنتاج الربح، واستبعدت النساء وعزلتهن عن العملية الأخيرة.. ولأن الرأسمالية ولدت فى أحضان العنصرية والأمبريالية كذلك فإنها تدافع عن المناخ والأرض من أجل عالم صالح لحياة كريمة للبشر، كما تدين استخدام الديون لإخضاع الحكومات وإذلال الشعوب.
وتتقوى الحركة النسوية الجديدة فى توجهها لبناء قوة أممية بكل القوى المعادية للإستغلال طبقيا كان أو نوعيا، وحيث تفصل الرأسمالية الاقتصادي عن السياسي فإنها تبلور نظرة شاملة تبين الترابط العميق بينهما وبين المجتمع ككل بنسائه ورجاله، إذ يتعاظم الإحساس الجماعي بالممكن، وتصبح أحلام البشر قريبة المنال والعيش الطيب فى متناول الجميع.
يحتاج هذا « المانيفستو « إلى قراءة أخرى أوسع، وأعمق تقوم بها الحركة النسوية والديمقراطية فى مصر لنعرف جيداً كما طالبنا «طه حسين» إلى أين يتجه العالم.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق