بعد حملة العدد مش فى السند«2 كفاية».. الحكومة تسعى لحل المشكلات بالإعلانات

■ السيد الغضبان: الإعلام انحدر.. والقضايا الشائكة تعالج بالإعلانات التافهة ■ هدى زكريا:ضرورة خلق سياسات مشجعة على تحديد النسل

247

تحقيق: نجوى إبراهيم – شيماء محسن

أثارت حملة “السند مش فى العدد..2 كفاية” التى أطلقتها وزارة التضامن مؤخرا، بهدف زيادة وعى المواطنين وخاصة الفئات الفقيرة منهم بمخاطر كثرة الانجاب، العديد من التساؤلات حول قدرة الحملة على التأثير الإيجابى على الأسر.
فبعد مرور سنوات على حملات التوعية التي أطلقتها الدولة فى تسعينيات القرن الماضي مثل “حسنين ومحمدين”، والراجل مش بس بكلمته الراجل برعايته لبيته واسرته”..وغيرها للتوعية بالقضية السكانية، من جديد عادت الدولة ممثلة فى وزارة التضامن لاطلاق حملة توعوية جديدة بعنوان “السند مش فى العدد..2 كفاية”، واستعانت الوزارة بالفنان “أكرم حسنى” لتصوير أعمال تهدف الترويج لأهمية تنظيم الأسرة.
وظهر فى الحملة “أكرم حسني”، بشخصية الرجل الصعيدي المتفاخر بكثرة أولاده، إلا أن هؤلاء الأولاد خذلوه فى المواقف الصعبة، ليؤكد فى نهاية الإعلان أن تربية طفلين أفضل من 4 أو 5 أطفال..
طلب إحاطة
انتقد النائب إبراهيم نظير، عضو مجلس النواب، الحملة ووجه طلب إحاطة لرئيس الوزراء ووزيرة التضامن ورئيس الهيئة الوطنية للإعلام لوقف إعلان الحملة، وأكد إن الحملة ظهر خلالها الممثل أكرم حسنى بشخصية «عوضين» بشعار «يا عزوتى»، والتى قدمها بطريقة هزلية وكوميدية لا تتناسب مع الفكر التوعوى الجاد الذى يجب أن تتضمنه تلك الحملات، خاصة مع تجاوز أعداد المصريين 104 ملايين نسمة.
وأشار «نظير» إلى سرعة انتشار مشاهدة الحملة عبر يوتيوب دون تحقيق الهدف المنشود له، حيث استقبله الجمهور وكأنه عمل كوميدى ساخر مثل مسلسلات رمضان والمسرحيات الهزلية التى يجرى تقديمها.
وتساءل “نظير” فى طلبه لماذا يتم تشويه الصعيد بالأعمال الكوميدية الساخرة، وكأن الصعيد أصبح مثارا للكوميديا والإعلانات الهزلية ليخرج فى النهاية شعب جاهل وبدون وعى، واستشهد النائب بحملات سابقة تمت الاستعانة فيها بفنانين وحققت نجاحا فى تنظيم النسل مثل «حسنين ومحمدين» التى قدمتها المغنية الشعبية فاطمة عيد فى الثمانينيات، وحملة «معلش» للممثل يونس شلبى عن إلقاء المخلفات فى الشارع، وكانت بصوت الفنان محمد منير وحققتا نجاحا فى هدفيهما، عكس ما شاهدناه فى حملة “كفاية”
حملة ساذجة
وصف الكاتب الإعلامى، السيد الغضبان، هذه الحملة بـ «التافهة والساذجة»، مشيرا إلى أن الإعلام المصرى انحدر إلى المستوى الذى نراه الآن، وأصبحت القضايا الشائكة تعالج بالإعلانات التافهة، ويتم إهدار الأموال التى تقدر بالمليارات بدون أى فائدة، وأوضح أن تنظيم الأسرة مرتبط بالوعى العام، وعلاج الزيادة السكانية يحتاج إلى حلقات نقاشية يجتمع فيها الخبراء وممثلو الوزرات المختلفة ورجال الدين للتحاور مع المواطنين، وعرض هذه الحلقات وإذاعتها بأسلوب سهل وواضح، فضلا عن معالجة الأفكار والمفاهيم التى قد يعتقد البعض أنها ضد الدين، فمثلا من العادات والتقاليد الراسخة فى أذهان البعض أن “تنظيم الأسرة حرام، وأن خلفة الولاد عزوة”..هذه الأمور تحتاج تصحيح من رجال الدين، وعمل برامج متعددة لتوعية المواطنين، أما الإعلانات الساذجة فليس لها جدوى سوى إنحدار الوعى وضياع المال العام.
دور ثانوي
فيما قال د. ياسر عبدالعزيز، الخبير الإعلامى، إن المشكلة السكانية من أكبر التحديات التى تواجه الدولة، لافتا إلى أنه تم استخدام الحملات الإعلانية للحد من الزيادة السكانية وتوعية السكان فى أوقات سابقة وتكلفت هذه الحملات مبالغ ضخمة ولكنها لم تثمر عن نتائج إيجابية.
وأكد «عبدالعزيز» أن دور الإعلام فى هذه القضية يعتبر ثانويا وليس رئيسيا، موضحا أنه من الصعب أن تحل الأزمة السكانية عن طريق الحملات والمبادرات الإعلانية، ولكنها ممكن أن تكون جزءا من خطة شاملة ذات بعد استراتيجى، ويجب أن تبدأ هذه الخطة بسن القوانين وتقديم المحفزات للأسرة.
وطالب بضرورة زيادة التوعية من خلال المؤسسات المختلفة والتعليم ورفع المستوى الاقتصادى والاجتماعى، ومشاركة كافة الجهات المختلفة للتصدى للزيادة السكانية، وقبل كل ذلك لابد من وجود إرادة سياسية معلنة.
سلعة إنتاجية
ومن منظور علم الاجتماع ترى د.هدى زكريا، استاذ علم الاجتماع، أن إعلانات الحملة التى تذاع حاليا دمها خفيف وهذا دورها، أما خلق وعى فلن تستطيع تغير أفكار راسخة فى أذهان الفقراء بالإعلانات، مشيرة إلى أن الحملات الإعلانية بشكل عام التى تهدف إلى تنظيم الأسرة بدءا من « حسنين ومحمدين» تلك الأغنية الشهيرة للفنانة فاطمة عيد، و«الراجل مش بس بكلمته»..وغيرها من الحملات غير كافية للتصدى لمشكلة الزيادة السكانية، ولكن يجب خلق دوافع ضد كثرة الإنجاب، بحيث لا يكون الإنجاب هو المهمة الوحيدة للأسرة الفقيرة أو للمرأة، فيجب مثلا خلق فرص إيجابية لشغل المرأة عن الإنجاب، وفى هذه الحالة نستطيع تفعيل مبادرة “2 كفاية”.
وأشارت إلى أنه من الضرورى الاستعانة بخبراء السكان من أجل البحث عن آليات لإقناع الشخص الفقير بتنظيم الأسرة، خاصة أن نوعية السكان التى تفرزها الزيادة السكانية سيئة، فهى تفرز لنا ملايين من الموطنين يعانون من الأمية والفقر والمرض.
وأوضحت أن إنجاب الأطفال لدى الأسر الفقيرة يعتبر سلعة إنتاجية، فهم ينجبون الأطفال بمنطق أن الأطفال تكبر وتشتغل وتجيب الرزق، وتلك الفئة التي نستهدفها بتنظيم الأسرة، ليس لديها مشكلة فى تعليم أبنائهم من عدمه، فالأبناء يتجهون إلى سوق العمل فى سن مبكرة، الأمر الذي يجعل الأب غير مهتم بتهديد الدولة برفع الدعم مثلا عن أبنائه إذا أنجب أكثر من طفلين، وبالتالى فإن هناك إجراءات أخرى ممكن أن نهتم بها نستطيع من خلالها مواجهة الزيادة السكانية، فمثلا فى قرى الصعيد إنشاء المدارس وإحياء حلم التعليم لدى الفتيات، ممكن يؤخر سن الزواج 10 سنوات على الأقل وبالتالى نقلل مساحة الخصوبة والإنجاب.
وتابعت، أن منهج الفقير أن خلفة العيال مصدر للرزق، أما استراتيجية الدولة أن الزيادة السكانية تلتهم ناتج التنمية، ولذلك لابد من وضع خطط لدفع الفقراء تبنى منهج الدولة، أما الإطار الكوميدى للحملة الإعلانية فهو لم يناقش القضية بعمق، ولاتستطيع هذه الحملة أن تلعب دورا مؤثرا، ولابد أن يصاحب هذه الحملات توجيهات جادة مثل وضع آليات لرفع سن الزواج بالقرية، وخلق حلم التعليم لدى الفتيات بالقرى الفقيرة التى تعتقد حتى الآن أن زواج البنات فى سن صغيرة حماية ففى اعتقادهم أن “زواج البنت سترة، ويقفل باب الشر”.
وأكدت «زكريا» أن القضية هى مدى قدرة الدولة على اختراق البنية الثقافية للقرى الفقيرة، وفهم اللغة السائدة ووضع الخطط والآليات لتغيرها. وتتساءل: هل لدينا القدرة على تغيير هذه الأفكار والعادات والتقاليد الراسخة فى أذهان الفقراء باعتبارهم الأكثر إنجابا؟، وهل النكت والإعلانات الكوميدية هى التى تغير الوعى؟، وهل نواب البرلمان الذين ينتقدون الحملة لديهم رؤى بديلة وأفكار بديلة للمواجهة ؟..أم علينا الاستعانة بالخبراء فى هذا الشأن، ومحاولة الوصول إلى أعماق الصعيد والريف لتغيير هذا الواقع السكانى.
وأوضحت أن الصين رفعت شعار واحد كفاية، وفى مصر ليس لدينا رفاهية الاختيار لذا لا بد من العمل على إصدار قوانين صارمة لتنظيم الأسرة، فمثلا يجب تطبيق فكرة اقتصار الدعم على طفلين بشرط قبل تطبيق شعار اتنين كفاية لابد أن نخلق سياسات مشجعة على تحديد النسل.
حلول عاجلة
ومن جانبه، أكد د. شريف الدمرداش، الخبير الاقتصادى، أن الزيادة السكانية تأتي فى مقدمة التحديات التي تواجه الاقتصاد، نظرًا لأنها تلتهم أي مجهود تنموي، لا سيما وأنها أخذت فى الارتفاع منذ عام 2007 بمعدل يصل إلى 2،5% سنويا، بنحو 2،2 مليون نسمة، وانخفض هذا المعدل تدريجيا عام 2015 بنسبة طفيفة جدًا، مؤكدا أنه لإحداث التنمية الاقتصادية لا بد من تراجع هذه المعدلات لتتلاءم مع النمو الاقتصادى، إلى أن يصل معدل النمو الحقيقي للناتج المحلى ضعف عدد السكان، لسد الفجوة بين نسبة النمو السكاني والنمو الاقتصادي.
وقال الصين لكى تحقق طفرتها الاقتصادية حققت نسبة 12% زيادة سنوية فى الناتج القومى لمدة تتراوح بين 10و15سنة، وفى المقابل كان النمو السكانى لايزيد على نسبة 1%، فالطفرة الاقتصادية والتنمية تتطلب معدل تنمية عاليا، ومعدل نمو سكانى منخفضا.
وتابع، كان يجب محاربة الزيادة السكانية منذ زمن طويل، أما فكرة مواجهتها بهذه الإعلانات الساذجة “السند مش فى العدد” فهى لن تؤثر على الإطلاق، مشيرا إلى ضرورة أن يكون الجهد الحكومى فى اتجاه التصدى للجماعات الدينية الذين يروجون أن فكرة تنظيم الأسرة حرام، وللأسف الناس الفقراء يصدقون ذلك ولذلك لابد من نشر صحيح الدين.
واكد أن العلاج الجذرى لمشكلة الزيادة السكانية يتطلب أولا وقف هذا النزيف السكانى، ويجب الاهتمام بالكتلة البشرية من خلال نهضة تعليمية حقيقية، خاصة أن التعليم الحالى هو مجرد تعليم وهمى شكلى يعتمد على التلقين وليس المعرفة، ثم الاهتمام بالمهارات الفنية ومعاهد التدريب، و يأتى بعد ذلك علاج مشكلة التوظيف وزيادة الإنتاج، ومن ثم فعلى الحكومة مستقبلياً أن تبحث كيفية رفع الإنتاج وطرح المزيد من فرص العمل وتحفيز الاستثمارات المحلية، فالدول التى اهتمت بالإنتاج خفضت معدلات الإنجاب تلقائيا، أما أن نضع برامج للتنمية وتطوير التعليم والصحة، قبل مواجهة النمو السكانى فهذا أسلوب خاطئ ولن يكون له اى فائدة.
الحملة مقصودة
ومن جانبه، صرح عمرو عثمان، مدير صندوق الإدمان وعلاج التعاطى، والمشرف على حملة “2 كفاية”، أن اختيار الفنان أكرم حسنى للقيام بدور البطل فى فيديو الحملة جاء بناء على استطلاع رأى تم إجراؤه على قطاع من الفئات المستهدفة بالمحافظات الأشد فقرا والأعلى خصوبة، موضحا أن الفنان أكرم حسنى نجم محبوب للجمهور، وله قدرة خاصة على التأثير. وأشار إلى أن المحافظات الأعلى خصوبة هى «البحيرة والجيزة والفيوم وبنى سويف وسوهاج وأسيوط وقنا والمنيا والأقصر وأسوان»، موضحا أن الفيديو حقق مشاهدة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعى.
وقال إن إخراج الإعلان بأسلوب كوميدى كان مقصودا ومدروسا، مشيرا إلى أن الجمهور المستهدف يتراوح عمره بين “٢٠ــ٣٥” عاما، وبطبيعته يحب روح الفكاهة ويسخر من مشكلاته، لذلك قررنا أن تكون الحملة بعيدة عن الوعظ والترهيب والرسائل المباشرة. والحملة انتهجت أسلوبا يبعد عن الرسائل المباشرة والترهيب.
أما د.عمرو حسن، مقرر المجلس القومى للسكان، فأكد إن المجلس لا يستطيع تقييم آثار الحملة التى تقوم بها وزارة التضامن “2 كفاية” إلا بعد الانتهاء منها، لافتا إلى أن الإعلان تتضمن “الصعايدة” لأنهم أكثر الفئات استهدافا من الحملة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق