ثورة 1919 حكاية شعب

عاصم الدسوقى: الشعب يبحث دائما عن قيادة لتحقيق أهدافه عبد المنعم الجميعى: الثورة أحيت الشعور بالوطنية عطية القوصى: حماية الوطن كانت الهدف لطيفة سالم: غيرت مفاهيم الثقافة وساهمت فى تحرير المرأة

230

يأتى احتفال الشعب المصرى بمرور مائة عام على ثورة 1919 تلك الثورة الشعبية التى انتفض فيها المصريون ضد الاحتلال البريطانى الغاشم الذى سرق مقدرات هذا الوطن وسلب موارده ولكنه فشل فى الاستيلاء على ارادته وكبريائه.. يأتى احتفالنا هذا العام ليكشف عظمة هذا الشعب الذى خرج بكل طوائفه من فلاحين وعمال وطلبة ومثقفين وموظفين.. أعيان وفقراء.. مسلمين ومسيحيين..المرأة والشيوخ،وحتى افراد الشرطة أو البوليس المصرى – كما كان يطلق عليهم –هدفهم الوحيد هو الدفاع عن الوطن والحفاظ على ترابه ووحدته.. والسعى الدائم نحو الحرية والعدالة الاجتماعية..نحاول فى هذا التحقيق القاء الضوء على أهم الدورس المستفادة من هذه الثورة المجيدة ؟

«إن هذا الشعب الذى تحسبه جاهلا ليعلم أشياء كثيرة ولكنه يعلمها بقلبه لا بعقله، إن الحكمة العليا فى دمه ولا يعلم، والقوة فى نفسه ولا يعلم، هذا شعب قديم، جيء بفلاح من هؤلاء وأخرج قلبه تجد فيه رواسب عشرة آلاف سنة من تجاريب ومعرفة رسب بعضها فوق بعض. نعم هو يجهل ذلك ولكن هناك لحظات حرجة تخرج فيها هذه المعرفة وهذه التجاريب فتسعفه وهو لا يعلم من أين جاءته.هذا ما يفسره لنا تلك اللحظات من التاريخ التى نرى فيها مصر تطفر طفرة مدهشة فى قليل من الوقت..وتأتى بأعمال عجاب فى طرفة عين»..هذا ما أشار اليه د. «عماد أبو غازى – وزير الثقافة الاسبق _فى كتابه حكاية ثورة 1919 قائلا: تحمل كلمات توفيق الحكيم فى روايته «عودة الروح» رؤيته لحال الشعب المصرى التى عبر عنها على لسان احد شخوص روايته مسيو فوكيه عالم الاثار الفرنسى فى حواره مع مفتش الرى الانجليز مستر بلاك..مؤكدا أن كلمات الحكيم تعبر بصدق عن حال الشعب المصرى قبيل الثورة، فلم يكن الانجليز يتصورون عندما منعوا سفر الوفد المصرى لعرض قضية البلاد على مؤتمر الصلح ولا عندما رفضوا سفر رئيس الحكومة رشدى باشا الى لندن للتفاوض لم يكونوا يتصورون أن الشعب المصرى يمكن أن يثور..وقال د»ابو غازى «فى كتابه» فى يوم 8 مارس سنة 1919 كانت السلطات البريطانية قد القت الضبط على سعد زغلول ومحمد محمود باشا واسماعيل صدقى باشا وحمد الباسل باشا وأودعتهم ثكنات قصر النيل، وفى اليوم التالى تم ترحيلهم الى بورسعيد ومنها الى مالطة منفيين بعيدا عن الوطن، شاع الخبر فى العاصمة ومنها الى الاقاليم، ما هى الا ساعات قليلة وبدأت الثورة صباح الاحد 9 مارس وكانت البداية من طلبة مدرسة الحقوق..اشتعلن الثورة فى مصر من اقصاها الى اقصاها..وصدقت كلمات الحكيم «احترس..احترسوا من هذا الشعب فهو يخفى فى نفسه قوة نفيسة هائلة»
وهو نفس الامر الذى أكده المؤرخ الدكتور «عبدالمنعم الجميعي» أستاذ التاريخ الحديث بآداب الفيوم مشيرا الى أن سعد زغلول ورفاقه لم يكن يعلمون أن الطلب الذى قدموه للمندوب السامى البريطانى فى مصر للسماح لهم بالسفر إلى مؤتمر الصلح فى باريس للتفاوض على استقلال مصر- سوف يفجر هذه الثورة، وقال:أن سعد» لم يكن هو مفجر الثورة كما يعتقد البعض، ولكن كان اعتقاله هو ورفاقه الشرارة التى فجرت الثورة.. وأوضح أن اهم الدروس المستفادة من ثورة 1919 هى أن الشعب المصرى يتحمل المحن والشدائد ولكنه يأبى الظلم والاستبداد ولذلك قام بالثورة لأنه شعر بالإهانة جراء اعتقال سعد، وبدأت الثورة فى القاهرة ثم امتدت مثل النار فى الهشيم فى باقى أقاليم مصر..لافتا الى أن الثورة اشعرت المصريين بأهمية التعبئة القومية وأهمية الروح الوطنية،كما إنها جمعت فئات الشعب المصرى نساءه ورجاله، وكانت هذه اول مرة تشارك النساء فى ثورة وطنية.
وأكد أن ثورة 1919 كامن لها دور قوى فى احياء الشعور القومى المصريين والتأكيد على فكرة أن الشعب المصرى عندما يفيض به الكيل ينفجر منه بركان الغضب موضحا أن الثورة كان لها مقدمات اهمها حالة الرفض للمحتل الانجليزى،فعندما قامت الحرب العالمية الاولى 1914 اعلنت انجلترا الحماية البريطانية على مصر وانهت تبعيتها للدولة العثمانية واستغلت موارد الشعب لخدمة القوات البريطانية وقامت بتجنيد عدد كبير من المصريين الفلاحين للحرب، ووضعت القوات البريطانية الخطوط الحديدية فى خدمة القوات البريطانية مما ادى الى سوء الاحوال الاقتصادية والاجتماعية وازدياد شعور المصريين بضياع حقوقهم كل هذا ادى الى ازدياد الوعى القومى والدعوة الى التحرر من الاحتلال. واضاف أن ثورة 1919 لم تنجح بشكل كامل خاصة ان شعار الثورة كان «الجلاء التام أو الموت الزؤام» الا أن الاحتلال ظل قائما واخذنا جوالات حتى اصدر الانجليز تصريح 28 فبراير..الا انه من الناحية الاجتماعية نجحت الثورة فى انتشار التعليم وخاصة للفتيات، وبذر بذور الروح الوطنية فى نفوس المصريين واحياء الوعى الوطنى.
ومن جانبه اكد المؤرخ د. «عاصم الدسوقى» استاذ التاريخ المعاصربجامعة حلوان وعميد كلية الاداب سابقا أن الشعب المصرى شعب يبحث دائما عن قيادة تقوده لتحقيق اهدافه فى الحياة، فنجد أن المصريين فور سماعهم باعتقال «سعد زغلول» واصحابه الى جزيرة مالطا لانه يطالب بالاستقلال ويريد السفر إلى باريس للمشاركة فى مؤتمر فرساي للمطالبة بتطبيق حق تقرير المصير للشعوب، وذلك استجابة لما أعلنه الرئيس الأمريكي ويلسون فى يناير 1918 والذي يسمى بالمبادئ الأربعة عشر، ومن ثم تم اعتقاله فى 8 مارس ونفيه إلى جزيرة مالطا، إحدى المستعمرات البريطانية..وفور سماع المصريين باعتقال سعد زغلول التفوا حوله، لانه قام باحياء الروح الوطنية التى كانت قد ماتت بعد رحيل «مصطفى كامل»..وعندما قامت الحرب العالمية الاولى عاش المصريين حالة من الضيق بسبب سيطرة بريطانيا على موارد البلاد. واكد أن تدهور الاحوال الاقتصادية فى مصر وانشاء بنك «طلعت حرب»من اجل الاستقلال الاقتصادى هو اهم الدروس المستفادة من الثورة.مشيرا الى أن استقلال مصر الذى كان يحارب المصريون من اجله لن يكون له قيمة اذا لم يستند الى استقلال اقتصادى قوى واذا لم يسيطر المصريون على اقتصادهم. واشار «الدسوقى» الى أن الطلاب كانوا عنصرًا أساسيًا فى الأحداث، و تبادل القساوسة والشيوخ أماكنهم، فألقى القساوسة خطبهم فى المساجد، وألقي الشيوخ أحاديثهم من الكنائس.
واكد الدسوقى من الدروس الهامة ايضا فى الثورة أن المصريين أرادوا دحض محاولات الاحتلال الإنجليزي لإثارة الفتنة الطائفية بين قطبي المجتمع المصري من المسلمين والأقباط ليفرقوا بينهم ولشغلهم عن المطالبة بالجلاء، ولكن المصريين كانوا أقوى من كل محاولاتهم ورفعوا الشعار الأشهر «الدين لله والوطن للجميع»، وتجلت بينهما روح الوحدة الوطنية.. واوضح ان انقسام الحركة الوطنية بعد ذلك هو العيب الذى تعانى منه الحركة الوطنية فى مصر حتى الآن فحزب الوفد تحول بعد الثورة الى عدة احزاب خرج منه احزاب مثل حزب الاحرار الدستورى عام 1922 وفى عام 1930 خرج حزب الشعب بقيادة اسماعيل صدقى وفى 32 حزب الهيئة السعدية..وفى عام 35 تم تشكيل حزب الكتلة..وتابع د»عاصم الدسوقى»ان الانقسام هو مرض الحركة الوطنية فى مصر،وللاسف لم نتخلص من هذا المرض حتى الآن فبعد رحيل عبد الناصر وعودة انشاء المنابر والاحزاب استمر الامر فى الانقسام بدليل اننا لدينا الآن اكثر من 100 حزب.
ومن جانبه اشار د. «عطية القوصى» استاذ التاريخ الاسلامى بآداب القاهرة الى أن ابرز الدروس المستفادة من ثورة 1919 هى التأكيد على الروح الوطنية بين المصريين..وتجمع المصريين معا من اجل محاربة عدو واحد لا فرق بين ابناء الامة خرج المسلمون والمسيحيون المرأة والرجل، العمال والموظفون الجميع هدفه الوحيد حماية الوطن وهذا يدل على ترابط هذا الشعب ووحدته مشيرا الى ان الشعب المصرى يتميز ايضا بميله الى الالتفاف حول زعيم قادر على قيادة البلاد والدفاع عنها وهذا الشعور لدى المصريين من ايام محمد على، وظهر فى الثورة العرابية وايضا فى ثورة 1919، فقد اعتبر المصريون «سعد زغلول»هو قائدهم والزعيم»..فالشعب المصرى كان وسيظل يدًا واحدة من اجل الحفاظ على الوطن.
وفيما يخص نجاح الثورة اكد «القوصى»أن الثورة نجحت فى التأكيد على أن الشعب المصرى شعب قوى لن يرضى بالاحتلال وسوف يقاوم من اجل الاستقلال..وبالفعل اصدرت بريطانيا تصريح 28 فبراير..ثم تم سن دستور 1923 وتم تشكيل اول حكومة دستورية عام 1924.
اما د. «لطيفة سالم» استاذ التاريخ المعاصر بكلية الآداب جامعة بنها فتحدثت عن دور المرأة فى ثورة 1919 مؤكدة أن فئات الشعب كافة كانوا ممثلين فى هذه الثورة، وكانت المرأة عنصرًا أساسيًا فى أحداثها لافتة الى أن من قاد مظاهرات النساء فى القاهرة كانت زوجات البشاوات والبكوات، وقد عرضت النساء أنفسهن للرصاص فى هذه الثورة دون خوف. وأكدت أن ثورة 1919 غيرت كثيرا فى الثقافة المصرية ومفهوم المواطنة والفكر، وساهمت فى تحرر المرأة والاتجاه نحو الليبرالية مشيرة الى أن هذه الفترة عاش المجتمع المصرى معاناة حقيقية على كل المستويات اقتصاديا واجتماعيا ولذلك شارك الجميع فيها من الموظفين والمثقفين وكبار الملاك والعمال والفلاحين الذين قاموا بقطع السكك الحديدية لمنع القوات البريطانية، ومشاركة الاقباط والمسلمين، والقساوسة والمشايخ والهلال مع الصليب..مشيرة الى أن هذه الروح لم تكن موجودة من قبل، حتى مشاركة المراة فرغم تواجد نشاط نسائى قبل ثورة 1919 والصحافة النسائية الا انها لم تكن بنفس القوة التى ظهرت فى الثورة. وأكدت انه لم يكن للمرأة المصرية فى هذه التوقيت دور فى العمل السياسى، لكنها بدأت المشاركة فى الحراك الثورى من خلال زوجات القيادات، حيث اقتصر الأمر عليهن فى البداية، ثم شاركت المرأة المصرية فى أول تظاهرة قادتها صفية زعلول، زوجة سعد زغلول، وهدى شعراوى.
وكان من اهم نتائج الثورة هى ارسال الاتحاد النسائى الدولى لهدى شعراوى يطلب منها الذهاب لعرض حقوق المرأة التى شاركت بهذه القوة فى الثورة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق