رمسيس راح فين ؟

500

هل نسي أحدنا يوما ما حدث عندما تم نقل تمثال رمسيس من ميدان رمسيس الي مكان آخر، وتلك الشلالات من الاحزان، وردود الأفعال التي صاحبت هذه العملية عام ٢٠٠٦، وكيف كان التفاعل الشعبي معها كبيرا بما جعلنا نتوقف أمامه، وننتظر تفسيرات او على الاقل مزيدا من الفهم وبالطبع التسجيل والتوثيق لهذا الحدث المهم الاجابة أتت بعد ثلاثة عشر عاما كاملة، اي هذا العام ٢٠١٩، من خلال فيلم عرضه مهرجان الاسماعيلية السينمائي الدولي للافلام التسجيلية والقصيرة فى ختام ايّام عروضه مساء اول امس (الاثنين ) وحيث كان (رمسيس راح فين ) ومخرجه عمرو بيومي إحدى المفاجآت المهمة فى هذه الدورة للمهرجان، والتي تحمل الرقم ٢١، أي دورة سن الرشد، كما قال رئيسه الناقد السينمائي عصام زكريا، وكما كان واضحا من الانسجام الإداري بينه، اي رئيس المهرجان، وبين المسؤول عن إقامة المهرجان الدكتور خالد عبدالجليل، رئيس المركز القومي للسينما، ومستشار وزيرة الثقافة لشؤون الفن السابع، ومن خلال هذا أستطيع ان اقول ان المهرجان فى دورته هذه قدم إضافات مهمة لعشاق السينما التسجيلية والوثائقية فى مصر، وأيضا لصناعها سواء من الاجيال الرائدة او الواعدة واستطاعت فلسفة ما بعد سن الرشد ان تقدم لنا بعض مما لم نره من قبل مثل الفيلم القصير للمخرج الكبير أسامة فوزي ( انساني انساني جدا) الذي رحل مؤخرا، ومثل فيلم (ابطال من مصر) الذي قام بتصويره الفنان سعيد شيمي عن احد ابطال اكتوبر وعائلته، ومثل فيلم المخرج اللبناني الراحل برهان علوية (لا يكفى ان يكون الله مع الفقراء) عن تجربة المعماري المصري الشهير حسن فتحي فى البناء باستخدام مواد البيئة المصرية، بدون الاعتماد على المواد المستوردة، وتأثير هذا على الفقراء، اي الاغلبية، والانسجام الاجتماعي فى بلد واحد وعلي جانب آخر، جاءت التكريمات الاخري فى هذه الدورة لتدخلنا فى عالم وزمن جميل، الاجتهاد فيه كان بقدر الإبداع من خلال تجربتي عطيات الابنودي وفريدة عرمان والاثنتان صاحبتا تاريخ طويل ومشرف مع الفيلم التسجيلي، وإذا كانت عطيات الملقبة بمخرجة الغلابة، قدمت افلامها المهمة للدفاع عن الفقراء من كل الأطياف وعن النساء الشقيانات، قبل وجود المجلس القومي للمرأة فإنها ايضا اول من تعامل مع أفريقيا فنيا بفيلمها ( أثيوبيا بعيون مصرية)عام ٢٠٠٦ اما فريدة عرمان، فهي إحدى رائدات الاخراج فى التليفزيون المصري، والتي بدأت العمل به قبل بثه الرسمي عام ١٩٦٠ وفيه قدمت لملايين المشاهدين افلاما عن مصر الارض والعادات والأفراح، والصناعات، والآثار، والعلم، وحتي اغنيات وأناشيد الثورة حولتها لافلام تسجيلية اكثر من عشرة سلاسل فيلمية وستمائة فيلم قصير بتوقيع فريدة عرمان تم انتاجها فى العصر الذهبي للتليفزيون القومي، وقد رحلت المبدعتان فى عام واحد هو ٢٠١٨ ليقدم المهرجان لنا جهدا وابداعا لن يرحل معهما بشرط ان نحافظ عليه داخل جهاز لحماية وحفظ الأرشيف السينمائي الحديث (السينماتيك ) المزمع إنشاؤه منذ سنوات بدموعهم الحارة ودعوه وكأنه حيا.
نعود الي فيلمنا (رمسيس راح فين) ومخرجه عمرو بيومي، الذي هو أيضا كاتبه، ومشارك فى تصويره مع مجدي يوسف، وقد عمل بيومي فى السينما منذ تخرجه فى معهدها عام ١٩٨٥ فساعد فى اخراج عشرة اعمال قبل ان يقدم فيلمه الاول كمخرج وهو(الجسر) والذي كتبه أيضا وأنتجه قطاع الانتاج بالتليفزيون المصري، وكان بطله الممثل الكبير محمود مرسي فى دور جد يبحث عن وسيلة للتفاهم مع أحفاده، وبعدها صمت مخرجنا طويلا ليقدم عام ٢٠٠٨ فيلم (بلد البنات)، ويعود سنة ثورة يناير ليقدم فيلما تسجيليا هو (نافذة على التحرير)، وفِي ذهنه وحوزته افكار ومشروعات عديدة، وايضا مشاهد تم تصويرها لأهميتها البالغة مثل رحلة رمسيس الثاني الي منفاه بعد قرار ابعاده عن الميدان والناس، (ذكر المصور السينمائي الكبير محمود عبد السميع فى ندوة هذا الفيلم انه قام بتصوير رحلة رمسيس الثاني أيضا مع بعض زملائه ولكن ما تم تصويره ضاع، ولَم يتم استخدامه وقتها) المهم ان مخرجنا قرر ان يستكمل فيلمه اخيراً من خلال شركة أسسها، وان يقدم رؤيته لرحلة تمثال الفرعون، وما حولها من هوامش انسانية،ممتزجة برحلته الشخصية مع الحياة، فى نوع من التوثيق لحياة شاب مصري عاني من استبداد أبيه، حتي استطاع الإفلات من هذه الأبوية، والانطلاق الي دراسة وممارسة ما يحبه، اي السينما، والسعي من خلالها للبحث عن ذاته وتأكيدها، وهنا يتوقف الفيلم عند الذات والآخر فى علاقة مخرجنا بخبر نقل التمثال الذي كان جزءا من الميدان /المحور لكل القادمين للعاصمة من محافظات مصر وكل المغادرين، (قال احدهم انه كان يقضي ساعات فى الميدان،بجانب التمثال قبل ان يستقل قطار العودة) وكانت هناك اسباب مختلفة لتعلق الناس بتمثال رمسيس، وكأنه واحد منهم، ولذلك جاءت مظاهرة الوداع والبكاء عند رحيله مذهلة كما قدمها الفيلم فى مواقع عديدة صاحبت فيها الكاميرا رحلته، وحيث رفعت سيدات البيوت فى عمارة قديمة بالميدان نفسه الاعلام المصرية فى وداع هيستيري لافت وتجمعت الحشود فى الشوارع والميادين عبر رحلته لترفع أياديها بالسلام، والاعلام والهتاف، واحيانا حدث هذا فى اماكن خالية بطبعها، هل كان المصريون يدركون ان ملكهم الكبير يرحل غصبا عنه ؟ام انه كان قد اصبح واحدا منهم وشاهدا عليهم؟ ام انهم تخوفوا من تغيير الأحوال بعد رحيله؟ لا يقدم الفيلم اجابة شافية عن هذا، ولكنه يجري حوارا مع المهندس الذي قام مع فريقه بهذه العملية، والذي نفى ان يكون ازدحام الميدان سببها، اوانشاء مترو الانفاق، او تضاعف اعداد البشر ليتركنا الفيلم بمعلومات كانت جديدة وقتها، وهي إنشاء محطات مترو مبارك والسادات وجمال عبد الناصر، ليتم ترحيل رمسيس وسط مرثية بصوت. جبلي ساحر، ودموع كثيرين وكثيرات من الشعب وفِي نفس الوقت تستغل شركة البان تابعة للقطاع العام الرحيل فى اعلان لهاعلي الشاشة الصغيرة ليتحول الامر فى لقطات نهاية الفيلم لكوميديا سوداء. فقد توقفت شركة الألبان،اما رمسيس فلم نعرف اين ذهب حتي الان.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق