من مشاهدين إلى متفرجين

192

وعاد الحال الي ما هو عليه فى السنوات الماضية ولكن بصورة أكثر عنفا وضراوة عادت الاعلانات تأخذ مساحات متزايدة، وتتوغل، وتبدأ من اي وقت تفضله، اي اننا نفاجأ يوميا بإعلانات جديدة تنضم الي ما نراه فعلا منذ اليوم الاول من رمضان الحالي لتتزايد المساحات الإعلانية بين كل مشهد، او مشهدين، ويصبح علينا ان ننتظر وننتظر وننتظر حتي يفرغ صبرنا أو ننصرف عن المسلسل الذي نراه، ونغير القناة بحثا عن اي عمل آخر قد يفلح فى هذه اللحظة فى جذب انتباهنا اليه، الي ان يأتي «التتار» اقصد المعلنون ويقطعونه، إنها اللعبة التي يلعبها المعلنون فى مصر وحدهم مع جمهورهم اي المواطنين الذين يشترون سلعهم ومن الغريب بل المذهل، ان المعلن فى اي مكان فى العالم يدرك أهمية المشتري ويسعي الي علاقة ودية معه، الا فى مصر حيث قرر المعلن ان يقلق المشتري ولا يجعله مستريح ابدأ فى شهر كريم وبعد صيام طويل، ورغبة فى التمتع بعمل فني جيد من بين عشرات الاعمال المعروضة على الشاشات المنزلية الصغيرة فى شهر تحول ايضا الي شبه احتفالية بفن الدراما التليفزيونية منذ ان كبرت ونضجت، واصبح لها آباء ومؤسسين، واسماء لها سحرها، لازال بعضها موجودا بيننا أمثال الكتاب يسري الجندي ومحمد جلال عبد القوي ووفية خيري وعاطف بشاي وابو العلا السلاموني، والمخرجين محمد فاضل، وأنعام محمد على واحمد خضر وغيرهم من زمن ابداع هؤلاء وغيرهم احب الناس الدراما التليفزيونية وتعلقوا بها، واصبح لها وجود قوي فى حياتهم ينافس السينما، وحين صعدت الازمة المالية وتأثيرها على تمويل المسلسلات كان السماح بالإعلانات هو الحل وكان مكان الاعلان هو ما قبل الحلقة، وما بعدها ثم زادت المساحة الإعلانية بثوان فى المنتصف الان اصبحت حلقات المسلسل مجرد غطاء للإعلانات او- كڤر- للمعلن، يستعمله كما يريد بدلا من الحفاظ عليه وعلي هويته الفنية.
اليوم كما نري يتوقف اي موقف درامي قد يغير مسار المسلسل لندخل الي أغنية تموت عشقا فى حب مدينة سكنية جديدة، خاصة أغنية على فيلم يقدم كل ما يحلم به المشاهد الباحث عن غرفة للسكن، او غرفتين، ولكنه لا يملك ترف الحلم بالسكن فيها،لكنه مضطر لرؤية الاعلان «الاغنية» او الهرب منه الي اعلان آخر فى قناة اخري ليري مجموعة من النجوم السوبر معزومة على الإفطار بدعوة من عمرو دياب، وايضا يبدو هنا جهد واضح فى تقديم فيلم قصير عنه، ومن دياب وشبكة المحمول التي يعبر عنها، الي شبكة اخري اختارت تامر حسني ونانسي عجرم، وثالثة اختارت محمد رمضان امام ممثل أمريكي شهير بعضلاته، وبعد يومين دخلت الشبكة الرابعة السباق بممثلين ليست لهما اعمال معروضةهما كريم عبد العزيز وماجد كدواني لتحتل شبكات المحمول النسبة الأبرز من مساحات المشاهدة مدعمة فقط بنجوم من فصيلة السوبر ستار، وهو ما دفع المتفرجين الي التساؤل والدهشة، فإذا كانت هذه الشركات تحب المواطن لهذه الدرجة فلماذا لا تحسن الخدمة المقدمة اليه وترحمه من زياداتها بدلا من توزيع الملايين على نجوم اعلاناتها اما الجزء الثاني من الاعلانات فهو يخص اعلانات التبرع التي نكتشف كمتفرجين انها تطول كل المستشفيات العامة الان تقريبا القديمة والجديدة والتي فى دور الإنشاء وايضا مؤسسات رعاية المحتاجين، العامة والتي لا نعرف موقفها، وهل حدث اي تغير بناء على ما وجه لبعضها من انتقادات فى السنوات الماضية وهناك اعلانات اخري تخص البنوك والمؤسسات العامة والخاصة وكلها تعني مبالغ مالية قد تفوق الوصف، خاصة اذا كنّا نري الاعلان نفسه مرتين «او اكثر بفعل انتاج صور مختلفة منه» مرة فى بداية الفقرة الاعلانية المباركة بعد مشهد او مشهدين من المسلسل، ومرة فى نهاية الفقرة، لتصبح التسمية الصحيحة للفترة الزمنية هنا هي، مسلسلان فى ربطة واحدة، يعرضان بالتوالي مشهدا او مشهدين، وباقة إعلانية ولا عزاء لمن يريد الدراما ولا أهمية لمن يرفض الباقة، ولا قيمة لمن لا يحب الاعلانات،«لاننا المسيطرون» بفلوسنا قادرون وهكذا تحولنا من مواطنين، ومشاهدين محترمين الي متفرجين، والفرجة للجميع لو تعلمون.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق