قضية للمناقشة: «محسنة».. فن الالتزام

149

تمامًا كما انشغلت الفنانة الراحلة “محسنة توفيق” بتطوير فنها بقيت دائماً مهمومة بمشروع تغيير العالم، وهو الاهتمام الذي عاونها على بلورة رؤيتها للفن والمجتمع، فالفن من وجهة نظرها هو الأداة الجمالية الرفيعة لبث العافية الأخلاقية والإنسانية فى مجتمع لا يهدأ فيه الصراع الإجتماعي طالما أن الاستغلال قائم، والمستغِلون “بكسر الغين”، متنفذون، وتتبدد مواهب الشعب أمام طغيان هؤلاء المتنفذين الذين يهيمنون على الثروة والسلطة.
إختارت “محسنة” فى سنواتها الأخيرة أن تبتعد عن المشهد، لا لأن فرصها الشخصية فى العمل ضاقت، ولكن لأن السعار الإستهلاكي الذي أنتجته سياسة ما سمى بالانفتاح أصبح سائداً، وأنقذت الموجه الاولى من الثورة فى 25 يناير، والتي شاركت فيها بحماس رغم اعتلال صحتها، فأصبحت أيقونة ملهمة لآلاف الشابات والشبان الذين ازدحم بهم ميدان التحرير، أنقذها هذا كله لا من اليأس فهي لم تكن يائسة، وإنما من الحزن العميق الذي كان قد حط على قلوب آلاف المثقفين والمناضلين الشرفاء الذين كانوا شهوداً على التدهور الهائل فى أوضاع البلاد، ورغم البشارات التي أرسلتها إحتجاجات المصريين المتواصلة فى شكل إضرابات وإعتصامات ومسيرات وعرائض ضد عنف الدولة البوليسية وهيمنتها، وضد سلوك الفئة الحاكمة التي رأت فى البلاد تركة لها يورثها الأب للابن، ورغم كل هذا النهوض البطيئ للقوى الإجتماعية المنتهكة الحقوق والكرامة بات الأمر أكثر تعقيداً من أن يتم التغيير بسرعة ولكنه حدث.. أي التغيير.
وهكذا شاركت “محسنة” من موقع فهمها الواسع والعميق لالتزام الفنان ودوره، وأيضا من موقع حلمها الأثير بتغيير العالم القبيح، الذي يظل قبحه عامل هدم لرسالة الفن الجميل، وقدرته على الارتقاء بالإنسان.
يتفق كثير من المفكرين، والنقاد على أن المسرح هو الأب الشرعي للفنون كافة، وتقدم لنا مسيرة هذه الفنانة الفذة إضاءة عبقرية لهذه الحقيقة الذي لا يجسدها سوى عدد محدود من الفنانين والفنانات حتى على المستوى العالمي.. وحين شاركت “ محسنة “ فى مسلسلات تليفزيونية مكتوبة بعناية وولع مثل تلك التي قدمها الراحل أسامة أنور عكاشة أضافت إلى الآداء التمثيلي عبر التليفزيون بعداً وعمقاً كانا نادرين عبر هذه الأداة.
وإستطاعت “ محسنة “ شأنها شأن أسامة أنور عكاشة، و” محفوظ عبد الرحمن “ و” إسماعيل عبد الحافظ “ و” يحيي العلمي “ وآخرين قلائل أن تضيف هذا البعد الجديد، وتجذب مشاهدين من زاوية الفكر والنقد والتأمل متجاوزة التسلية العابرة، وشأن كل الفنانات والفنانين الكبار استخلصت المعاني والقيم الأعمق حتى فى النصوص البسيطة، ليشكل تواجدها عبر التليفزيون إضافة حقيقية لتراث هذه الأداة الجبارة، واكتشافاً لإمكاناتها اللا محدودة، وقدرتها فى ظل فنانين وفنانات مثل “محسنة” وزملائها على الانتقال بالمشاهدين من اللامعنى إلى المعنى عبر الوعي أو التقاط المغزى الأبعد للصورة، وتجاوز الترجمة المعجمية البسيطة للكلمات، وهو ناتج الثقافة التي اجتهدت الفنانة لتحصيلها حين اختارت أن لا تكون موهبتها الفطرية هي وحدها جواز مرورها إلى قلوب الملايين، ولذلك بقيت حتى أدوارها الصغيرة العبقرية سواء على خشبة المسرح أو على شاشات السينما والتليفزيون، أو عبر صوتها المميز الذي لا شبيه له فى الإذاعة، بقيت دائماً حية.
وحين تراجع المسرح الحقيقي الذي كان دائماً الساحة المختارة لإظهار مواهبها ورؤاها، إنزوت هي بعيداً عن عالم “ المنوعات “ الذي سيطر على الحياة المسرحية، وبرز التليفزيون بديلا له طبقا لإستراتيجية الإغراق فى ثقافة اللامعنى كأداة “ لتخدير “ شعب يتألم من وطأة سياسات الليبرالية الجديدة، والانقسام الطبقي الوحشي، والاستهلاك السفيه، والتعتيم على القضايا الرئيسية للصراع.
كانت “ محسنة توفيق “ فى مواجهة هذا الواقع البائس مثل زرقاء اليمامة، التي نظرت إلى ما وراء الغيوم، وما خلف الغابة، واستشرفت بوادر هذا التراجع حتى حين إزدهر المسرح المصري فى ستينيات القرن الماضي وكانت هي إحدى أيقوناته النادرة، وقالت فى حوار “ للأهالي “ أجرته معها “ أمينة النقاش “ فى مطلع ثمانينات القرن الماضي، إن إزدهار مسرح الستينيات رغم حقيقته التي لايجادل فيها أحد.. كان أعرج.
كانت هي الفنانة الحساسة المثقفة والملتزمة ترى بوادر الإنهيار التي أغمض آخرون عيونهم عنها حتى وجدوا أنفسهم فيما بعد وجها لوجه مع الحقيقة المؤلمة لا لحالة المسرح وحدها، وإنما لكل الأوضاع العامة، وسبق أن قال المفكر والمخرج الفرنسي “ جان فيلار “ إن مجتمعاً صحياً متماسكاً ينتج مسرحا حقيقيا، وهكذا رأى أصحاب مشروع التغيير إلى الأفضل فى كل المجالات، رأوا أن هناك علاقة جدلية بين كل الظواهر فى أي مجتمع، وأن الكل هو الذي يحدد الأجزاء فى نهاية المطاف.
وهكذا فإن التفاهة التي دفعت الحياة الثقافية ظلت دائماً وثيقة الصلة بالاختبارات السياسية والإقتصادية والقبح المعنوي العام الذي أنتجته، والذي بقى دائماً سبباً للأحزان العميقة فى نفوس المثقفات والمثقفين الذين لم يغمضوا أعينهم أبداً عن آلام كل الذين أنهكهم الاستغلال، وجميعهم عرفوا كما عرفت “محسنة” طيلة حياتها أن الفن الحقيقي ينتج الجمال الذي هو فى حد ذاته أداة للمقاومة، فهل كانت مصادفة فقط تلك التي جعلت شباب التحرير يصدحون بأغنيات الشيخ إمام.
يامحسنة.. لن نقول لك وداعاً فأنت باقية فى وجدان الملايين، ما بقى هناك الشغف بالفن الجميل.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق