شكشكة: د. نور الشريف.. امرأة من ذهب

217

بعد تخرجى فى قسم اللغة الانجليزية بكلية الآداب جامعة الاسكندرية، دعتنى لمكتبها الدكتورة نور الشريف رئيسة القسم. كانت سيدة قوية ما أن تمر فى “كوريدور” القسم حى تنضبط الأمور فورا، فيتوقف الهزل والهزار ويصلب الطالبات والطلبة أعوادهم وقاماتهم، ويخفت الصوت، ونتوجه جميعا بأبصارنا الى الدكتورة مرددين فى صوت خافت : جود مورننج دكتور نور. كنا نعرف أنها لا ترحب بأى لغة أخرى، غير الانجليزية، سواء داخل المدرجات المخصصة لقسم اللغة الانجليزية أو الممرات المؤدية اليها، أما عدا ذلك فنحن أحرار. كانت أوامرها الصارمة بالالتزام باللغة التى نتعلمها و التدريب المستمر على التعبير عن آرائنا بهذه اللغة لكى نعتاد عليها بعد تخرجنا، و تفيدنا فى التعيين فى أعمال تحتاجها. وقد احترمنا رغبتها لما فيها من نفع لنا، و أذكر أننى بعد التخرج بسنوات قليلة تقدمت للعمل فى دولة الكويت كمدرسة للغة الإنجليزية،و خلال الامتحان سألنى الممتحن بدهشة : كيف أجدتى التحدث بتلك الطلاقة، فأجبته لأنى تخرجت فى قسم اللغة الانجليزية بالجامعة، قال الممتحن : رأينا خريجين كثيرين يتلعثمون عند التحدث و يرتكبون أخطاء لغوية عديدة، قلت مفتخرة : لا يمكن أن يكونوا من تلاميذ د. نور شريف. و قد تكرر هذاالموقف أكثر من مرة و كانت صورة د. نور ترتسم فى مخيلتى بجديتها و صرامتها التى كانت تثير الرعب فى نفوسنا، و لكنه كان رعبا ممزوجا بالاحترام العميق. وأعود الى ذاكرتى البعيدة يوم استدعتنى د. نور الى مكتبها بعد ظهور نتيجة “ ليسانس “ اللغة الانجليزية، و كان ترتيبى الأولى على الدفعة. وقفت أمامها أرتعد مثل عصفور بلله المطر، فأشارت لى أن أجلس، جلست و فى ذهنى دوامة من التساؤلات، لم يخطر ببالى أبدا أن تسألنى : هل ترغبين فى الالتحاق بالقسم كمعيدة ؟ و بحماقتى و اندفاعى المعتاد أجبتها : لا. نظرت لى متعجبة و أردفت : مجموع درجاتك و ترتيبك يؤهلانك للتدريس فى القسم، فلماذا ترفضين ؟ قلت بعفوية : التدريس مهنة محترمة، تستحق أن يكرس الشخص كل حياته فى الدرس و الاطلاع و متابعة كل ما يجد فى مجاله، و أنا… ترددت قليلا فحثتنى بهزة رأس على التوضيح، قلت : أنا لن أستطيع أن أمنح حياتى ووقتى و جهدى للغة أجنبية، فلا بد أن أدرس لغتى الأصلية و استزيد منها حتى..
قاطعتنى مبتسمة، و تمنت لى التوفيق و انتهى الاجتماع فورا. بعد سنوات كنت أسمع من بعض من يعرفوننا أنها كانت تتابع أخبارى و تعلن افتخارها لأنى واحدة من تلميذاتها. و عندما تحدثت فى برنامج عن تأثرى بشخصيتها و اعجابى الشديد بها وافتخارى بأنها كانت أول رئيس مصرى لقسم اللغة الانجليزية بعد صف طويل من الأساتذة الانجليز، و أنها أدارت القسم بكفاءة مدهشة و نجاح مبهر و تخرج منه العديد من الذين أثروا الحياة الثقافية فى مصر، اتصل بى أحد أقاربها و قال إنها شاهدتنى و تشكرنى بشدة على ما قلته و تتمنى لى التوفيق.
رحم الله دكتورة نور الشريف التى غادرت دنيانا الفانية الأسبوع الماضى.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق