قضية للمناقشة: «مديحة».. فن المحبة

200

فلتكن هذه آخر الأحزان.. هكذا نقول لبعضنا البعض ونحن نقدم العزاء، ولكن الأحزان لا تنتهي، ولايبدو أبداً أنه سيكون لها آخر.. وتقال لنا هذه سنة الحياة.
“ مديحة أبو زيد “ الصديقة والباحثة الاجتماعية والقاصة هي آخر أحزاني فى هذه الأيام السوداء. ولطالما اعتبرت “ مديحة “ الطيبة المحبة ضحية سهلة لتشوهات بعض المثقفين هذه التشوهات التى سبق أن عبرت عنها الكاتبة “ أروى صالح” فى كتاب شهير هو “ المبتسرون “ والذي قالت فيه، بسبب المرارة التي تراكمت لديها لتعميم ما لحق بها من أذى، وهي التي دفع بها الاكتئاب العميق إلى إنهاء حياتها منتحرة، وكأنها الخاتمة الطبيعية للمرأة الوحيدة.
عاشت “ مديحة أبو زيد “ معظم حياتها وحيدة، تلك الوحدة التي جعلت منها مطمعاً لهؤلاء المشوهين فى مجتمع لايزال رغم كل التقدم الذي تحقق، فضلا عما حققته النساء ينظر إلى المرأة الوحيدة بشك “ ما دام لا يظللها رجل “ وهنا نتفهم مغزى المثل الشائع ضل راجل، ولا ضل حيط، وهو مثل طالما لجأت إليه نساء للذود عن أنفسهم فى مواجهة طمع البعض بسبب وحدتهن، وقمن باختيارات خاطئة.. لايزال وضع غالبية النساء فى مجتمعنا وضعا شائكاً ملتبسا ومحفوفاً بالظنون، وممهوراً بتوقيع ما نسميه بتقاليدنا وقيمنا الراسخة، التي يظن البعض أنها لاتتغير أبداً ورغم أن كل شئ يتغير، فقد أثبتت لنا التجربة أن وضع النساء ومجموعة القيم والأفكار والمسلمات التي تحيط به أي الوضع هي الأبطأ على الإطلاق حين يطولها التغيير ويؤكد لنا هذا البطء مدى قوى وتجذر أسس المجتمع الذكوري الطبقي.. وإذ بينت لنا التجربة أيضا أن هذه الذكورية هي وجه واحد من وجوه الطبقية التي عرفتها الإنسانية منذ سقوط المجتمع الأمومي المساواتي البسيط.. ورغم كل النضالات والجهود البشرية، فكرية وعملية لمقاومة هذه الطبقية بعنفها وشراستها عبر العصور فإنها لاتزال سائدة، بل وقوية فى كل البلدان تقريباً.. ومؤخراً جداً، وبعد تجارب متفرقة هنا وهناك، وفى محاولات جسورة وشريفة للقضاء على التمييز ضد النساء بمعزل عن النضال الشامل ضد المجتمع الطبقي، تبينت الحركة النسوية إلا قليلاً أنه لن يصح الا الصحيح.. أدركت العزيزة” مديحة “ هذه الحقيقة البسيطة بالفطرة، وذلك حين مارست العمل كباحثة إجتماعية، ونظرت بعمق ونزاهة إلى الأساس الطبقي للعلاقات الاجتماعية، وعرفت جيداً الفروق بين الأسباب والأعراض، وكتبت كتاباً ممتعاً وصادقاً وكاشفاً فى آن.
وواصلت الراحلة حياتها تستكشف بحصافة معادن البشر والمثقفين بخاصة، ووجدت فى اليسار ملاذا آمناً فأغدقت محبتها علينا، وهي تدرك بعد أن تكشف لها الطابع التجاري للعلاقات الطبقية أننا نحن اليساريين لا نقايض شيئاً بشئ وأن محبتنا لها، وما وجدت فيه حماية هي شئ طبيعي فى صلب القيم التي ترشدنا فى الحياة وفى العلاقات الإنسانية. واكتشفت ذلك كله عبر تجارب عديدة، وبعد أن تأكدت من صحة وصدق هذا الاكتشاف أغدقت علينا حبا لايباري، والذي بقى شأنه شأن الجمال فى الفن والحياة منزها عن الغرض، أي أنه قائم بذاته وهدف ذاته.
كتبت مجموعة من القصص القصيرة، ورواية أو روايتين وتمنت على أن أكتب عنها كقاصة بعد أن كتبت عن عملها كباحثة إجتماعية، وأتمنى الآن أن ألبي طلبها عرفانا بعد رحيلها، لكنني أفضل الآن أن اكتب عن هذا الجانب الإنساني الذي اكتشفته على مهل وعبر تجارب متنوعة صغيرها وكبيرها فلعل هؤلاء الذين طمعوا فيها كإمرأة وحيدة، دون أن يتعرفوا على معدنها الحقيقي، أن يعيدوا النظر فى نظرتهم الظالمة لها، وإن كانت هذه الإعادة إن حدثت ستكون متأخرة، ولن تمحو المرارة التي كانت قد ترسبت فى أعماقها بأُثر رجعي، وسوف تبقى المقارنة بينها وبين “ أروى صالح “ قائمة بل وماثلة كلما تذكرناهما، ودفعت ذكراهما إلينا بكل أوجاع النساء الوحيدات، فضلا عن بعض ندم هؤلاء المثقفين، أو الإحساس بالذنب لأنهم تسببوا فى كل هذا الأذى والإيذاء.
ولعلها تكون مناسبة الآن، ونحن نودع كل يوم صديقة أو صديق، أن يقف هؤلاء المثقفون وقفة نزيهة وصريحة مع مواقفهم إزاء النساء، وليتأكدوا إنهم حين يحررون هذه المواقف من التحيزات الشائعة والنظرة الدونية للمرأة، إنما سوف يحررون أنفسهم أيضاً مما علق بها من أدران ماض عقيم، ورؤية طبقية قاصرة، وظلم تاريخي أنتجه الصراع وبقى بعض منه عالقاً بضمائر البشر، ولن يطهرها منه إلا العمل المشترك والنزيه بين نساء ورجال يتملكون جميعاً رؤية جديدة، إنسانية ونافذة وعميقة، تتأسس على مبادئ المساواة الحقة والعدالة الشاملة لا فى الإنشاء فقط وإنما فى أساس العلاقات الاجتماعية سياسياً واقتصادياً وثقافياً.
وهذه هي الرؤية الجنينية التي كانت قد جذبت “ مديحة أبو زيد “ إلى صفوف اليسار دون أن تلزم نفسها بشئ سوى إغداق المحبة وتلقيها دون مقابل ولعلها مناسبة وإن حزينة لقوى اليسار لكي تشرح بصورة أوضح وأكمل أساس هذه الرؤية باعتبارها مشروعها الحقيقي لتغيير العالم، وتبين بصورة عملية القول بأنه من الخطأ البين اختزال مشروعها أي مشروع اليسار فى جوانبه السياسية الاقتصادية وحدها.
هكذا قادنا موت “ مديحة أبو زيد “ لطرح مسألة كنا نعتبرها من المسلمات، وإذ بها ليست كذلك.. فليكن موتك حقا ياصديقتي هو آخر الأحزان دون أن يكون آخر النقاشات العميقة للقضايا الكبرى فى العلاقات الإنسانية كافة من كل الجوانب لا السياسية وحدها.
ووداعاً “ يامديحة “ الحبيبة، وأعذريني فقد سئمت من تكرار الكلمات، ولكن صدقيني إنك لن تغيبي عن ذاكرتي أو وعيي طالما حييت.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق