ضد التيار: بدلاً من التجنى

219

اثارت التعليقات التى يطلقها بعض ثوار الجزائر والسودان، ضد التجربة المصرية إندهاشى مع كثيرين غيرى، ليس فقط بسبب عدوانيتها غير المبررة، التى تصدم مشاعر المصريين، بل أيضا لافتقادها للدقة والإنصاف معًا.آخر تجليات ذلك، تلك المقارنة التى ساقها أستاذ جامعى ومحلل سياسى جزائرى، بين الجيشين المصرى والجزائرى، على قناة فرانس 24، ليذهب إلى القول إن الجيش الجزائرى ملك للشعب، بينما الجيش المصرى وريث الحكم العثمانى والاحتلال البريطانى. أما المناسبة فكانت رده على أسئلة مُقدمة النشرة الإخبارية، عن مدى خشية الحراك الشعبى الجزائرى مما تقول إنه تغول المؤسسة العسكرية بقيادة قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح فى الحياة السياسية، كما جرى فى التجربة المصرية، تعليقا على رفض الحراك تمسك الأخير بالمسار الدستورى ودعوته للذهاب إلى انتخابات رئاسية، للخروج من الأزمة الراهنة، وقطع الطريق على من يسعون إلى إطالة أمدها.
أما فى الخرطوم، فقد رفع بعض المتظاهرين لافتات تقول: إما مصر وإما النصر!
وطالب أحدهم بانسحاب السودان من الجامعة العربية، لأن العرب كما قال باتوا عبئا عليه، تعليقا على الدعم المالى السعودى والإمارتى لخزائن الخرطوم الخاوية!
وفى الحالتين الجزائرية والسودانية، يدفع بعض المتظاهرين والمعتصمين، إلى التوجه نحو الصدام مع المؤسسة العسكرية، لرفض الدور الذى تلعبه لقيادة الفترة الانتقالية، للوصول بالحراك الشعبى فى البلدين إلى تحقيق أهدافه. بل يغالى البعض فى المطالبة بإقصائها من المشهد، لكى تتولى القوى المدنية منفردة تسيير أمور البلاد. وليس بعيدًا عن تلك التوجهات الفوضوية، التيارات الدينية الخارجة فى كلا البلدين من عباءة جماعة الإخوان.
وبصرف النظر عن الجهل بالتركيب الاجتماعى للجيش المصرى، الذى يتكون من أبناء العمال والفلاحين والطبقة الوسطى المصرية، وعدم الإلمام بدوره التاريخى فى بناء الدولة المصرية الحديثة، وبدوره الوطنى فى ثورتى عرابى وعبد الناصر، فإن الدور الذى لعبه الجيش ممثلا فى المجلس العسكرى فى ثورتى 25 يناير و30 يونيو فى مصر، كان محوريا فى إخراجها من حالة عدم الاستقرار والفوضى والحرب الأهلية التى كان يدفع إليها تيار الإسلام السياسى وفى القلب منه جماعة الإخوان وحلفاؤها، إلى حالة الاستقرار والتعافى، التى تمكنها الآن من التصدى بكفاءة وجسارة لإرهاب ظلامى، لاعقل ولا ضمير ولادين له.
على الحراك الشعبى فى البلدين الحبيبين،أن يدرس التجربة المصرية وأن يستفيد منها، بدلا من اختلاق معارك لن يربح من ورائها، إلا خصوم الأهداف التى يسعون لتحقيقها. ففى بدايات ثورة يناير دفعت جماعة الإخوان، إئتلافات شباب الثورة، لقطع الحوار مع المجلس العسكرى، بقيادة المشير طنطاوى -أمد الله فى عمره- وإثارة الشكوك فى نواياه، برغم دوره الحاسم فى نجاح الثورة فى تنحى الرئيس مبارك، وسقوط مشروع التوريث. وفى هذا الإطار ساقوا عدة مزاعم بينها، التباطؤ فى محاكمة رموزالنظام السابق، والخلاف حول إقرار الدستور أولا أم أجراء الانتخابات العامة أولا، ورفض المبادئ الحاكمة للدستور، والاعتراض على المحاكمات العسكرية للمدنيين، والتسويف فى تنفيذ مطالب الثورة، وكادت تلك القطيعة أن تقود إلى صدام بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى يدير البلاد فى الفترة الانتقالية وبين شباب الثورة، لولا حكمة المشير طنطاوى وصبره.لكن كل تلك الضغوط على المجلس العسكرى، كانت السبب المباشر فى هيمنة تيار الإسلام السياسى وجماعة الإخوان على اول برلمان ينتخب بعد 25 يناير، وهو ما مهد الطريق واسعًا لصعود مرشح جماعة الإخوان لسدة الحكم.
ذلك هو الدرس الذى أتمنى على الأصدقاء فى الجزائر والخرطوم أن يستوعبوه من التاريخ المصرى القريب، بدلا من حملات التجنى التى تُضيع الوقت، وتوجه سلاح غضبها فى الاتجاه الخاطئ، لتنتعش قوى الفوضى المتنمرة بالحراكين لالتهام ثمارهما!

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق