قضية للمناقشة: عن اللغة.. الهوية.. والانقسام

112

كثيرون مثلي استمتعوا طيلة شهر رمضان بالاستماع المكثف لكبار المقرئين مثل الشيخ محمد رفعت ، والشيخ “ عبد الباسط عبد الصمد “ ، وقلائل آخرين ، وذلك فضلا عن أدعية الشيخ “ سيد النقشبندي “ بصوته الفريد وإخلاصه الرائع لما يقوم به والذي جعل الكثيرين يحرصون على الاستماع إليه والاستمتاع بأدعيته.
وطالما قلت لنفسي ولصديقاتي وأصدقائي ليت الشابات والشبان الجدد خاصة من الطالبات والطلبة أن يكونوا قد استمعوا إلى هذه الفنون التي تميز بها المقرئون المصريون حتى يتعرفوا على حقيقة اللغة العربية ، لغتنا الجميلة كما يصفها الشاعر والإذاعي الراحل “ فاروق شوشة” ، ولو أنها تفقد جمالها بالتدريج بسبب ما يحدث لها.
أقول ذلك ، وأنا أشعر بأسى عميق لأنني أستمع وأشهد كل يوم علامات تدهور هذه اللغة ، وعلى ما يبدو فإن إتقان العربية لم يعد شرطا لقبول الإذاعيين سواء للعمل فى الإذاعة أو التليفزيون ، فضلا عن الصحفيات والصحفيين من الشباب الجدد الذين تخرجوا غالبا فى كليات الإعلام فأكاد أقول أنهم جميعاً لا يعرفون هذه اللغة التي لم يدرسوا تاريخها وتراثها المجيد بإستثناء الذين تخصصوا فى علوم اللغة.
فاجأني بعض المقربين بأنهم يكتبون العربية على “ الفيس بوك “ و” تويتر” بحروف لاتينية ، وحين طلبت مني صديقة أن أتوسط لابنها الذي يتطلع للاشتغال بالصحافة ، طلب منه زميلي وصديقي المسئول فى مؤسسة صحفية كبرى أن يكتب رسالة يطلب فيها أن يكون متدرباً فى هذه المؤسسة عجز الشاب تماما عن كتابة الرسالة حتى بعد أن أخذ صديقي يملي عليه كلماتها ، واعتذر الشاب لأن كل دراسته كانت باللغة الإنجليزية ووعدت أمه بأن تبحث له عن مدرس لغة عربية ليساعده حتى يحقق أحلامه وأعتذرت لي.
وتشير كل هذه التفاصيل بقوة إلى تدهور التعليم ، وإلى الانقسام الطبقي والثقافى الذي أدى إليه انتشار مدارس وجامعات أجنبية بلا حصر لا يستطيع الالتحاق بها إلا أبناء الميسورين ، وتجردهم مثل هذه المؤسسات التعليمية من الانتماء للحضارة والثقافة التي يعيشون فى ظلها بل بالعكس تنظر بعضهم لها بتعال وبينما تتشدق الدعاية الوطنية الفارغة المحتوى بالحديث عن الهوية وضرورة الحفاظ عليها يتم على قدم وساق تخريب هذه الهوية عبر اللغة التي هي سند الهوية الأول ومضمونها.
ويلقى الانقسام الاجتماعي بأبناء الفقراء إلى المدارس الحكومية البائسة حيث لا يتعلمون إلا أقل القليل ، وتتعرض اللغة القومية لمزيد من التدهور، ولا ينجو من بؤس المدرسة الحكومية إلا الذين تدفع أسرهم الآلاف للمدرسين الخصوصيين ، وأتمنى أن تنجح خطة وزير التعليم للقضاء على الدروس الخصوصية ، لكن هذا وحده لن يحل معضلة التعليم الأشمل أو يقضي على انقسامه ، لأن الانقسام هو ناتج خيارات سياسية اقتصادية.
وقد أنشأ المصريون عبر التاريخ مجموعة محترمة وربما أيضا فائقة الجودة من المؤسسات التعليمية ، ولكن تعمل كل منها حتى الآن بمعزل تام عن الأخرى ، ويكافح مجمع اللغة العربية على سبيل المثال من أجل الحفاظ على اللغة وتطويرها حتى تواكب العصر ، ولكن أحداً لا يستفيد من جهوده فى هذا الميدان ، لأننا نفتقر تماما إلى رؤية شاملة تربط الجزئيات ببعضها البعض فتعظم قدرات المؤسسات والأفراد. كما أن ضعف ثقافة العمل الجماعي يفاقم هذا التشتت والعمل المنفرد والعمل الجماعي الذي لا تحبذه بل ولا تحبه أجهزة الأمن يشكل ملاذا من الظروف الصعبة التي يعيشها مجتمعنا إذ يتفاقم الاستغلال ، ويتزايد الفقر.
ويعتبر “ باختين “ فيلسوف اللغة وعلم الجمال أن اللغة الأدبية واللغة غير الأدبية هي بنية حوارية ، وبالتالي اجتماعية ، أي أن كل ما يصيب اللغة فى حالتنا هو ناتج طبيعي لوضع اجتماعي بائس قائم على الاستبعاد والتمييز وإهدار الحقوق.
وحتى يكون بوسعنا أن نتفاءل ولو قليلا علينا أن ننظر إلى مقاومة فقراء المصريين لصعوبة الأوضاع وكثافة الاستغلال ، وهم يطيحون بكل الصور والأفكار النمطية التي أسست لها وصاغتها قوى الرأسمالية التابعة والمعادية للشعب ، وفى نظر هذه الصور المصريون كسالى لا يريدون أن يعملوا ، كما أنهم لا يحبون القراءة وتروج القوى المسيطرة هذه الصور حتى تغطي على النقص الفادح فى الخدمات ، وعلى عدم الالتزام بنصوص الدستور الذي أكد على ضرورة تخصيص موازنات تتزايد عاما بعد الآخر لتصل إلى المعدل العالمي خاصة فى ميادين التعليم والصحة والبحث العلمي ، كذلك يحتج الناس بطرق عديدة على ترتيب أولويات التنمية لصالح الأغنياء ، وعلى إعادة إنتاج الانقسام الاجتماعي الفادح.
وليس صحيحاً على سبيل المثال والوضع كذلك أن المصريين لايحبون القراءة ، والصحيح أن ارتفاع الأسعار المتواصل والنقص الفادح فى المكتبات العامة هو الذي أدى إلى ما يسمى بالعزوف عن القراءة ، ولنتذكر فى هذا الصدد التوزيع الهائل لكتب مكتبة الأسرة ذات الأسعار الزهيدة ، ونتذكر أيضاً الإقبال الكبير على المكتبات الصغيرة المتواضعة ، فى أحياء شعبية وفقيرة لا تبيع الكتب وإنما تعيرها ، وهي مكتبات قام الأمن بإغلاقها فى سياق العمليات الانتقامية من مؤسسات المجتمع المدني.
فما العمل إذن حتى تستعيد اللغة العربية مكانتها وتحافظ على قدرتها على احتضان الهوية الوطنية.. لن تنفعنا الأساليب والأشكال الخطابية البالية والفارغة فى هذا السياق الجدي للغاية ، وطبعا نحن نعرف جميعا كيف انتشر مصطلح التفكير خارج الصندوق ، والدعوة المتكررة للابتكار ، وكل هذا جميل ، ولكن الاجمل منه أن تتنادى وتتكاتف كل المؤسسات التعليمية والتثقيفية لبناء رؤية شاملة تقود للخروج من هذا المأزق بدءًا بإعادة النظر فى التعليم الأجنبي الذي ما زال ينتشر ويؤدي إلى إهدار اللغة الوطنية وتمزيق الهوية.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق