لقطات: جَزاءُ سِنِمَّار

1٬825

بصريح العبارة، السؤال فى العنوان معناه: هل كان جزاء حزب التجمع وجريدته الأهالى الغراء هو جزاء سنمار؟ و هذا السؤال نطرحه على محمل الجد، بل الجد الشديد، إن كان للجد درجات فى زمن العجائب الذى تعيشه فى المحروسة هذه الأيام. و قد لا يتذكر بعض القراء المثل القائل “جزاء سنمار”، كناية عن مجازاة الخير بالشر. إذ يروى أن النعمان ملك الحيرة إستدعى مهندسا بارعا اسمه سِنِمار و كلفه ببناء قصر لا مثيل له ليباهى به. و بعد انتهاء سنمار من البناء خشى النعمان أن يبنى سنمار قصرا أعظم منه لغيره، فأمر بإلقاء سنمار من أعلى القصر ليلقى حتفه. فصارت مثلا: جزاء سنمار. فما علاقة حزب التجمع و جريدة الأهالى بهذا المثل؟
معروف أن حزب التجمع كان من أشد القوى الداعمة والمشاركة فى الموجة الثانية للثورة فى 30 يونيو 2013، إنطلاقا من إيمانه بالدولة المدنية و معارضته لنظام الإخوان و سائر قوى الإسلام السياسى. و كان الحزب من أشد مؤيدى السيسى فى انتخابات 2014. و رغم بروز تيار قوى داخل الحزب يعترض على السياسات الإقتصادية والاجتماعية لحكم السيسى، فإن قيادة الحزب قررت تأييد ترشح السيسى فى انتخابات 2018 لولاية ثانية. كما إتخذت قرارا بتأييد التعديلات الدستورية الأخيرة مع بعض التحفظات. ورغم كل ذلك تعرضت جريدة الأهالى لضغط من يسمى “الرقيب” ثلاث مرات خلال الأسابيع الأخيرة، و بلغ هذا الضغط ذروته بمنع طبع عدد 29 مايو من الجريدة! إنه جزاء سنمار بإقتدار!
كان كل ما فعلته جريدة الأهالى أنها قامت بدورها كصحيفة تحترم حق القارئ فى الحصول على المعلومات الموثقة و تضطلع بمسئوليتها السياسية والمهنية بنشر الأخبار الدقيقة و لفت الأنظار إلى خطر الفساد و إلى خطر الدولة الدينية. من هذا المنطلق، أشارت الجريدة فى موضوعات عدد 15 مايو المقدم للطبع فى مطبعة الأهرام إلى تعديل وزارى مرتقب. و طلب من يسمى “الرقيب” حذف هذا الخبر(!) و قد أبدت رئاسة تحرير الأهالى مرونة كافية و تم طبع العدد بعد حذف الخبر. و فى عدد 22 مايو كان هناك موضوع عن فساد إقتصادى متورطة فيه وزيرة سابقة و زوجة مسئول مصرفى كبير. و ضغط “الرقيب”، و إستجابت الأهالى للمرة الثانية بسحب الموضوع مقابل السماح بنشر العدد. و فى عدد 29 مايو طلب “الرقيب” من مسئولي الأهالى أن “يكملوا جميلهم” و يسحبوا موضوعا يتعلق بالعفو عن سجناء محكوم عليهم فى قضية “مذبحة كرداسة” فى أغسطس 2013. رفضت الأهالى سحب الموضوع، و إقترحت طباعة العدد مع ترك مساحة الموضوع بيضاء، فمنع الرقيب طباعة العدد بكامله.
إنها قصة محزنة حقا لنظام حكم لا يميز “العدو من الصديق”، و لا يدرك أنه بتصرفه هذا و دون أن يقصد فإنه يحمى الفاسدين و يشجع الإرهابيين. و لكن ما جرى يطرح العديد من الأسئلة. أولا: ماذا فعلت قيادة حزب التجمع بخلاف إصدار بيان و إجراء عدة إتصالات غير مجدية؟ ألم يكن الوضع يستدعى موقفا أكثر صلابة؟ ثانيها: ماذا كان موقف نقابة الصحفيين فى هذه الواقعة الخطيرة؟ و هل حركت أي ساكن؟ ثالثها: ما الرسالة التي توجهها الدولة للرأي العام فى الداخل قبل الخارج؟ أخشى ما أخشاه أن تكون المحصلة النهائية سلبية على الجميع: سلبية على الحكم، و سلبية على الإعلام، و سلبية على الأحزاب و الحياة السياسية، و سلبية على الإستثمار والاقتصاد.
حكمة اليوم:
هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق