ضد التيار: الممر..نداء للهمم.. وأنشودة للنصر

288

من سوء حظى، لم أعرف «شريف عرفة « شخصيا، لكننى أعرف جيدا أنه واحد من أهم المخرجين المعاصرين، وأن توقيعه على أحد الأفلام، برهان على الجودة، وعنوان على الإبداع الساحر، الذى ينطوى على هدف ورسالة، ويملأ الشاشة بقيم فنية وجمالية راقية فى شتى فنون السينما تجلت فى نحو ثلاثين فيلما ومسلسلا دراميا من إخراجه وإنتاجه، يشكل معظمها، علامات فارقة فى تاريخ السينما المصرية والعربية.
ولا أعرف كيف علم بما كان يدورفى بيت أبى، حين وجدتنى بقوة، فى بعض مشاهد فيلمه الجديد «الممر» أهتف لصديقاتى المحبوبات اللاتى اصطحبتهن لمشاهدته: هذا ما كان يحدث فى بيتنا بالضبط، حين زجرنا أبى ونحن نتبادل مع أصدقائنا بشقاوة غبية غير مسئولة، النكات على ما جرى فى الهزيمة، ونبهنا بنقاش ودود، كما كانت هى عادته دائما، من مخاطر تكرارها، على معنويات جارنا المسيحى الذى كان قد جاء للتو من عزاء ابنه الذى استشهد فى الحرب. بعدها ناشد الزعيم جمال عبدالناصر الشعب المصرى فى خطاب علنى، الكف عن السخرية وإطلاق النكات التى درج على أن يخفف بها من ألمه، لأنها تضعف معنويات الجيش والشعب فى مرحلة حرجة.
فتحت أحداث الفيلم نوافذ الذاكرة لصديقاتى، وكسرت الجدار الوهمى بين ما يجرى على الشاشة، وما حدث ويحدث فى حياتنا، فشرعت كل واحدة منهن تحكى حكايتها عن أحوالنا فى الفترة التى أعقبت الهزيمة، وقادت لحرب الاستنزاف ثم لنصر أكتوبر العظيم. ولنكتشف عبر الحكى ومع الفيلم، كم كانت تلك فترة ثرية من أعمارنا، لاتبرح أحداثها أبدا تلافيف الذاكرة، وباتت محفورة كالوشم فى الجوانح والقلوب والوجدان، وتشكل بكل تفاصيلها البسيطة دروسا ملهمة للتعلم من البطولات العادية للمصريين أثناء الملمات والمصائب، وخوض المعارك المصيرية.
كان شريف عرفة فى السابعة من عمره حين حدثت هزيمة يونيو عام 1967.لم يكن صغيرا تماما لكى يدرك ما كان يجرى داخل أسرته تلك الأثناء، وبين الجيران و فى الشارع وفى مقاعد الدرس، ولهذا ولغيره، لن يكون مدهشا أن يجد كل من يشاهد ملحمة «الممر» نفسه فى الفيلم، الذى يسجل بعذوبة لم يفقدها صوت البنادق وإشتداد المعارك الحربية ومشاهد الغدر والقتل، رقتها وشاعريتها وجماليات عناصرها الفنية، عن بطولة الإنسان العادى الجسورة، وعن عزيمة من فولاذ، وعقل ذكى، مسلح بالعلم والخبرة، والشجاعة وإرادة التحدى، لجنود وضباط جيش بلادى، وعن وطنية قبائل سيناء، التى تمسكت بالبقاء فى الأرض، بعد احتلالها، فحمتها من الضياع. وبرغم تجرع آلام الغياب الرسمى عن الاعتناء بهموم سيناء والقبائل، فلم تتوقف عن تقديم خدمات لوجيستية ومعلوماتية ومعنوية للجيش، قادت لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعد وقوع الهزيمة، وجعلت حرب الاستنزاف مؤلمة للجيش الإسرائيلى، كبدته خسائر فادحة باعتراف قادته، ومهدت الطريق لهدم خط بارليف وعبور الجيش المصرى لنصر أكتوبر.
يروى فيلم الممر الذى ألفه وأخرجه «شريف عرفة « وكتب حواره وكلمات أغانيه الشاعر أمير طعيمة، وانتجه بسخاء هشام عبدالخالق، قصة كتيبة الصاعقة بقيادة الضابط الشجاع والمبادر وصاحب اللياقة البدنية المدهشة نور»أحمد عز» التى تم تكليفها فى أعقاب النكسة، بتدمير أكبر معسكر احتياط للجيش الإسرائيلى فى سيناء. وبالتداخل الناعم الشفاف الذى يمزج بين السخرية وخفة الظل والقلق والألم، وبين العام والخاص، نبدأ فى التعرف على أفراد الكتيبة: زوجة نور المحبة «هند صبرى» ترفض عرض الانفصال الذى يقدمه زوجها، خوفا عليها وعلى طفلهما من مصير مجهول ينتظره فى المهمة الجديدة، وهلال «محمد فراج» الجندى السوهاجى والقناص الماهر، الذى قرر ألا خيار لديه سوى النصر أو الشهادة. وفرحة «أسماء أبو اليزيد» التى تقدمت لتحل مكان شقيقها بورقيبة «محمد جمعة» البدوى السيناوى، الذى عمل دليلا للجنود حتى اعتقله الإسرائيليون وخطيبة هلال الحسناء الجسورة، وزوجته فيما بعد. وإحسان «أحمد رزق» الصحفى الهلاس الإثارى خفيف الظل الذى تغير رفقته للكتيبة نظرته لنفسه ولمهنته وترتقى بهما. وأحمد «محمد الشرنوبى» المطرب المبدع والممثل الواعد، مسئول اللاسلكى الذى ألزمته الضرورة بالتعامل الذكى مع عطب الجهاز، وهو يعود إلى خطيبته التى تركها يأسا من العودة سالما.الضابط الإسرائيلى ديفيد «أياد نصار» الذى يقدم جديدا فى كل دور يؤديه، وكان مشهد المواجهة بينه وبين الضابط المصرى نور من أقوى مشاهد الفليم من حيث الأداء واللغة وقوة التعبير.
كتيبة من كبار الممثلين حملت رسالة الفيلم المقدسة خلال نحو ساعتين ونصف نجح التناغم الخلاق بين كل مكونات الفيلم فى ضبط ايقاعه بحساسية مرهفة، ووفر الفيلم لأفرادها أدوارا مفعمة بالحياة، فكان من الطبيعى أن تضفى على أحداثه مشاعر من الحميمية والألفة والفخر ضمت كلا من إنعام سالوسة وشريف منير وحجاج عبدالعظيم وأحمد فلوكس وأحمد صلاح حسنى و أمير صلاح الدين ومحمود حافظ ومحمد جمعة وكريم العمير وألحان المهدى.
لم يكن لمثل هذه الرسالة التى تأتى فى وقتها تماما أن تصل، وتعلمنا نحن وأبنائنا أن نبحث فى لحظات الخيبة عن الأمل فى أعماق نفوسنا وفى عملناالجماعى، وألا يكون الجموح، بل العقل والمنطق والاجتهاد والعلم هى مناط ثقتنا، لولا موسيقى شجية مفعمة بشحنات فاتنة من مشاعر متباينة للموسيقار عمر خيرت. ولولا مدير التصوير أيمن أبو المكارم، الذى أظهر صحراء سيناء الساحرة، وكأنها لوحات فنية خلابة، تكاملت بشكل جميل مع التناسق فى ديكور باسل حسام ومصممة الملابس ملك ذو الفقار.
حين تعبر الفرقة العسكرية المحاصرة، نتنفس الصعداء، وينفذ إلى صدورنا هواء نقى، ونغنى مع الشرنوبى: لسه جاى من وسط العتمة ضى، يفرد جناح النور ويوهبلك حياة، تفتح عيونك ع الأمل وتشوف مداه، وساعتها بس حتعرف إنك لسه حى، ولسه عندك حلم وحتفضل وراه.
تلك هي الرسالة المقدسة لفيلم الممر: عندنا حلم وحنفضل وراه.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق