ينبغى على الإعلام العربى تغيير طريقة عمله على الملف الليبى

59

تدور الحرب بين الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، والجماعات المتطرفة فى طرابلس منذ أبريل الماضي. وتمكن الجيش من الالتفاف على هذه الجماعات المدججة بالأسلحة والتي تحظى بدعم من المجلس الرئاسي الليبي وتركيا وقطر وأجهزة مخابرات أخرى. لكن الجيش تمكن من السيطرة على المفاصل الرئيسية التي يعتمد عليها الإرهابيون على أبواب العاصمة الليبية.
من النادر أن تلتقي بصحفى عربي فى ليبيا. معظم من يعملون على نقل الأخبار والتحقيقات والتقارير عن الوضع فى ليبيا يفعلون ذلك وهم بعيدون تماما عن الساحة. توجد فى ليبيا أسلاك شائكة وألغام تتطلب صحفيين محترفين يدخلون إلى الميدان دون أن يتورطوا فى تشويه الواقع أو إيذاء أنفسهم أو إيذاء الآخرين فى المجال السياسي والعسكري والأمني. كثير من المقالات الصحفية العربية عن ليبيا تم الاعتماد عليها مما تنشره الصحف الغربية التي لديها مصالح خاصة تتعلق بالدول والجهات الأجنبية التي تشرف على إصدارها.
يقوم بعض الشبان من الصحفيين العرب من الجيل الجديد باجتهادات فى محاولة للوصول إلى الحقيقة. لكن هذا يعتمد على قدرة هؤلاء الشبان على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، مثل فرز وتحليل ما يكتب على مواقع التواصل الاجتماعي أو متابعة تحركات بعض الطائرات أو السفن من مواقع الرصد المتاحة على الانترنت. إلا أن هذه الطريقة تتسم عادة بارتكاب أخطاء شنيعة. مهما كانت لديك القدرة على التعامل مع المعلومات عبر الانترنت إلا أن النزول على الأرض يظل هو الفيصل فى العمل الحقيقي.
حتى الاتصالات الهاتفية بالمصادر داخل ليبيا لا يعطي فهما صحيحا لطبيعة الأوضاع فى الداخل. الاتصالات الهاتفية متاحة للصحفيين من أجل تحديد مواعيد أو تصويب أمر من الأمور الطارئة لكن لا ينبغي أن يتحول مجمل العمل الصحفى إلى الاعتماد على المكالمات الهاتفية. إن غالبية ما يسمى بالتحقيقات والتقارير عما يدور فى ليبيا أصبح مصدره مكالمة هاتفية أو اثنتان. وبالتالي تظهر الصور فى نهاية المطاف مشوشة وغير واضحة وتفتقر إلى المصداقية.
فما معنى أن تركيا أرسلت أسلحة إلى ميليشيات ليبيا. تحتاج هنا إلى إجابات واضحة. لا بد أن تقول كيف تم إرسالها، ومن دفع الأموال، ومن تسلمها، وحصة كل ميليشيا منها، ومدى قدرة هذه الأسلحة على عرقلة تقدم الجيش فى طرابلس، وغيرها من تفاصيل تحتاج إلى بحث وتمحيص وتدقيق. مثلا الطائرة التركية التي قصفت الجيش الوطني فى بلدة غريان جنوب طرابلس، كانت مستأجرة من قبل المجلس الرئاسي، وهي من نوع بيرقدار بي تي 2، وهي من النوع الجديد فى تركيا، وتم تأجيرها للمجلس الرئاسي بطيارين أتراك لاختبارها هناك، على نفقة الخزينة الليبية (المصرف المركزي) التي تسيطر عليها حكومة الوفاق وعناصر من جماعة الإخوان.
وفى الأسبوع الثاني استأجر المجلس الرئاسي ثلاث طائرات أخرى من النوع نفسه. ولم يعارض الأوربيون هذا الأمر. وكان هذا محل استغراب. لكن فى الحقيقة أن الأوربيين يبحثون عن مصالحهم فى نهاية المطاف. فتركيا عضو فى حلف الناتو معهم، وتجربة الطائرة الجديدة لمعرفة مدى دقتها فى التدمير والقتل، أمر يهم حلف الناتو. هذا على سبيل المثال من الوقائع المهمة لمعرفة كيف تسير الأمور. لكن لا مواقع التواصل الاجتماعي ولا الصحف الأجنبية ولا غيرها، معني بالموضوع. ببساطة لو كان حلف الناتو خائفا على الليبيين لما قام بألوف الغارات لتدمير ليبيا فى 2011.
ولا يمكن للعمل الصحفى الحقيقي أن يدخل فى سباق مع الشائعات الواسعة التي يحترف التنظيم الدولي لجماعة الإخوان إطلاقها ونشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية الهشة. فجماعة الإخوان وعناصرها وخلاياها النائمة المنتشرة فى كل مكان من دول الشرق الأوسط إلى أوربا وأمريكا، لديها قدرة كبيرة على نشر الأكاذيب وتشويه الحقائق. والرد على مثل هذا النهج الفوضوي لا ينبغي أبدا أن يكون بالمثل. أي بالرد بموضوعات هشة وتفتقر إلى الروح وإلى نقل الواقع.
فى الشهور الأخيرة زادت وتيرة الموضوعات التي تنشر عن ليبيا من جانب وسائل الإعلام المحسوبة على النظم والدول التي توصف بالمعتدلة أو التي تعرف بأنها تقف ضد جماعة الإخوان، لكن للأسف الشديد معظم وسائل الإعلام هذه تورطت فى إتباع أساليب مشابهة لأساليب جماعة الإخوان فى نشر الفوضى وفى كيل الشتائم والاتهامات للخصوم دون أن تبذل مزيدا من الجهد لكشف ما يجري من ممارسات. إن هدف الإعلام دائما هو الناس.. نشر الحقائق لكي يقرر الشعب فيما بعد ما يجب عليه عمله، إلا أن التورط فى الصراخ الفارغ وبث الفزع، لا يقنع الجمهور ولا يقنع أصحاب القرار من برلمانات ومراكز لاتخاذ القرار فى الدول الكبرى.
بطبيعة الحال الأمر لا يتعلق بليبيا فقط، ولكن بكثير من أماكن الصراع فى العالم العربي. لكن ليبيا تظل فى بؤرة الأحداث وتبقى هي المثال الذي يمكن القياس عليه. فمعظم وسائل الإعلام العربية تعتمد على ثلاث طرق فى كتابة الموضوعات الصحفية.. الأول هو مواقع التواصل الاجتماعي، والثاني الصحف والموقع الإخبارية الأجنبية، والثالث الاتصالات الهاتفية بشخصيات من داخل ليبيا.
وبينما المعروف هو أن الصحف تنشر ما يجري فى الواقع، أصبحت معظم وسائل الإعلام تنشر ما يريده المالك، والمالك فى هذه الحالة يريد أن يرضي الأجهزة العليا التي توافق على استمرار وجوده، وبالتالي تلجأ هذه المنظومة ككل إلى الاعتماد على كيل الشتائم والاتهامات للطرف الآخر، دون الحاجة إلى خلق تيار من الوعي بما يجري ولماذا يجري بهذه الطريقة أو تلك.
يعني ما السبب الذي يجعل تركيا ترسل الأسلحة والمقاتلين إلى ليبيا؟ وما الذي يجعل قطر تساعد على استمرار الفوضى فى هذا البلد أو ذاك؟ وما نقاط القوة لدى التنظيم الدولي لجماعة الإخوان، وما علاقة هذا التنظيم بباقي التنظيمات الأخرى، ولماذا تعتمد تركيا وقطر على تنظيم الإخوان والتنظيمات المتطرفة فى العمل فى منطقة الشرق الأوسط. والإجابة عن هذه الأسئلة لن يأتي أبدا من مواقع التواصل الاجتماعي ولا من وسائل الإعلام الأجنبية ولا من الاعتماد على الاتصالات الهاتفية لأخذ تعليق من هذا المصدر أو ذاك.
لكي تدرك أن الجيش الوطني الليبي مصمم على محاربة الإرهاب فى ليبيا عليك أن تدخل إلى ميادين القتال لكي ترى العزيمة العسكرية التي تتفوق على الألاعيب التركية والقطرية بل على ألاعيب بعض الدول التي تحاول أن تدعم هذا الطرف على حساب ذلك الطرف. الجندي الليبي الذي يحارب الإرهاب يفعل ذلك بإمكانيات قليلة لكن بتصميم لا يلين. ولفت إليه أنظار العالم حين تمكن من تحرير بنغازي من الإرهاب وطرد فلول الدواعش وأنصار تنظم القاعدة من درنة. ولهذا من السخرية أن ترى فى بعض وسائل الإعلام العربية تقارير تصور الحرب فى ليبيا باعتبار أنها بين جيشين أو حرب بين جيش فى الشرق مع جيش فى الغرب أو أن هؤلاء الجنود هم جنود المشير خليفة حفتر. إن مثل هذه الصورة الهزلية تعكس فقرا كبيرا بل وخداعا لحقيقة ما يجري.
قناة الجزيرة مثلا تصور الحرب على الإرهاب فى ليبيا بأنها حرب أهلية وهذا يتنافى مع الواقع. فالجيش الوطني الليبي هو القوات المسلحة العربية الليبية، وينتمي إليه ضباط وضباط صف وجنود من المناطق الليبية كافة. هناك قادة وجنود من قبيلة ورفلة من وسط ليبيا ومن قبيلة الفرجان من جنوب طرابلس ومن قبيلة الزنتان فى غرب العاصمة. أما القوى التي يحاربها هذا الجيش فهي لا تزيد على كونها ميليشيات من مشارب مختلفة. ميليشيات إرهابية وأخرى جهوية، وثالثة تتكون من لصوص وقطاع طرق. وهؤلاء هم من تعتمد عليهم حكومة الوفاق المدعومة دوليا.
إن الدعم الدولي لهذه الحكومة لا يعني أبدا أنها تسير على الطريق الصحيح. فقد قامت هذه الحكومة لمنح معسكر فى جنوب طرابلس لمجموعات إرهابية، لكي تشارك فى التصدي لمحاولة الجيش الوطني الدخول إلى العاصمة، ومع ذلك تصر العديد من وسائل الإعلام على وصف هذه الجماعات الإرهابية بأنها «جيش حكومة الوفاق»، وأن الحرب فى ليبيا هي بين جيشين، على غير الحقيقة.

عبد الستار حتيتة

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق