«إخناتون بين الأدب والتاريخ».. الثائر الأول فى الثقافة المصرية المعاصرة

130

“لم ابن أعمدة للكرنك كأجدادي
لم أحشر جيوشا كأجدادي، لم أقتن
العبيد كأجدادي، ولكنني تركت لكم أثراً أخلد وأنبض بالروعة من الأهرام والكرنك”
تلك كانت مشيئة اخناتون، ذلك الملك الفرعون الفريد بين اقرانه من ملوك مصر الفراعنة. فهل يأتينا د. خالد عاشور بكتابه ليدخل فى صفوف من أذهلهم اخناتون منذ اربعة عشر قرنا وحتي اليوم؟! أغلب ظني أن كاتبنا لم يقترب من اخناتون إلا وهو عاقد العزم على أن يأتينا باضافة غير مسبوقة، ولقد تحقق له ما أراد ، بل ومن أيسر سبيل.
يقع الكتاب فى بابين الأول لاخناتون فى التاريخ وله السدس والثاني لاخناتون فى الادب وله بقية الثلاثمائة صفحة، يقسمها الكاتب الي اربعة فصول ثم يتبعها بملحق يحوي نصوصا عن إخناتون (اناشيد إخناتون – هنري برسنيد – احمد بدوي- عباس العقاد- عادل كامل المحامي- نجيب محفوظ – محمد المنسي قنديل- على احمد باكثير- احمد سويلم – مهدي بندق- الفريد فرج- اجاثا كريستي- اوليدارن فيللبوتس).
يلفت د. خالد عاشور انتباهنا فى السطور التي قدم بها لكتابه : “ أن موطن التوكيد هنا فى هذا الكتاب هو الادب وليس التاريخ، فمهمتنا مهمة ادبية نقدية بالاساس وليست تأريخية، فتلك مهمة المؤرخين الذين قاموا بها خير قيام، فما أكثر ما كتب عن إخناتون، وتاريخه وسيرته”. ومع ذلك فهو يعتمد فى الخمسين صفحة التي خصصها للفصل الاول على ما يزيد على العشرة مراجع لمؤرخين مصريين وأجانب، منهم من يرفع اخناتون لمصاف الانبياء، ومنهم من يكيل له الاتهامات، لكن المهم أن كاتبنا يعرض ويمحص ولا ينحاز ابدا لأي من الجانبين ذلك ان الانصاف هو مقصده ومبتغاه” فليس ثمة حقيقة متفقا عليها فى التاريخ الفرعوني. بل إن مؤرخين يطلقون عليه علم الـ “ربما” فكل شيء فيه قابل للشك والمراجعة، والمحو والاثبات فى ضوء ما يستجد من ابحاث وكشوفات”.
ثمة مساحة كبيرة من الاتفاق بين المؤرخين على أن ثورة اخناتون الرائعة، وكشفه الحقيقي، لم يكن متعلقا بالجانب العقائدي، بقدر ما كان متعلقا دون ذلك بالجانب الفني، والحق ان ذلك ملمح لم يكن ايضا وليد حقبة اخناتون وانما يمتد الي ما قبله، مثله فى ذلك مثل الثورة الدينية التي اثمرت على يد اخناتون، بينما كانت بذرتها مغروسة من قبله” وأجمل من هذا كله ، يقول احمد بدوي أن نسمع فرعون يقسم بحبه لزوجه وصغيراتها، وانه لقسم حلو صادق لا تشوبه شائبة من كذب او ريبة، ولكنه قسم لم تسمع به دنيا الفراعنة ولا دنيا الملوك فيما اظن قبل ايام اخناتون، ولو قد بعث اسلافه فى زمانه ليشهدوا ما يفعل، وليسمعوا ما يقول، اذا لأنكروا منه كل ذلك، ولنفروا منه”.
يسري على الباب الثاني ما تأكد فى الباب الأول من الكتاب، ذلك ان كفاءة د. خالد عاشور الناقد تجعله يقيم النصوص ويحللها من داخلها ومن واقع سياقاتها، وهو ابدا لا يفرض احكاما مسبقة، بل هو قادر على أن يعرض لها ويرد عليها وهو ما اضاف لكتابه ثراء على ثراء.
تجليات أدبية
إخناتون فى الأدب هو عنوان الباب الثاني
ويتناول فى الفصل الاول، اخناتون بين الحقيقة التاريخية والحقيقة الفنية” فعندما يتقاطع التاريخ والادب، اي عندما يلجأ الاديب الي التاريخ يستقي منه مادته الفنية، يصبح الامر مدعاة للتأمل، كيف يمتزج الذاتي بالموضوعي، وكيف يختلط العلم بالفن المتخيل… وفضلا عن ذلك فإن الكاتب لا يغير فى الشخصيات والمواقف فقط. وإنما يغير من دلالتها المألوفة عند الناس، فيعيد قراءتها لهم، وتفسيرها و تأويلها، وينتزعها من اطارها التاريخي البعيد، ليعيد تقديمها اليهم فى صورة اخري وواقع جديد.
وبهذا الادراك ننتقل الي الفصل الثاني الذي يفرده الكاتب للرواية، وينتقي لنا منها ثلاثة، اما الاولي فقد كتبها عادل كامل المحامي عام الف وتسعمائة وواحد واربعين، وهي التي يؤرخ بها لبداية الالتفاف لضرورة أن تكون لنا شخصية فى ادابنا، ويستشهد كاتبنا بكلمات احمد ضيف” إن كل ما نرجوه ان تكون لنا اداب مصرية عربية، مصرية فى موضوعاتها ومعلوماتها، عربية فى لغتها، وبلاغتها واساليبها” ويعتبرها فى هذا السياق عنوانا على كل ما صدر وقتئذ من الادباء والكتاب والنقاد بشأن الاتجاه الجديد للحياة الادبية التي اقدمت عليها مصر. ولا يخفى علينا اعتزاز كاتبنا بابداعات المصريين فى هذه المرحلة، كما لا تخفى علينا تلك السعادة التي لابد انها غمرته وهو يعرض علينا ما جمع من كنوز، والحق أنها سعادة معدية تسري لمن يطالع السطور ويقلب الصفحات حتي وان كان له سابق معرفة بها، ذلك لأن د. خالد عاشور يعرض كل عمل من منظر يخصه، يدل عليه العنوان الذي يعطيه لكل عمل ويقدمه على العنوان الذي وضعه المؤلف. فالعنوان الذي يختاره لرواية عادل كامل “ملك من شعاع” هو الشعاع المنكسر، ويشرح وجهة نظره “غير أن صياغة العنوان من الممكن ايضا فى ضوء تاريخ اخناتون أن يدل على معني اخر بعيد فضلا عن المعني القريب وهو ملك من شعاع رع، وأقصد بذلك المعني البعيد هو أن اخناتون: ملك من شعاع ، فيه ما فى شعاع الشمس من ضعف ولين، وقابلية للانكسار فى اي لحظة ، رغم ضيائه ونوره ودفئه، يشرح لنا لماذا اختار “عادل كامل” لرواية اكثر من عقدة وكيف برع فى ادارة كل صراع وفى حسن استخدامه لصيغة الحوار ليبرز شخصية اخناتون من جوانب شتي.
اخناتون: كفى يا حور محب. واستمعوا الي ايها السادة. ان شفتي لن تنطقا ما حييت باعلان حرب على شعب ما، ولن اسمح لنفسي مادمت فرعون مصر بأن اهدر دما بشريا لقد فكرت فيما كنا نتحدث فيه بالامس ياسمنكرع.
سمنكرع: أي موضوع تعني يا صاحب الجلالة؟
اخناتون: عن الروح بعد الموت، ففى اعتقادي انه لن يكون هناك حساب للميت كالذي تقول الاديان القديمة انه يتم على ايدي “اوزوريس” فليس الله كالبشر يؤاخذ الناس على هفواتهم، بل إن “آتون” يغفر كل شيء”. (ص 178 و 179 – ملك من شعاع)
***
تعدد الأصوات
وحين نصل للرواية الثانية وهي “العائش فى الحقيقة”
نجد كاتبنا يوردها على النحو التالي، وجوه اخناتون فى رواية “العائش فى الحقيقة”: نجيب محفوظ، ويعرفنا أن محفوظ يعود فيها الي تقنية “السرد متعدد الاصوات”، وهي تقنية كان قد جربها فى اعمال سابقة: “ميرامار” 1966 وافراح القبة 1981 والكرنك 1974، ولكنه حين عاد يستخدمها فى “العائش فى الحقيقة” 1985، استخدمها باسلوب مختلف، فالتقنية تعتمد على اكثر من راو، تروي الاحداث من وجهة نظرهم على نحو مباشر، وبعيونهم نري سير الاحداث كما تراها هي، ونحكم على المواقف ونقيم الشخصيات من خلالها. والاهم انه قبل أن يعرض علينا كيف استخدم محفوظ هذه التقنية يضعها فى سياق فكر محفوظ كما ورد فى كلام قاله للاستاذ رجاء النقاش، يقول نجيب محفوظ”:.. وقع فى يدي كتاب باللغة الفرنسية عن اخناتون يتضمن اراء غريبة ومتناقضة لم اسمع بها من قبل، أثار هذا الكتاب ما احمله فى وجداني من تقدير لهذه الشخصية، فجاءت رواية “العائش فى الحقيقة” لا تتضمن رؤية درامية بقدر ما هي عرض لوجهات النظر المختلفة فى هذه الشخصية التاريخية المثيرة، خاصة انني اضفت للرواية شخصيات من صنع خيالي ليس لها اصل تاريخي، واخناتون كما تصورته هو شخصية سابقة لعصرها، مثيرة للتعاطف معها، مضحية فى سبيل فكرتها وما تؤمن به من مبادئ، فهو رجل يدعو الي السلام والتوحيد فى عصر كان يرفض هذه الافكار. ومن الثابت تاريخيا أن الكهنة هم الذين تآمروا عليه ليقضوا على افكاره التي كانت تمثل ضررا شديدا على مصالحهم ونفوذهم. ومن خلال قراءاتي للتاريخ الفرعوني لفت نظري ملاحظة مهمة، وهي ان سيطرة الكهنة على الحكم كانت تشتد وتظهر اكثر وضوحا فى فترات الضعف التي تمر بها البلاد، وكان حكمهم مرتبطا دائما بالتدهور وانتشار الفساد”.(77)
***
صائد اللؤلؤ
وهل يتعب صائد اللؤلؤ من تكرار الغوص؟! لا اظنه يتعب، ولا اظن اي تعب او ملل تسرب الي نفس كاتبنا على مر ساعات او ايام او شهور، كرر فيها الغوص ليخرج الينا بلآلئ تضيء تاريخ النقد الادبي وتجلي صورة اخناتون وهو يستدعيها من صفحات الرواية والشعر، ونجده قبل الانتقال الي الشعر يعرج على رائعة محمد المنسي قنديل “يوم غائم فى البر الغربي” كنموذج من (الرواية الجديدة) يعرضها بما تستحقه كرواية متفردة فى بنائها وشخصوها، وكذلك فى تناولها لاخناتون بالمخالفة لما يقول به التاريخ ويتجه السياق الادبي الذي ابتكره المؤلف.
***
يطبق د. خالد عاشور على المسرح شعرا ونثرا ما الزم نفسه فى منهج تحليل ونقد الروايات الثلاثة التي ساقها فى كتابه، ويقدم لنا من المسرح الشعري ثلاثة ومن مسرح النثر ثلاثة، اخناتون لاجاثا كريستي واخناتون ، ادوليدادن فيللبوتس وسقوط فرعون، لالفريد فرج تلك التي يعطيها عنوان، علمانية اخناتون ففيها من الاهداف الاجتماعية والانشغال بتحرير الانسان من العبودية وتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية ما يربطها بمسرحية مهدي بندق “آخر ايام اخناتون”
ايظل الفارق بين الامراء و الفقراء
نفس الفارق حتي فى ظل التوحيد؟!
فماذا يعني التوحيد اذن؟!
بعض حروف تتجمع او تتبخر؟!
شعرا وصلاة وطقوسا لا اكثر؟!
ولذلك اعطها كاتبنا عنوان الفهم الخاطئ للدين ويعرفنا كيف يخطو فيها مهدي بندق 1988 خطوة اخري على صعيد التجريب بعد مسرحية احمد سويلم التي يعطيها عاشور عنوان الانسحاب المنتصر ويشرح ابداع سويلم فى تطوير دور الراوي واسقاط الحائط الرابع وفى اجمل الشعر الذي يضعه على لسان اخناتون:
يارب الارباب
يا من تسطع فى الافاق جميلا
يا اول ما عاش.. وما كان
يا اجمل ا يا أقوي.. يا اغلي
يامن تسبح فى الافاق بعيدا
ان ضياءك يا محبوبي يمنحنا طول العمر
يا من تتعالي.. تغمر كل الارض بهاء
تخبو بالحب على مخلوقاتك
يارب الارباب
يا اتون
والحق ان كاتبنا رتب المسرحيات الشعرية الثلاثة بادئ بمسرحية على احمد باكثير “اخناتون ونفرتيتي” منوها بمكانتها فى حركة الشعر الحر وبأنها اول عمل ادبي عن شخصية اخناتون اذ كتبت 1938 ولقد صدرها باكثير الآية الكريمة: ( ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك (سورة النساء، الآية 164) فقد رأي باكثير أن مسرحيته عن اخناتون، انما هي سيرة رسول من الذين اشير اليهم فى الآية السابقة ممن لم نقصصهم عليك”.
لا ينفع أن أصل إلى نهاية هذا المقال دون أن أنوه بأنني لست أول المحتفين بهذا الكتاب فقد سبقنى إلى ذلك أ. د. عبد الحليم نور الدين الذي صدر الكتاب بتقديم بقلمه كتب فيه بين ما كتب من عبارات الإشادة ،… فلكم كانت مفاجئة طيبة أن أرى بين يدي كأستاذ لعلم المصريات وصاحب موسوعة صغيرة من ثلاثة أجزاء عن الديانة المصرية القديمة ، أن أرى هذا العمل المتفرد للدكتور الأديب خالد عاشور.
وأنني لانضم إليه أيضا فى تقديره للغة الكتاب التي جمعت إلى الرصانة سلاسة فى الربط بين الأفكار تحفز القارئ على الاستزادة.
خلاصة القول أن كتاب “ إخناتون بين الأدب والتاريخ “ يندرج ضمن تحقيق مشيئة إخناتون التي أشرت إليها فى صدر هذا المقال ، لم أبن أعمدة للكرنك كأجدادي ، لم أحشد جيوشا كأجدادي ، لم أقتن العبيد كأجدادي ، ولكنني تركت لكم أثراً أخلد وأنبض بالروعة من الأهرام والكرنك.

مرفت رجب

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق