إلى وزيرة الثقافة.. لينين الرملى لا يحتاج الآن إلى تكريم معنوى.. بل يحتاج إلى علاج على نفقة الدولة

84

رغم أن الدكتورة إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة وافقت على استحداث مسابقة وجائزة دائمة فى التأليف المسرحي تحمل اسم الكاتب الكبير لينين الرملي يمنحها المهرجان القومي للمسرح اعتبارًا من الدورة القادمة فى أغسطس المقبل بهدف خلق جيل جديد من المبدعين الشباب فى الكتابة والتأليف المسرحي، يأتي ذلك انطلاقا من اهتمام الدولة بتكريم وتخليد مبدعيها و تقديرًا لاسهامات الرملي فى مجال الكتابة المسرحية ومشواره الفني والأدبي الحافل الذي امتد لما يقرب من نصف قرن تناول خلالها قضايا المجتمع بأعمال فنية وأدبية أثرت فى الحركة المسرحية بمصر.
إلا أن الأهم الآن ليس التكريم للكاتب المسرحي الكبير ولكن ضرورة العلاج على نفقة الدولة وبشكل سريع لأنه يمر الآن بحالة صحية حرجة تتطلب التدخل السريع.

كنت أتجول فى ضجر بين العروض التي وضعت على هامش مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، فإذا بي أعثر فى مركز الفنون على عرض كتبه وأخرجه لينين الرملي، كان آخر شيء يمكن أن يخطر على بالي أن أجد فنانا فى مثل شهرته، ومكانته وتميزه يعمل فى مثل ذلك الفضاء المسرحي العشوائي، الذي لا يلجأ إليه سوى المضطرين من الهواة، لكنه كان هناك بالفعل، يخرج مسرحية جديدة كتبها، بمجموعة من الممثلين الهواة الذين دربهم بنفسه، ويفعل ذلك بتواضع وابتهاج رغم أنه لن يتقاضى أجراً ككاتب أو كمخرج، بل وينفق من جيبه الخاص على العرض، وبينما يرحب بي الرجل بطريقته الهادئة المتواضعة، متعذراً عن بدائية ظروف العرض من حيث نوعية الإضاءة والملابس، شعرت فجأة بموجة من المرارة والغضب تجتاحني حيال الطريقة التي يعامل بها هذا البلد أكثر فنانيه موهبة وقدرة على العمل الجاد، وجدتني فى تلك اللحظة أتذكر سجل أعماله الناجحة الطويل، سواء فى مسرح الدولة أو فى القطاع الخاص، والسيناريوهات الجريئة التي كتبها للعديد من الأفلام السينمائية والأعمال الدرامية التليفزيونية، والعشرات من المقالات الساخرة الممتعة التي نشرها، وقلت فى نفسي ساخرة، لو أنه كان قد سعى إلى منصب حكومي مرموق، أو وظيفة دائمة كصحفى كبير فى جريدة أو مجلة ذات شأن، أو التحق بالسلك الجامعي كأستاذ، كما فعل معظم المفكرين والكتاب والفنانين من أبناء جيله وقد كان لديه كل ما يؤهله لذلك.. لو أنه فقط تنازل قليلا عن مبادئه، وروض روحه الحرة الجامحة بعض الشيء، أو سمح لنفسه بقبول بعض الحلول الوسط فيما يتعلق باستقلاله وكرامته الفنية.. لو أنه فعل شيئا من هذا لما رأيناه اليوم، بعد رحلة حافلة بالإبداع استمرت 35 عاماً، يعمل فى ظروف يأباها حتى المبتدئون من الكتاب والمخرجين، بل ويفرون منها فراراً.
لكن الرملي حالة استثنائية متفردة، فرغم أنه رجل مسرح محترف حتى النخاع، و”معلم” بحق فى صنعته، فقد احتفظ بعشقه الجارف للمسرح مثل الهواة، إن صنع عمل درامي بالنسبة له، أيا كان الوسيط الذي سيوصله إلى الناس، ليس مجرد توظيف لموهبة منحها الله له، أو وسيلة لكسب العيش، أو نوعا من الاستثمار فى مجال عمله، أو سبيلا للوصول إلى الشهرة والسلطة والثروة، لكنه فى المقام الأول وقبل كل شيء يمثل حافزاً وجودياً وضرورة حياتية لا يمكنه العيش بدونها، وقد كان محظوظاً أن اكتشف ذلك فى مرحلة مبكرة من حياته، حين كان طالباً فى معهد الفنون المسرحية، فحين انتهى من دراسته عام 1970، كان قد تيفن من أنه لا يريد أن يمارس أي عمل آخر فى الحياة سوى كتابة الدراما، وتقديم العروض المسرحية، لقد أدرك أن الدراما هي العالم الوحيد الذي يمكنه أن يحيا فيه وأن يتنفس هواءه، كما أخبرني ذات مرة فى منتصف الثمانينات، ومنذ ذلك الحين وهو يجد فى الحفاظ على موهبته الكوميدية الخصبة، الفريدة، ويرعاها بإخلاص نادر، وحماسة لا تفتر، وإيمان لا يتزعزع.
وفى رحلته هذه، واجه لينين الرملي العديد من النكسات والإحباطات، كان من أصعبها حل فرقة ستوديو الممثل التي أنشأها عام 1980، بالاشتراك مع الممثل والمخرج محمد صبحي، واستثمر فيها ثلاث عشرة سنة من أكثر سنوات عمره الفني نشاطا وغزارة فى الإنتاج، أبدع خلالها مسرحيات لا تُنسى، لاقى بعضها نجاحاً جماهيريا ونقديا ساحقا، مثل : وجهة نظر، وبالعربي الفصيح، وحين أعقب كارثة حل الفرقة إفلاس مشروع مسرح الفردوس الذي أقامه وحده، تاركا إياه غارقاً فى الديون، كان ذلك كفيلا بأن يصيب أي شخص آخر بالاكتئاب العميق وفقدان الهمة، لكن، ورغم هذه الأزمات العنيفة، ربما كان أشد ما يؤلم لينين الرملي طوال مشواره الفني، وحتى عهد قريب، هو تجاهل الوسط الأدبي الرسمي فى مصر له، وإصرار هؤلاء ممن نصبوا أنفسهم، أو أصبحوا بحكم مناصبهم، حكماً على القيمة الأدبية على عدم الاعتراف به كمؤلف درامي جاد، له أهميته وتأثيره العريض، ويبدو أن العشر سنوات التي قضاها لينين الرملي فى بداية حياته يمارس الكتابة لمسرح القطاع الخاص، وذلك قبل إنشائه لفرقة ستوديو الممثل، بالإضافة إلى رغبته العارمة فى الوصول إلى عامة الناس، جنباً إلى جنب مع الصفوة، محتذياً بشكسبير فى هذا الصدد، وكذلك إصراره على إستخدام الكوميديا ( فى أشكال وتنويعات مبتكرة وألوان عاطفية متبادلة ) وتوظيفها بأسلوب ساخر، شديد الجرأة فى مساءلة وتمحيص منظومة القيم الموروثة، الجامدة، التي توجه الفكر العربي، وتمثل إطاره المرجعي، وكذلك فى تناول أكثر القضايا جدية وإلحاحاً وإثارة للجدل، أقول إنه يبدو أن كل هذه التوجهات قد تسببت فى عرقلة الاعتراف بلينين الرملي ككاتب مسرحي جاد، إذ لم يكن من السهل أن يتقبل المتأدبون الهيابون، المحافظون حتى النخاع مثل هذه الأعمال الجريئة الصادمة، وكانت أفضل وسيلة لدرء خطرها هي الاستهانة بمؤلفها واعتباره مجرد كاتب مٌسل يضحكنا بوقاحته ولسانة السليط، ومن ثم يمكن الاستعانة به أحيانا فى المسرح القومي، أو بعض مسارح الدولة الأخرى لإضفاء شيء من البهجة على أجوائها الكئيبة المحتقنة، تماما كما يفعل البهلول فى المآسي الشكبيرية، لكنه لا ينبغي أبداً أن يٌوضع فى الصدارة أو يؤخذ مأخذ الجد.
لقد اختار لينين الرملي أن يعمل ويُبدع أعماله المسرحية خارج المؤسسة الرسمية، وذلك فى ظل بنية ثقافية تتحكم فيها السياسة وتوجهها بدرجة كبيرة، ولما كانت المؤسسة الثقافية هي الجهة الوحيدة التي تمنح وتمنع وفقاً لمصالحها السلطوية، فقد كان معنى اختيار الرملي أن يبقى فى العراء، محروماً من أي دعم مالي أو أدبي، ولو أنه كان ينتمي للجيل السابق، وبدأ عمله فى الخمسينيات، أو الستينيات من القرن الماضي، وكتب أعمالاً سياسية واجتماعية ساخرة بالعامية المصرية، وبنفس الشكل الكوميدي التهكمي المتمرد الذي ينتصر له، كما فعل نعمان عاشور وسعد الدين وهبة وآخرون من هذا الجيل، أو كتب مُتستراً خلف التاريخ، متخذاً منه قناعاً يُقدم من خلاله حكايات رمزية ذات مغزى سياسي واضح، كما فعل الفريد فرج وغيره.. أقول لو أنه كان من هذا الجيل لاختلف حظه بالطبع، وأغلب الظن أنه كان سيُساق إلى السجن وربما خضع للتأديب والإصلاح، ولو نجا وعاش، ولم يختر أن يهاجر كما فعل ألفريد فرج، لربما كوفئ بمنصب أدبي مرموق يٌتيح له نفوذاً سياسياً وسلطة أدبية، فهكذا كان الأدباء يُعاملون فى الحقبة الناصرية القمعية، وقد خلفت هذه الحقبه لنا، نحن الجيل التالي، ميراثا بشعاً ثقيل الوطأة، لكن لينين الرملي وجيله بدأوا نشاطهم الإبداعي فى أعقاب كارثة هزيمة 1967 أي بعد الانهيار المروع للحلم القومي الذي أتت به ثورة 1952،ورغم أن والديه فتحي الرملي، وسعاد زهير “ كانا من أشد أنصار الاشتراكية، مما يُفسر لنا أسمه الغريب، فقد كان قدره أن ينمو وسط رماد حلمهما وتعلم من خيبه آمالهما أن يبحث عن الحقيقة فى أعماق التراب، لا فى تلافيف السحاب، وألا يثق فى الأحلام الجامحة، بل أن يضع ثقته فى العقل والمنطق.
إن ما عاناه لينين الرملي فى مشواره كان كفيلا بأن يجعله يعتزل الفن من زمن بعيد، وأظن أن ما جعله يستمر حتى الآن هو نوع من التواضع شبه الديني إزاء المسرح والإحساس بأنه يؤدي رسالة مقدسة، لذلك لم يكن يؤرقه أن يحصل كاتب أقل قدراً وموهبة منه على أجور.
* نقلاً عن كتاب «تأملات مسرحية»

د. نهاد صليحة

- الإعلانات -

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق