بعد تزايد هجرة الأطباء.. واتساع الاستقالات.. انتقادات واسعة حول مقترحات تخريج دفعات استثنائية للطلاب

235

أثار المقترح الذي أعلنه الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، بشأن تخريج دفعات استثنائية من كليات الطب، لمواجهة نقص الأطباء، جدلا واسعا وانتقادات شديدة، تضمن المقترح زيادة أعداد الطلاب المقبولين بكليات الطب، والتوسع فى إنشاء كليات طب بشرى جديدة حكومية أو خاصة أو أهلية، وضرورة العمل على زيادة عدد الطلاب الذين يتم قبولهم بكليات العلاج الطبيعي بالجامعات الحكومية والخاصة على الأقل لمدة 10 سنوات.
وجاء هذا المقترح بسبب نقص أعداد الأطباء فى مستشفيات وزارة الصحة بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة، نتيجة تقدم عدد كبير من الأطباء باستقالتهم من وزارة الصحة، نظرا لقلة الأجور، وحملات التعدي عليهم، كما أن عددا كبيرا منهم غير مؤمن عليه، وتسبب ذلك فى وجود عجز كبير فى الأطباء بالوحدات الصحية بالمحافظات.
وأصدرت وزارة الصحة والسكان، فى إبريل الماضي، تقريرا رسميا، أعلنت فيه أن عدد الأطباء العاملين بها والهيئات التابعة لها بجميع التخصصات الطبية المختلفة بلغوا 46 ألف طبيب، وأن المستشفيات تعاني نقصا واضحا فى الأعداد، كما تضمن التقرير، انخفاض عدد الأطباء بالتخصصات المهمة مثل الطوارئ والعناية المركزة وجراحات الصدر والمخ والأعصاب الأطفال وعلاج الأورام والتخدير.
تحسين الأوضاع
ومن جانبه قال الدكتور هشام شيحة، وكيل أول وزارة الصحة الأسبق، إن دراسة الطب تحتاج مدة محددة، لاكتساب الخبرة العلمية والعملية، ولا يجوز تخريج دفعات استثنائية قد لا يتم الاعتراف بها، فدراسة الطب تتطلب أن يدرس الشخص 15 عامًا ليصبح أخصائيًا.
وأشار إلى أن سد عجز الأطباء ليس بإنشاء كليات جديدة، ولكن بتحسين أوضاعهم المهنية والمعيشية، تجنبا لهروبهم خارج البلاد، مشددا على ضرورة دراسة الأسباب الرئيسية لعزوف شباب الخريجين عن العمل داخل مستشفيات وزارة الصحة، والوقوف عليها والعمل على حلها.
وأكد، أن الأمل الوحيد لإصلاح التعليم الطبي، هو إنشاء هيئة مستقلة تضمن برامج التدريب والشهادات وتضمن الفصل بين التدريب والرقابة والتقييم، مبينا أن ما يحدث الآن هو محاولة للهروب من السبب الرئيسي لانهيار المنظومة الصحية، ورفض الحكومة زيادة موازنة الصحة ورفع أجور الأطباء وتحسين بيئة العمل.
غير منطقى
وقال الدكتور خالد سمير، أستاذ جراحة القلب بكلية الطب جامعة عين شمس، وعضو مجلس نقابة الأطباء السابق، إن الحديث عن تخريج دفعات استثنائية من كليات الطب، غير منطقى، موضحا أن مصر تعانى من تخريج ما يقارب 11 ألف طبيب سنويا بينما لا يوجد أكثر من ٤ آلاف وظيفة تدريبية، والنتيجة عشرات الآلاف من الأطباء لا يحصلون على تدريب حقيقى.
وأكد، انخفاض مستوى التدريب خاصة مع رفض وزارة الصحة دفع تكلفة التدريب وعدم منح المدربين أجورًا عادلة، بالإضافة إلى المشاكل الأخرى فى النظام الصحي من ضعف المرتبات والاعتداءات والتشهير والحبس وغيرها من أسباب الهجرة المتزايدة للأطباء، فتخطيط معظم الطلبة هو دراسة المعادلات والتخطيط للهجرة قبل التخرج.
وأضاف، أن حل مشكلة عجز عدد الأطباء لا يكون بزيادة استثنائية للدفعات، ولكن الحل يكمن بعودة أفضل أطبائنا من الخارج، وتحسين أوضاع الأطباء ماليا وهيكليا ومجتمعيا، مشددا على ضرورة وجود تحرك نقابي من قبل نقابة الأطباء للتصدي لهذا المقترح.
حلول
كما أكدت الدكتورة مني مينا، عضو مجلس النقابة العامة للأطباء، أن هذا المقترح تخريب كامل لمهنة الطب، فالخطة هدفها تخريج أطباء بشكل سريع لحل الأزمة، من خلال دفعات استثنائية من الكليات الحكومية والخاصة، دارسين طبا استثنائيا مختصرا، مشيرة إلى أنه لم يشرح أصحاب الاختراع العبقري، من سيعالج المرضى، الذين يصيبهم مرض عادي، و ليس مرضا مختصرا، لزوم حل سريع للأزمة.
وأضافت، أن كل ما تقدمت به الحكومة لحل أزمة هجرة الأطباء لا يزال مجرد مقترحات ليس لها علاقة بإنهاء مشاكل الأطباء، مبينة أن إصلاح بيئة العمل، والسعي لحل ما يواجه الكوادر الطبية من أزمات، وتوفير راتب محترم لها، وتخيير الطبيب بين العمل الحر أو التفرغ للعمل الحكومي أو الخاص، هو الحل الأمثل.
وأشارت، إلى انخفاض أجور الأطباء المصريين كثيرا، بالإضافة لتعرضهم لمخاطر كثيرة، من أهمها “العدوى والاعتداءات المستمرة “، والتي يتقاضون عليها بدلا ضعيفا، لا يتناسب فى ظل غلاء المعيشة، مبينة أن من أخطر المشاكل، التي تواجه الأطباء هي عدم توافر حماية لهم فى حال أصيب المريض بمكروه أو توفي، نتيجة حدوث مضاعفات صحية أو نقص الإمكانيات، وعدم حدوث ذلك نتيجة تقصير من الطبيب، حيث قد يفاجأ الطبيب بإحالته للنيابة العامة دون أن يكون هناك أي خطأ مهني صادر عنه.
وأوضحت، أن شروط العمل سيئة من جميع الجهات، فلا حماية قانونية من الاعتداءات على الأطباء، أو من العدوى التي قد تصيبهم، بالإضافة إلى ذلك ضعف المرتبات، التي لا تكفى متطلباتهم، وكل هذه المشكلات، تجعلهم يبحثون عن فرص عمل أفضل.
وأكدت على وجود حلول كثيرة للأزمة، منها رفع الأجور، ووقف عملية التشويه الإعلامية التي يتعرض لها الأطباء فى مصر، وتعديل التشريعات، وإيجاد طريقة علمية لمحاسبة الأطباء فى حال “ الخطأ المهنى”، لأنه حتى الآن لا يوجد قانون خاص بهم، مما يعرضهم لأن يخضعوا لأحكام قانون الجنايات.
كما انتقدت تأخر إصدار قانون المساءلة الطبية حتى الآن، لإيجاد طريقة لمحاسبة الطبيب فى حال أخطأ مهنيا، ودعوة وسائل الإعلام للتوقف عن حملات التشهير بالأطباء، موضحة أن نقابة الأطباء حذرت مرارا وتكرارا من مثل هذه الحملات، لكونها تعمل على إحداث شرخ فى العلاقة بين الأطباء والمرضى، بدلا من أن تكون مبنية على الثقة والرحمة.
وشددت على أن مستشفيات وزارة الصحة، هي مستشفيات حكومية بنيت ويتم تشغيلها والإنفاق عليها بأموال دافعي الضرائب، والمفروض أن يتم تشغيلها لخدمة المواطن، الذي يحتاج لخدماتها، وغير مقبول أن يتم تشغيلها لخدمة كليات طب خاصة، تدر على مالكيها الملايين والمليارات، لافتة إلى أنه يجب تذكير الجميع بقانون ولائحة الجامعات الخاصة، التي توجب أن يكون لكلية الطب مستشفاها الجامعي المملوك لها قبل بدء الدراسة فى الكلية، مضيفة أن فتح السماح بإنشاء الكليات الخاصة دون شرط المستشفى الجامعي، يماثل ما حدث من الانتشار الرهيب لكليات الصيدلة وطب الأسنان الخاصة، دون أي ضوابط تضمن مستوى التدريب الحقيقي للخريج.
بيئة غير آدمية
وأكد الدكتور إيهاب الطاهر، عضو مجلس نقابة الأطباء، أن الطب له نظام دراسي دقيق على مستوى العالم وبالتالي لا يوجد ما يسمى بالدفعة الاستثنائية، مشيرا إلى أن الأمر سيؤثر سلبيا على صحة المواطن.
وأضاف، أنه إذا كان المقصود، زيادة أعداد المقبولين فى كليات الطب، فلن يتم حل العجز، إذا استمرت نفس أحوال الأطباء المتردية والمنظومة الصحية المتهاوية، فسوف يلحق الأطباء الجدد، بمن سبقوهم للخارج، ولكن الحل يكمن فى مواجهة المشكلات التي تعاينها المهنة والأطباء وعلى رأسها بدل العدوى، والمرتبات، والاعتداءات، والتشويه الإعلامي المتعمد، وغيرها من المشكلات التي تعصف بالمهنة.
وأوضح، أنه لا توجد مشكلة فى أعداد خريجي كليات الطب، فلدينا العدد الكافى من الخريجين كل عام، لكن المشكلة الحقيقية هي “ تطفيش وتهجير” الأطباء بسبب بيئة العمل غير الآدمية، فطالما استمرت هذه المشكلات فلن يتوقف نقص الأعداد مهما كان عدد الخريجين.
وتابع، أن الدفعات الاستثنائية للأطباء، كانت فى أوقات الحروب، وهذا مقبول فالهدف منه تأهيل الجنود لدخول الحرب، وكانت فى الإسعافات الأولية وعلاج الجروح، ولكن الدراسة العامة للطب لا يمكن أن تكون بهذا الشكل، فإذا زاد عدد المقبولين سيكون أمامك 15 سنة، لتخريج طبيب متخصص، مما يدل أن العجز سيظل لمدة 15 سنة، وهو أمر مرفوض.
عروض مغرية
أما محمود فؤاد، مدير ‏المركز المصري للحق فى الدواء، فأوضح أن هجرة الأطباء وإغلاق عياداتهم بدأت بسبب تدني الرواتب وبدل العدوى وعدم وجود دوافع وقلة إمكانيات المستشفيات، التي تجعلهم فى مواجهة مع المرضى، مبينا أن الحل ليس بزيادة الكليات الخاصة، حيث يجب دراسة سوء توزيع الأطباء على المحافظات، لأن يوجد به فساد كبير.
وأشار، إلى أن فشل وزارة الصحة فى طرح أي سياسات أو خطط مستقبلية للتعامل مع أزمات الأطباء المتتالية، يدل على أن زيادة أعداد الأطباء ليس حلا، بل إنه سيعمل على زيادة الأزمة، لأن الأسباب الحقيقية لا تزال قائمة مثل ضعف الرواتب الشديد والحوافز والمميزات التي تجعل الأطباء خاصة الشبان يرفضون عروضا تتقدم إليه، وهذا السبب الحقيقي لهجرة الأطباء بشكل كبير منذ بداية العام الحالي.
وأضاف، أن أفريقيا بدأت تفتح ذراعيها للأطباء المصريين الشباب بعروض مغرية، مما أدى إلى إغلاق الكثير من العيادات وهروب الأطباء، وفتح كليات جديدة لن يحل الأزمة لأنه لم يحلها من جذورها.
يذكر أن الإحصاءات الصادرة عن نقابة الأطباء، تشير إلى أن عدد الأطباء المقيدين بالنقابة يبلغ 220 ألف طبيب، من بينهم 120 ألفا خارج البلاد، الأمر الذي دفع الحكومة لإصدار قرار بمنع الإجازات للأطباء، من أجل إجبارهم على العودة للعمل بالقطاع الطبي الحكومي، وبالرغم من ذلك شهد القطاع الطبى استقالات بالجملة لم يشهدها من قبل، إحجام حتى عن التعيين فى أكبر كليات الطب فى مصر، وعلى الجانب الأخر إقبال كثيف على التقدم للحصول على شهادات المعادلات الأجنبية، للهجرة والسفر خارج البلاد خاصة من شباب الأطباء.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق