برامج «رمضان» الأجمل

203

تعبنا من الكتابة عن الوجبات المتوحشة للشاشات التليفزيونية المصرية فى رمضان، وكيف تحولت من (مسلسلات تتخللها بعض الاعلانات) إلى (إعلانات مطعمة بالدراما) وكيف تسبب هذا فى الاعتداء على حقوق المشاهدين الذين ألفوا منذ عقود الترفيه عن أنفسهم، فى الشهر الكريم، بمشاهدة مسلسلات ما بعد الافطار، وحيث كان هناك اتفاق ضمني ان يترك التليفزيون للإذاعة المصرية وقت ما قبل الافطار، وما بعده مباشرة، لتقديم روائعها التي تعود عليها الناس لسنوات طويلة وأشهرها حلقات (ألف ليلة وليلة) التي تنتهي يوميا بنداء زوزو نبيل – شهرزاد ذات الصوت والاداء البديع- وهي تقاوم النوم قائلة: مولاي..لتصدح موسيقي النهاية، وغير ألف ليلة لمع عشرات النجوم القدامي والجدد من خلال الاذاعة فى رمضان، ومن خلال جهد وإبداع أجيال من الكتاب والمخرجين، والمبدعين فى كافة المجالات، وهكذا كان الجهازان الاعلاميان الاهم فى زمن ما قبل التسعينات يقدمان للمواطن، المستمع والمشاهد، بعضا من افضل ما تطرحه الثقافة والفن فى مصر عبر الافكار والقصص، وعبر صعود كتاب ومبدعين موهوبين جدد، بعد ثورة التكنولوچيا وبدايات البث الفضائي فى بداية التسعينات، بدأت ابداعات الاذاعة تتراجع قليلا، لكن التليفزيون واصل تقديم اعمال كبيرة، ومعبرة عن كل ما يواجهه المجتمع من قضايا كبري، كان الجديد فى هذا الزمن هو زحف الاعلانات لتأخذ مساحة اكبر مما هو متاح لها، دقائق قليلة قبل وبعد الحلقة، وبدأت بعض البرامج تقدم تقليدا للبرامج الاجنبية التي تضع الضيف، ومعه المشاهد فى موقف حرج، بالتدريج، وبعد ان توقف اكبر منتج فى مصر والعالم العربي عن الانتاج، وهو التليفزيون المصري، وصلنا الي ما وصلنا اليه من سيادة المعلنين وسيطرة الاعلانات على الشاشة، وايضا احتكار إنتاجي لشركة واحدة، وتجارب فى الكتابة على حساب الجودة والرسائل والقيم، وعنف منبعث متزايد من ابطال المسلسلات، ومع ذلك كله، وجدنا برامج قليلة، نادرة تستحق ان نتوقف أمامها، ثلاثة برامج، كل منها يطرح مفهوما مختلفا تماما عن برامج اخري، تعيد وتزيد فيما مللناه من برامج سابقة، وربما لاحقة.
العائلات العباقرة
تندهش كمشاهد حين يأتيك هذا البرنامج من نفس الشبكة التي قدمت البرنامج الذي تم إيقافه من المجلس الاعلي للاعلام بسبب ما عرضه من فضائح،اي برنامج بسمة وهبي،الذي استفز الناس بحوارات مقدمته مع ضيوفها وكشف حياتهم الشخصية، صحيح ان شبكة (القاهرة والناس ) قدمت ايضا برنامجا ثانيا. لحوارات النجوم (عائشة شو)، لكنها صالحت الناس ببرنامجها (العباقرة عائلات)الذي كان الامتداد المنطقي لبرنامج (العباقرة) لمنافسات أوائل طلبة المدارس المصرية من كل المحافظات، ثم أوائل الجامعات، وأخيرا هذه الفكرة اللماحة لتقديم منافسة ثقافية بين العائلات،…ولنري من مقاعدنا المنزلية هذه العائلات المحترمة المثقفة الرائعة، والتي قدمت نموذجا مختلفا للاسرة المصرية فى كل مكان، من دمنهور وبحري، الي الصعيد والقاهرة، والحقيقة ان جزءا كبيرا من نجاح البرنامج يقع على عاتق مقدمه الروائي عصام شعبان والذي يتمتع بقدرة فائقة على التعامل مع كل الاختلافات بين ضيوفه، ويقدر قيمة واهمية برنامج ثقافى لا بد ايضا ان يكون ممتعا للمشاهدين، ومحفزا لهم على احترام الثقافة ومحبتها من خلال هذه العائلات، اما البرنامج الثاني فهو (اسم مصر ) الذي قدمه الاعلامي القدير چورچ قرداحي على قناة (دي.ام.سي) وحيث كان يقدم يوميا شبه فزورة عن واحد من عظماء مصر، ويضع أمامنا على الشاشة صورا لثلاثة شخصيات، وعلينا الاختيار، وفورا يتم اختيار الفائز، والذهاب اليه لتهنئته، وتسليمه المكافأة، وهو ما كان يفعله مقدم البرنامج، ونراه على الشاشة، وربما لا يفعل هذا الكثيرون من مقدمي البرامج الكبار، لكن قرداحي فعلها تأكيدا على أهمية التواصل مع الفائزين، وتأكيدا على المصداقية، والأهم من هذا لنكتشف نحن المشاهدين ان العديد من الفائزين يمتلكون ثقافة الاعتزاز بالشخصيات المصرية الشامخة فى كل مجال.
ياما فى الجراب…يا حجاب
البرنامج الثالث فريد من نوعه، لان مقدمه هو نفسه مبدعه، واحد مبدعي مصر الكبار فى الشعر والمسرح، بل ربما هو مبدع شامل هو الشاعر شوقي حجاب الذي اطل علينا من خلال قناتي (النيل الثقافية) و(لايف) ليقدم حكاياته عن الابداع والزمن والأحداث والشخصيات التي عاصرها، وزاملها وتشارك معها الابداع، ولحظات الجد والمرح، مثل صلاح چاهين وسيد حجاب وعمار الشريعي وغيرهم من نجوم العصر، ومثل شادية التي حكي عنها فى إحدى الحلقات الرائعة، وبرغم هذه التجربة الجديدة لبرنامج (ياما فى الجراب يا حجاب) والتي تتجاوز الأسلوب التليفزيوني العتيق فى ضرورة وجود مقدم برامج ليقدم ضيفه ويحاوره، الا ان خفة ظل الضيف، الذي هو صاحب البرنامج هنا، أطلقت الكثير من الاسئلة حول البرنامج وهل هو مجرد برنامج يقدم ذكريات وحكايات قامة ادبية كبيرة، ام انه بداية للحفاظ على تجارب وافكار المبدعين المصريين من خلالهم، والحفاظ عليها بالصوت والصورة، عوضا عن الأسلوب التقليدي (حوار صحفى او كتاب ) وتقديم إبداعاتهم من خلالهم للأجيال الجديدة القادمة التي تبحث عن القدوة، وتسعي نحو المغامرة، ان جراب عم حجاب يتسع لما اكثر مما قدم ورأيناه، واعتقد ان استكماله وتعديل أوقات بثه ضرورة، خاصة مع ما هو واضح من الرفق بالميزانية، وتصوير البرنامج فى منزل الشاعر الكبير، شكرًا للقنوات المتخصصة بالتليفزيون المصرى.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق