لقطات: الموازنة الجديدة ضد العدالة الاجتماعية

821

أصدر البرلمان مؤخرا قانون اعتماد موازنة 2019/2020. و البيان المالى الذى قدمه وزير المالية إلى»نواب الشعب» يحتوى على عدد هائل من الأرقام. لكن النظرة الفاحصة إلى ما وراء تلك الأرقام تكشف عن أن الحكومة تعتصر الفقراء والطبقة الوسطى لتغدق على الأغنياء. و تناست الحكومة أن الشعب المصرى خرج فى ثورة يناير 2011 يصرخ بأعلى صوت: «عيش .. حرية .. عدالة اجتماعية». كما أن الحكومة تمارس خداع الشعب؛ حيث تؤكد فى البيان المالى حرصها على تحقيق «التنمية المستدامة»، و فى نفس الوقت تقدم موازنة تغتال التنمية المستدامة لأنها ضد العدالة الاجتماعية. إنها تكرر نفس ممارسات اليهود فى زمن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام: «من كان عنده يعطى و يزاد، و من ليس عنده يؤخذ منه»!
تأمل معى عزيزى القارئ أولويات الحكومة كما يعكسها تطور الأرقام (بالمليار جنيه) بين موازنتى 2018/19 و 2019/20. زيادة الأجور من 270.1 إلى 301.1، إنخفاض الدعم من 328.3 إلى 327.7، إنخفاض دعم المزارعين من 1.1 إلى 0.6، تجميد دعم تنمية الصعيد عند 0.2، تجميد دعم الإنتاج الصناعى عند الصفر. زيادة دعم الصادرات من 4.0 إلى 6.0، خفض دعم المواد البترولية من 89 إلى 53، خفض دعم الكهرباء من 16 إلى 4. فى المقابل: ارتفاع فوائد الدين من 543.1 إلى 569.1، و ارتفاع سداد القروض من 276 إلى 375.6، أي ارتفاع خدمة الدين (فوائد وأقساط) من 817.3 إلى 974.7.
الأرقام تتحدث عن نفسها. و هى تشير بوضوح إلى لب المشكلة. فقد وقعت الحكومة فى فخ الاستدانة الذى نصبه لها صندوق النقد الدولى. و أصبحت خدمة الدين تعادل حوالى ثلاثة أمثال مخصصات الدعم. و نسيت الحكومة دروس تاريخنا و قصة صندوق الدين عام 1872 الذى مهد الطريق للاحتلال البريطاني عام 1882. و على يد الحكومة، تحولت قضية فقراء مصر إلى مسألة حماية اجتماعية كبديل للعدالة الاجتماعية. بل إن المزارعين وهم يمثلون أغلبية فقراء المحروسة، ضحت بهم قربانا على مذبح اقتصاد السوق، فخفَّضَت دعمهم بنسبة 45 %. و بالمناسبة، عندما زرت ميت العز فى رمضان فى إفطار العائلة، اشتكى الناس أن الأرض «طبلت» و شبكة الصرف المغطى «انسدت» و محطة رفع الصرف الزراعى توقفت عن العمل منذ سنوات و البنك «الزراعى» تحول إلى بنك تجارى لا علاقة له بالزراعة. و باسم هؤلاء الغلابة، هذا بلاغ منى إلى من يهمه الأمر.
الحكومة تدعى أن الدعم هو السبب الرئيسى لعجز الموازنة، وتخطط للتخلص من دعم الكهرباء وتحويل الدعم العينى للغذاء إلى دعم نقدى لترشيد الإنفاق. ونحن نؤكد أن هذا منهج خاطئ للأسباب الآتية. أولا، لأن أرقام الحكومة تٌكَذِّب الحكومة! فالسبب الأكبر لعجز الموازنة كما أوضحنا هو تضخم خدمة الدين، و ليس الدعم. ثانيا، أن التحول إلى الدعم النقدى مع فشل الحكومة فى ضبط الأسعار يعنى الإفقار المتزايد لملايين المصريين. ثالثا، أن قطاع الطاقة فى مصر تنقصه الحوكمة السليمة و تغيب عنه الشفافية بما يعنى تضخيم التكلفة و بالتالى المبالغة فى تقدير الدعم. و نفس الشىء ينطبق على مياه الشرب. رابعا، هناك نماذج متعددة لدعم الأغنياء المسكوت عنه مثل دعم صناعة تجميع السيارات المستمر منذ حوالى نصف قرن لصالح فئة محدودة و على حساب الخزانة العامة و ملايين المستهلكين.
حكمة اليوم:
(من كتاب الله، سورة المطففين)
«وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ(1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ(2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ(3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ(4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5)»

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق