ضد التيار: رسالة إلى لينين الرملى

243

أعرف أن الإنصاف، ليس من الفضائل الشائعة فى الوسط الفنى والثقافى والأدبى، والإعلامى ووسط المعنيين بالشأن العام. وأعرف أن الضغائن والمنافسة الشريرة والحسد والغيرة، أدوات فاسدة منتشرة بشتى الطرق فى تلك الأوساط، تقتل وتميت بالتعتيم والتجاهل وترويج الشائعات فى أحيان كثيرة. وأعرف كذلك أن الموهوبين حقاً، المنجزين حقاً، المؤثرين حقا يمتلكون من الترفع والكبرياء، وعزة النفس، والإباء، والخجل، ما يمنعهم من التوجه نحو منصات المطالبة، أى نوع من المطالبة، حتى لو كانت حقوقاً، لا جدال فى جدارتهم لاستحقاقها.
و أعرف كذلك أن الشلل الثقافية التى تملك المنع والمنح، وتتحكم بهما والمستحوذة على كل المنابر والمنصات، القادرة إلى حين، على الترويج لنفسها والمحيطين بها، وجنى المكاسب الشخصية التافهة، بالإلحاح تارة والابتزاز أخرى، برغم ضآلة ما تملكه من مواهب، ليس فى قاموسها كلمة إنصاف، ولا تتوانى عن الثأر ممن تظنهم منافسين لها، وتشكل مواهبهم المشعة الباهرة خطراً عليهم، وعلى استمرار ما يروجونه عن أنفسهم.
لكنى متأكدة كذلك أن للجمهور المتلقى ذائقة فنية وأدبية تتسم بصدق تلقائى، تعلو على كل تلك الصغائر، والضغائن، وتفرق بين الغث والسمين، والهابط والراقى، والدعَّى والصادق، وتضع فى جوانحها ونن أعينها، ومناط تقديرها، كل من أمدها بفكرة بسيطة قادرة على تجميل الحياة وتحمَّل خيباتها وآلامها، وساهم فى إسعادها وأدخل البهجة على حياتها، بكلمة أو بسمة أو حكمة، أو حتى وعد بفرح قادم. وإلا ما معنى أن تترك بائعة الخضار المنصة المتواضعة التى تحوى كل رأسمالها فى الحياة من خضراوات، عارية، دون حماية من أحد أو خوف من تبديدها، لكى تلحق الانضمام لجموع يشبهونها،أتوا من كل حدب وصوب، معظمهم من البسطاء والعامة، للمشاركة فى تشييع جنازة سعاد حسنى، ومن قبلها عبدالحليم حافظ وأم كلثوم وفريد الأطرش، ومن بعدهم فاتن حمامة، ومن قبلهم ومن بعدهم، مشاهد الجموع الزاحفة من الحوارى والشوارع، التى خرجت تصرخ وتذرف الدموع فى وداع الزعيم جمال عبدالناصر..
أعرف كل ذلك، لكنى أثق أيضا أن للتاريخ منصة إنصاف عادلة قادرة بحكم عدل ميزانها، أن تنصف الأحياء من الأحياء، كما سبق أن انصفت موتى من الأحياء، فتنفَّذ بذلك عدل السماء، الذى علمنا أن الزبد يذهب جفاء، ويبقى فى الأرض ما ينفع الناس.. ولأننى أعرف، فمن المؤكد أنه فى صفحة ناصعة البياض فى سجلات تاريخ الفن السينمائى والدراما التليفزيونية والإذاعية والمسرحية، سوف يكتب بحروف من نور أسم «لينين الرملى» الذى أسس مدرسة فريدة فى الدراما والكوميديا من طراز رفيع، على مدار أكثر من أربعين عاماً من عشقه الصوفى المتجرد لعالم المسرح، وإيمانه العميق بقوة تأثيره وفاعليته وأثرى هذا العالم المسرحى بخياله الخصب وثقافته المتنوعة، وسخريته اللاذعة، وتواضعه الجم، فضلا عن موهبته المتألقة وجهده وماله الخاص حتى لو أدى إلى إفلاسه، وهمته التى لا تفتر أبدا، ببحثه الدائم عن التحقق الذى يجلب له السعادة والتصالح مع النفس، بكل عمل درامى جديد، ليكون حلقة الوصل المباشرة بينه وبين الناس، يرمى به حجرا فى برك راكدة، ويغير به مفاهيم راسخة لدى العامة، تعطل الحياة وتهدم الأمم، فيجذهبهم إلى ملعبه لفضح آلاعيب المتاجرين بالدين وخطرهم، وهدم القيم التى تشوه روح الإنسان، وتحول بينه وبين التفكير العقلانى، ويعيد بناءها لفتح المجال الرحب أمامها للتحرر والانطلاق. فعل ذلك فى نحو ثلاثين عملا رائدا فى الدراما التليفيونية، وأربعة مسلسلات إذاعية ونحو خمس وخمسين مسرحية. وفى هذا السياق لعبت مسرحية «أهلا يا بكوات «وفيلم «الإرهابى « دورا حاسما فى انحسار ظاهرة الإرهاب فى مصر فى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضى، بعدما تفاعل جمهور عريض مع الرسائل الفنية العميقة التى إنطوى عليها العملان. فعل ذلك فى كل الظروف وأسوأها بروح فنية مغامرة و بعقلية الهاوى المتعبد فى محراب المسرح بعيدا عن دعم «المؤسسة»، أى مؤسسة، سواء كان دعماً فى مجال النقد الأدبى أو المالى. وربما بسبب ذلك، تحرر من مختلف الضغوط، التى تفقد المبدعين ليس فقط حريتهم فى التعبير، بل تفقدهم كذلك استقلالهم، ليصبح ظاهرة لا شبيه لها فى تاريخ المسرح المصرى، كمؤلف ومخرج ومدرب ومعلم وصانع للمواهب، ومكتشف لها ومستخرج للتبر من التراب، جالب للضحكة وللبسمة والبهجة والفرح من قلب أكوام الخراب. ومعظم جيل الممثلين المتربع على الساحة الآن فى مجال الكوميديا، على وجه الخصوص هم من اكتشافات لينين الرملى.. وتلك ظاهرة استثنائية، لم يحظ أحد بمثل تميزها ومكانتها حتى الآن، والسبب بسيط للغاية، أن عين لينين الرملى النابهة الذكية، كانت مصوبة دائماً نحو الإنسان العادى، يضحكه حتى على نفسه وحياته ومشكلاته، ويؤثر فيه حين يهدم له بجسارة وجرأة، موروثات بالية وراسخة، ثم يشركه فى النهاية فى حمل رسالة محبة غامرة للحياة، تنتصر لقيم العقل والعلم والعدالة والمساوة والحرية، والكرامة الإنسانية، وتأخذ بيدهم معه لمناصبة التعصب والخرافة والظلم والعدوان والشره الاستهلاكى والتفاهة، والجهل العداء.. ويا زميل الدراسة وصديق العمر الجميل «لينين الرملى»، اصْحُ لو سمحت، انهض، تكلم، فمحبوك وهم أكثر من أن يحصوا، مكلمون حزانى.وبـ«العربى الفصيح» غادرت الضحكة والبسمة والفرحة أرواحهم، وهجرهم الأنس بعدما لُذت بالصمت..

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق