«لينين الرملى» رائد الكوميديا الجماهيرية

■ عالم فنى ينهل من تراث الحكى والسير الشعبية ■ لغة مسرحية تجمع ما بين خفة التسلية وعمق المعنى

239

حصل المسرحي لينين الرملي، على الجائزة الفرعية للمسرح لعام 2005 من مؤسسة الأمير كلاوس الهولندية.. ولينين الرملي، هو واحد من أشهر كتاب المسرح الكوميدي فى مصر وأغزرهم إنتاجًا وأكثرهم إثارة للجدل، فقد طرح فى مسرحه وكتاباته السينمائية ومسلسلاته التليفزيونية اهم قضايا الحداثة العربية والطرق المسدودة التي واجهتها عبر قرنين من الزمان ولاتزال كل هذه القضايا راهنة.. وهو يقفز عبر العصور ليعود فى مسرحتيه “أهلا يا بكوات” الي زمن الحملة الفرنسية على مصر فى ظل الحكم العثماني لها، ويعالج قضية تحرير المرأة، ودور الدين والفن وثقل الماضي على الاحياء، والحرية المنشودة باحثا دائما وابدًا عن معني وعن هوية تتجاوز الثنائيات التي يحفل بها عالمه، تطلعا الي تناغم لا يحدث ابدًا، فالانقسام والتوتر العنيف سمة اصيلة فى ظل التفاهة المفرطة، والمعارك الصغيرة، والتهديد، والعنف المكتوم، والترقب والحيرة وتوقع الكارثة.. انه عالم يقف على اظافره.. ويفجر مع الضحكات اسئلة كبري. وليس “لينين الرملي” مجرد كاتب مسرحي، ولكنه رجل مسرح بكل معني الكلمة، وهب نفسه له ودخل كل سراديبه، وتعامل مع اقدم التقنيات واحدثها، وخلق لنفسه لغة مسرح شعرية فريدة فى عمقها ذات ايقاع لاهث مقطوع، وجمع بين خفة التسلية العابرة وعمق المعني وقوة المجاز، وقرر ان يدخل الي قلب المسرح التجاري الذي طالما تخوف النقاد الجادون من دواماته التي يمكن ان تغرقه فى الترفيه الاستهلاكي السريع، وأنشأ ستديو الممثل مع محمد ىصبحى وهو واحد من المع الممثلين الكوميدين دون ان يقدما تنازلات للنزعات التجارية الاستهلاكية، وظل هو لزمن طويل كاتب الفرقة المقيم الذي فرض شروطه هو دون ان يستجيب لشروط السوق.


خيال طليق
توصل كاتبنا فى كل عرض جديد له الي ابتكارات مدهشة داخلا بقوة الي عالم اللامعقول والتجريب مستفيدا من المسرح العالمي دون ان يخسر قدراته واصالته، اخذ ينهل من تراث الحكي والسير الشعبية والاساطير الكبري ولم يلزم نفسه ابدا بقالب واحد يشل قدرته على الحركة او يدفع به الي التكرار، لذلك جاءت كل مسرحية من مسرحياته مختلفة من حيث شكلها وقضاياها عن كل ما سبقها رغم غزارة انتاجه، وهو يفعل ذلك بسلاسة وبقدرة نحات مفتون بثراء خامته التي تغري بتنوع التشكيل مع خيال طليق وروح فنانة مشدودة الي رسالتها وبحثها الدائب عن حقيقتها وتوقها لتجاوز الانقسام الذاتي. ظل ابتداع الاشكال هو لعبته، والشكل دائما ما يترجم الرسالة سواء بالانتقال من الحاضر الي الماضي الذي يفرض هيمنته فى “أهلا يا بكوات”،او القفز الى المستقبل لاستكشاف آفاق حيث يتم التقابل بين الأزمة بصورة فانتازية فى “وداعا يا بكوات” أو تقاطع الصور المسرحية والانتقالات السريعة من حالة لاخري فى ايقاع متوتر لاهث فى “بالعربي الفصيح” التي سخر فيها بمرارة من حالة التمزق العربي، والغرق فى التفاهة والصغار مفصحا عن تأثير تشيكوفى خفى ومستخدما آلية المسرح الروسي الكبير حين تتحدث الشخصيات الي نفسها دون أن ترد على بعضها البعض علامة على العجز عن التواصل والشعور بالغربة. ويتكرر الجنون فى عدد من اعماله علامة رمزية على الانفسام كما حدث فى “عفريت لكل مواطن” وما اصاب البطل “سعدون المجنون” لما انهارت احلامه الثورية بعد هزيمة يونيو 1967 حين انتصرت اسرائيل على ثلاثة جيوش عربية واختلت الاراضي، وحين يخرج من المستشفى بعد ربع قرن وقد تغير العالم ينكره “سعدون” وتحدث المقابلة بين العالمين فيتفجران معا.
معانٍ طليقة
وظل تغير المشهد فى عالمه حاملا دائما لمعني جديد مع تحجيم الكلام، والوقوف على حدود الفواصل بين الحركة الظاهرة والحركة الخفية فلطالما كان التناقض بين المظهر والمخبر، القول والفعل محركا قويا لهذا العالم مع اهتمام بالغ بالتفاصيل الدقيقة. يقول المؤلف “القلم يتوقف عند كل تفصيلة مهما صغرت، جملة اكسسوار، أي معني، لحظة صمت، طريقة دخول شخصية، او خروجها.. الخ ويسأل نفسه كل مرة عشرات الاسئلة التي تبدأ بهل لهذا او ذاك معني ما؟ وما هو على وجه الدقة”.
وما معني يتكرر اذ نجد انفسنا بصدد خروج على المنطق المألوف فى الحياة، والقلب المنظم للمواضعات علامة على عدم الرضا: سيبك من المألوف وابحث عن وجه العجب، فثمة تركيب لاشياء لم نعتدها معا، ولا ندري من اين جاءت مثل “الشيء” الذي وجده الفلاحون فى قريتهم وعجزوا عن تسميته، ولأن الخوف من المعرفة يكبلهم، اخذوا يردمون الارض حتي يختفى “الشيء”.. هناك شبكة تعسفية عبثية من المفاجآت يصبح فيها ما كان مستحيلا ممكنا، ويجد الرجل نفسه فى “العار” وفى بطنه جنين والبطل هو نفسه ونقيضه فى “عفريت لكل مواطن” اي قرينه القادم من التراث الشعبي، ومفارقة بروز المعقول لا معقولا، حلمت اني ماشي على رجليا، واستخدام الاوصاف والجمل الحوارية القصيرة جدا والدالة وهو ما يغري باجراء دراسة شاملة عن الايقاع فى عالمه والذي يتميز لا بالسرعة وحدها، وإنما بقدرة كبيرة ايضا على انتاج الدلالة، ففى “وجهة نظر” واذ تدور الاحداث فى مؤسسة خيرية للعميان وتجري مقابلة دائمة بين الظلام والنور.. وحيث الظلام نور والنور ظلام، يقوم احد الاداريين بتسليم “التموين بتاع الشعب” فى حالة رمزية مكثفة لحالة الغياب والتهميش التي تتعرض لها الجماهير التي يبرز من اوساطها الانسان الصغير فاقد الحيلة فى مقابلة بينه وبين صرصار.. وحيث نجد ان الاكل من القمامة فى “كأنك يابو زيد” كأنه شيء طبيعي تماما يحدث ولا يثير اي غضب بل يفجر الضحك. يدور الصراع بين حضارة الغرب والتي تنهض على التقدم المادي وحضارة الشرق القدرية الروحانية وهي فكرة قديمة فى الاستشراف الاوروبي تردد صداها كثيرا فى الثقافة العربية الاسلامية، ويضيف لينين الرملي ابعادا جديدة لها اذ يدور الصراع بين التقدم والتخلف بين الغني والفقر، وبين المدينة والريف، مصعدا الثنائية التي سقط فيها الاستشراق القديم واصلا الي تجاوزها عبر مركب جدلي فى شخصية “نادر” فى اهلا يا بكوات الذي يتبني قيم الحداثة والديمقراطية والعقلانية والتنوير ويستخدم ادوات التقدم والمدنية الغربية رافضا النظرة الخارجية الاستهلاكية الفارغة من المضمون. ولكن التناقض فى عالمه ليس بسيطا، بل إنه مركب حيث تتعدد وجوه الحقيقة ومراياها، ففى قلب الشخصية القادمة من عالم التأخر ثمة قيم ثانوية فى الاعماق مثل التضامن والوفاء وكراهية الغدر ونجدة الضعيف تظهر فى زمن الشدائد وهو ما نسميه بفضائل الشعب رغم بؤسه وجهله ورغم أن كل شيء ممكن ومحتمل اذا غاب الوعي “يا ويل الظالمين اذا اسيتقظ هذا الوعي الذي يكبله الاستبداد وحكم العسكر باسم التكيف وترويض المتمردين”. إن مثل هذا الوعي يشكل خطرا داهما على الابوية و التسلط والاستغلال، ويدور فى عالمه صراع بين تحرير الوعي وتقييده بين الرقابة المفروضة حتي على الكتب التي يقرأها العميان وبين الشوق الي المعرفة المتحررة من كل القيود، بل والرقابة الذاتية التي يفرضها حتي المتعلمون على عقولهم حيث تتسع قاعدة المحرم والممنوع ويحتدم الصراع بين الاصولية والرؤية العلمانية للعالم “لا نقاش فى الدين ولا فى العرق ولا فى السياسة” وواقع الحال ان الكل مسجونون، “والسجان بيزهق اكثر من المسجون”، والاستعمار الداخلي احيانا ما يكون اقسي من الاستعمار الداخلي “مافيش أمة يمكن ان تتقدم وهي بتكذب على روحها”.. ولو راهنت الانسانية فى المستقبل على العلم وحده سوف تلتهم الآلة الانسان ويجري انتاج عبودية من نوع جديد فى “وداعا يا بكوات” وهي نظرة متشائمة، رغم ان الكرة الارضية سوف تصبح وطنا لكل البشر فلا دولة ولا ايديولوجية ولكنها ستفتقر الاشياء الحميمة وعليها ان تستعيدها.
تحرير المرأة
وشأنه شأن كبار مفكري النهضة والاحياء فى العالم العربي اختار “لينين الرملي” قضية تحرير المرأة محورا رئيسيا فى الصراع الدرامي وهي ممزقة بين توقها للتحرر ورغبة الرجل فى تملكها ثم قمعها لنفسها وخضوعها للثقافة التي تقهرها كأنها تقع فى عبودية مختارة وسوف تبقي “الحادثة” واحدة من اجمل المسرحيات الكوميدية التي تعالج نضال المراة العربية من أجل انعتاقها وهي استعارة فنية كبري لحال واقعنا العربي المتدهور الذي يحتدم فيه الصراع من اجل تحرير المرأة كقضية مركزية. تتصارع القوة المعنوية والشجاعة والتكامل الاخلاقي والثقافة والرقي الانساني بطريقة غير متكافئة مع ضيق الافق والانانية المفرطة والسوقية والابتذال الصغار فيواقع يجثم عليه الاموات، وغالبا ما يكون الاخير هو الاقوي والمهيمن ولكن يبقي الاطار المخفى من المثل العليا المضمرة ساطعا وملهما فى حركة دائبة داخل الذات وخارجها بين عمقها التراثي الذي يكبلها بتقليديته والاخر بحضوره الحداثي بعد ان تحرر من التقليد وغالبا ما يكونان شخصية واحدة يمزقها التوتر والازدواج. وقد نجد الانسان فى عالمه وهو يقف وحيدا امامه مصيره لكن دائما ما يكون هناك افق ولو ضيق وامل ولو خافت فى علاقة شعرية دائمة التشكل بين الصورة والكلمة والحركة الدائبة اذ ان كل شيء يتغير ولا شيء يبقي على حاله، ويحدث ذلك كله فى امتزاج بين الفكر والفرجة ويمسك المؤلف بجوهر اللحظة التاريخية التي يعيشها العرب مع الحداثة المجهضة التي تفجر السخرية من حيث لا يتوقع المشاهد فيتفجر الضحك كالبكاء.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق