فريدة النقاش تكتب:تراجيديا الحب والثورة

382

قضية للمناقشة

تراجيديا الحب والثورة

فريدة النقاش

” اعتذار أروى صالح لم يصل إلى صاحبه ” ؟ هذا هو العنوان الذي اختاره الزميل العزيز ” طارق الطاهر ” رئيس تحرير ” أخبار الأدب ” للشهادة البديعة والعميقة التي كتبتها ” أمينة النقاش ” حول قصة الحب المأساوية بين شاب سينمائي موهوب وواعد ، و فتاة رقيقة لا تقل موهبة كانت قد كرستها أي موهبتها للنضال السياسي ، ولوضع حلم تغيير العالم للأفضل على جدول أعمال الناس جميعاً . مات الشاب في حادث سيارة بعد فشل علاقته بفتاته بعدة أعوام ، ثم ماتت الفتاة منتحرة بعد اكتئاب عميق أظنه لم يكن بعيدا ـ أي الاكتئاب ـ عن إحساس عميق بالذنب عبرت عنه ” أروى صالح ” بإهداء كتابها عن تجربة العمل السياسي ، وكان باسم ” المبتسرون” إلى فتاها ” بهاء النقاش ” الذي وصفته بالفتى ” .

لم أشعر أبداً بالحرج بسبب الجانب العائلي في هذه القصة التي وصفتها ” بالتراجيديا ” لسبب بسيط وهو أن ما حدث ” لبهاء ” و” أروى” لو جرت قراءته بعمق سوف نتعرف فيه على حكاية جيل بكامله ، جيل تربى ونضجت أفكاره ومشاعره في ظل هزيمة 1967 التي قوضت أحلامه لوطنه ، ودفعت بالبعض من أبنائه إلى البحث عن طرائق جديدة للخروج من اليأس والإحباط وصولا لابتكار الأمل ، وإتجه الموهوبون والحساسون إلى الأدب والفن مثلما اتجه ” بهاء ” أو إلى النضال السياسي مثلما فعلت ” أروى ” . وحدث ذلك كله في ظل مناخ طارد للمواهب وقابض على الحريات بعداء شديد لها ، إذ ارتفع مجددا شعار ” لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ” خاصة بعد بدء حرب الاستنزاف .

وعقب الهزيمة مباشرة كان قد جرى فرض الرقابة على الصحافة والإعلام ، وكان المصريون ـ على كل حال ـ قد فقدوا الثقة في الصحافة المصرية ووسائل الإعلام الأخرى التي كانت قد اتقنت نسج الأكاذيب حول أحاول البلاد وقوتها وقدرتها على الصمود ، وحين تهاوى كل شئ ، وجرى ضرب الطائرات على الأرض ، واحتلال ما تبقى من أرض فلسطين والجولان السوري ، ثم كل ” سيناء ” أخذ المهتمون يبحثون عن مصادر خارجية للمعلومات ، وغير المهتمين ينغمسون في شئونهم الخاصة ، وغالبية المثقفين المقهورين بالهزيمة وقبضة الأمن يستسلمون لحالة من العدمية والإحباط ، وقلة منهم اتجهت إلى المقاومة بينهم العاشقان موضوع الحكاية .

وتتشابه مئات الحكايات الأخرى مع حكاية الفتى والفتاة ، وأن لم تصل إلى الموت كما حدث معهما ، ولكنها كانت بدورها تراجيدية بصور أخرى ، أفضت التراجيديا فيها كما في المسرح اليوناني إلى هزيمة الأبطال ، والتي لم تكن في حالاتنا إلا قناعا لهزيمة الأمة ، وتعبيرا عن مأزق شامل دخلت فيه أجيالها الجديدة بعد هزيمة 1967 جيلا بعد الآخر وعرفت مصر لأول مرة في تاريخها هجرة طوعية كثيفة لخارج البلاد بحثا عن أفق .

وقبل هذا التاريخ بسنوات طويلة كتب المفكر المناضل الراحل ” عبد العظيم أنيس” كتابا عن أحزان الحب والثورة ، حكي فيه من ضمن ما حكى قصة موت زميلتنا الصحفية ” عايدة ثابت ” وكان حبيبته وزوجته التي عضها كلب مسعور أفضى لموتها بصورة عبثية ، حدث ذلك ، وكانت قصة حبهما وزواجهما في أوج ألقها ، ليبرز موتها بهذه الصورة كوجه لعبث أشمل .

وكان ” عبد العظيم ” قبل سنوات من موت ” عايدة ” قد قضى في السجن خمس سنوات ـ على الأقل بتهمة الانتماء لتنظيم شيوعي ، وتعرض هو وآلاف من رفاقه للتعذيب في الواحات ، وفي غيرها من السجون التي تنقلوا فيما بينها ، ومما يثير السخرية في قضية ملاحقة الشيوعيين على هذا النحو الهمجي من قبل النظام الناصري ، أن التنظيم الرئيسي في أوساطهم في ذلك الحين كان يؤيد كل الإجراءات الناصرية التقدمية دون تحفظ حتى أن بعض الكتاب والكاتبات كانوا يسخرون منهم ويتهمونهم بالمازوكية أي طبقا لعلم النفس الرغبة في تعذيب النفس بل واستعذاب الألم ، وهو وجه آخر لا يقل إيلاما من وجوه التراجيديا التي أنتجتها الهزيمة القاسية من جهة وتقييد الحريات العامة والأساسية من جهة أخرى .

وهناك عشرات الكتب التي عالجت هذا الموضوع من كل الزوايا ، ولكن مازاد الطين بله كما يقال إن الجامعات رفضت أن تكون هذه الظاهرة موضوعا للدرس الأكاديمي ، وقبل سنوات أشتكى الناقد والأستاذ الجامعي الراحل د. الطاهر مكي من أن الأمن في الجامعة اعترض على تسجيل رسائل للماجستير والدكتوراه عن أدب السجون ـ وكان هو ـ رحمه الله ـ متحمسًا جدًا لهذا الموضوع باعتباره تجديدا حقيقيا عن موضوعات الدراسة التي أصبحت تكرر نفسها ، ولكن يرضى عنها الأمن ، وهو ما يؤشر إلى هذا التوغل الخطير للأمن حتى في الحياة الأكاديمية وفي الجامعات التي طالما حسبناها حصنا للحريات وعلى رأسها حرية البحث العلمي ، وأتمنى من كل قلبي أن يكون مثل هذا الخطر قد سقط بعد موجات الثورة .

وأقول ذلك لأن الكتابات التي سجلت مثل هذه التراجيديا بصور مختلفة تضم كنوزاً من المعرفة ، وتضئ جوانب مهمة للغاية جرى التعتيم عليها في تاريخنا وحياتنا السياسية والفكرية ، وهو وضع انتقص من القيمة العلمية الموضوعية للبحوث التي تعالج مراحل من تاريخنا وحياتنا السياسية والفكرية دون أن تتعرض لما يعتبره ” الأمن ” مناطق شائكة أو حساسة مستخدما الشعار المطاط الغامض ، دفاعا عن الأمن القومي  ونعرف جيدا كم من ” الجرائم ” ارتكبت في حق هذا البلد باسم الدفاع عن الأمن القومي .

 

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق