حسين عبدالرازق يكتب : گـارثـة القـطـــار

36

تربطني علاقة خاصة بالسكك الحديدية، فقد كان الديزل والقطار هما الوسيلة الأساسية للسفر بالنسبة لي خلال مرحلة الطفولة والصبا. وزاد من عمق هذه العلاقة أن اثنين من أشقاء أبي كانا من كبار مهندسي السكك الحديدية. وعندما انتقل ابي للعمل في القاهرة اقمنا معهما في منزل واحد، حيث كان يتردد عليهما العديد من مهندسي السكك الحديدية وكنت اتعامل معهما كأعمامي تماما، وكثيرا ما سافرت في العربة التي تلحق بالقطار وتخصص لكبار مهندسي السكك الحديدية خلال قيامهما بالعمل والتفتيش أو انتقالهم وأسرهم. وهذه العربة أقرب إلي منزل متحرك فيها غرف للنوم وغرفة للطعام وحمامات ومطبخ وعاملون يقومون علي خدمة الركاب.

وعندما اتذكر هذه الأيام في خمسينيات القرن الماضي وأقارن حال السكك الحديدية في ذلك الحين أحس بغصة وألم. فالتدهور شامل وعلي كل المستويات. فباستثناء القطارات المكيفة فعربات القطارات لا تصلح للآدميين تسودها القذارة وغالبا ما تكون نوافذها محطمة، بما في ذلك عربات الدرجة الأولي، فما بالنا بالدرجة الثانية والثالثة والثالثة!

ويبدو إن التدهور والاهمال وعدم الإحساس بالمسئولية لا يقف عند حدود الخدمة التي تقدم للراكب الذي لا يهم القائمين علي هذا المرفق الحيوي، بل يمتد إلي كل شيء، خاصة الجرارات التي تقود القطار والقضبان والسميافورات وورش الصيانة والعاملين في السكك الحديدية والمزلقانات.

وتكرار حوادث القطارات وسقوط القتلي والجرحي أمر طبيعي في ظل هذا التدهور الشامل. وخلال السنوات العشر الماضية (من 2002 وحتي 2012) وقعت 11 حادثة منها 4 حوادث في الأشهر الخمس الأخيرة (من يوليو إلي نوفمبر 2012).

ويلفت النظر أن ست من هذه الحوادث الإحدي عشر وقعت بسبب فتح المزلقان وعبور سيارات اثناء مرور القطار. وهو أمر متوقع في ظل تخلف نظام المزلقانات والاعتماد علي عامل بسيط غلبان وفقير ومريض ومرهق يتولي فتح المزلقان وغلقه يدويا. والأكثر إثارة أن المسئولين اعلنوا منذ فترة عن اعتماد خمسة ملايين و667 ألف جنيه استخدمت في تطوير 1725 مزلقانا في المناطق المركزية والصعيد وغرب الدلتا. ونشرت صحيفة المصري اليوم تحقيقا منذ أسابيع كشف وهم هذا التطوير ويؤكد أن غالبية المزلقانات مازالت تعمل بالسلاسل الحديدية ولم تزود بالإشارات الالكترونية كما أعلن المسئولون، إضافة إلي تعطل «السيمافورات» التي تشير لاقتراب القطار من المرور أمام المزلقان، وتعطل الأبراج في عديد من المناطق.

وبعيدا عن المسئولية الجنائية عن هذه الأحداث وآخرها جريمة قطار «أسيوط – القاهرة» رقم 165 والذي ذهب ضحيته 52 طفلا ومدرسة وسائق اتوبيس المدرسة «حتي الآن»، فالمسئولية السياسية والإدارية عن هذا الحادث وسابقيه تقع علي المسئولين في السكك الحديدية وعلي الحكومة القائمة. واستقالة وزير النقل- وهي ضرورية- لن تغير من الأمر شيئا إذا استمرت نفس السياسات. فقد سبقه للاستقالة وزير نقل سابق «إبراهيم الدميري» عقب جريمة قطار العياط في فبراير 2002 والذي راح ضحيته 350 مسافرا، ولم يتغير شيء بعدها.

وارتفاع وتيرة الحوادث في الأشهر الخمسة الأخيرة يؤكد أن التدهور في مرفق السكك الحديدية بلغ قمته، خاصة في ظل التدهور الحادث في كل مصر في ظل الحكم الإخواني السلفي، وتفكك الدولة وغيابها.

وما لم يعترف القائمون علي الحكم بهذه الحقيقة ويتحركوا لإنقاذ الدولة المصرية بالتعاون مع كل القوي، فسيتواصل الانهيار لا في مرفق السكك الحديدية فحسب، بل في كل مرافق الدولة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق