د. رفعت السعيد يكتب : الطبقة العاملة المصرية في غمار النضال (4)

41

ومع انتشار موجة البطالة في بدايات 1914 بدأت مظاهرات العمال العاطلين تهز أرجاء القاهرة والإسكندرية وفي 31 أغسطس 1914 تجمع حوالي 1500 متظاهر يحملون لافتات حمراء مكتوب عليها «نريد خبزا» أو عملا وبعدها بأيام قليلة أي في 3 سبتمبر اجتاحت شوارع القاهرة عدة مظاهرات تحمل ذات الشعار وتميزت هذه المظاهرات بمشاركة كثيفة من الجماهير التي أسماها البيان الحكومي «الرعاع» وبعنف شديد تصدي البوليس للمظاهرات وقبض علي 150 منهم ثم زاد عليهم آخرون بما ألجأ النيابة إلي تقسيم المتهمين إلي ثلاث قضايا، قضية مظاهرة الدرب الأحمر والخليفة وقضية مظاهرة بولاق وقضية مظاهرة الجمالية وباب الشعرية (الأهرام – 5/8 /1914)

ومع تصاعد الوعي العمالي بدأت إرهاصات تأسيس حزب سياسي لهم وفي 12 يوليو 1908 نشرت الأهرام واللواء بيانا بعنوان «دعوة عامة» موجهة من «حزب المقاصد المشتركة للعمال» يقول «إن محمد أحمد الحسن أحد مؤسسي الحزب قرر إلقاء خطبة عمومية في حديقة الأزبكية موضوعها وجوب انضمام أصحاب الحرف المصرية والأجنبية علي اختلاف طبقاتهم إلي حزب مشترك المنافع، لتتكون منه جماعة قوية مسموعة الرأي والصوت في الأعمال النافعة، وإقامة جريدة يومية كلسان حال للحزب أسمها «الوضاح»،

وقد سبق هذه المحاولة العمالية محاولة أخري قام بها عدد من المثقفين الشوام.. ففي 20 مارس 1908 نشرت جريدة «الأقدام» «علمنا أنه قد تأسس حزب للاشتراكيين برئاسة الدكتور شبلي شميل وعضوية كل من الدكتور شدودي وسامي أفندي جريد يني وتوفيق أفندي حبيب ونجيب أفندي أبكاريوس وغرضه كبح جماح الغني الفاحش ليكف عن دوس الفقير بقدميه»، لكن هذا الحزب تلاشي سريعا واستمر الحزب لعمالي الحقيقي حزب المقاصد المشتركة للعمال، ونقرأ في جريدة الأهرام 27/3/1909 بيانا صادرا عن الحزب يندد فيه بصدور قانون المطبوعات جاء فيه «بالنيابة عن حوالي 50 ألف عامل نحتج علي صدور قانون المطبوعات القاتل للحرية ونطلب إلغاءه، ولسوف يحتج العمال احتجاجا فعليا ما لم تتدارك الحكومة الأمر وتحترم صوت الشعب»، لكننا في غمار البحث نكتشف إعلانا بقيام حزب آخر، هو «حزب العمال» كان في الأغلب محاولة لتطوير الحزب الأول ودعمه بقوي أخري، ففي 16 يوليو 1909 نشرت الأهرام بيانا بتوقيع محمود أبوعثمان جاء فيه «كلنا يعلم مركز العمال في أوروبا، فالعامل هناك لا فرق بينه وبين القاضي والمحامي.

ولما كان الإنسان من فطرته الطبيعية ميالا إلي الارتقاء قامت جماعة من خيار العمال المصريين الذي يقدرون الأشياء حق قدرها وأسسوا حزبا باسمهم ليربط كلمتهم» ويمضي البيان «وقد عقدت الجلسة الأولي للحزب وحضرها جمع غفير من العمال والوجهاء وقد انتخب الحزب السيد أفندي علي مديرا له والسيد محمد أحمد الحسن رئيسا»، ونتوقف قليلا لنتابع هذا الأمر فمحمد أحمد الحسن هو مؤسس حزب المقاصد المشتركة الذي اختفي بمجرد إعلان الحزب الجديد، وثمة مسألة مهمة أخري هي أن السيد أفندي علي ظهر اسمه من جديد كصاحب لجريدة «النظام» وهي جريدة يسارية كانت تتخفي خلف ميول وفدية وتولي رئاسة تحريرها رفيق أفندي جبور الذي أصبح واحدا من أهم قادة الحزب الشيوعي المصري في عام 1925 وترأس تحرير مجلته «الحساب»، كما أدرك العمال أهمية أن تكون لهم صحف تنطق باسمهم..

ففي عام 1908 أصدر عمال السكة الحديد جريدة باسمهم، وفي عام 1912 صدرت في طنطا جريدة اسمها «التعاون» معلنة أنها تسعي في تحقيق منفعة العامل (قسطاكي الياس عطارة – تاريخ تكوين الصحف المصرية – ص312).

والحقيقة هي أن تصاعد النضال العمالي قد استطاع أن يجتذب إلي صفه عديدا من المثقفين الثوريين والقوي الوطنية المستنيرة، وفي أحد مظاهرات العمال العاطلين المطالبة بالخبز أو العمل وقف الشاعر عبد الرحمن سالم صائحا بقصيدة شديدة العنف.

برح اليوم بالظهور الخفاء

فكلوا الأغنياء يا فقراء

إمضغوهم وعلقوا الإثم في

جيدي فهم بانتحارنا الأثماء

وأبلعوهم وكلهم مستعد

لابتلاع الأحجار لولا الحياء

وثمة قصية أخري كتبها الشاعر القروي عنوانها «إلي الأغنياء الجائرين» جاء فيها..

مضي عصر النخاسة من زمان

ولاح علي البرية غير شمسه

زمان كان فيه العبد يشقي

ليسعد قلب سيده بنحسه

لقد حان الزمان لوضع حد

لظلم المستبد وسحق رأسه

(الهلال 1919)

.. إنها إرهاصات ثورة 1919 التي خاض العمال غمارها ببسالة.. وكانوا هم والفلاحون الأكثر ثورية والأكثر تضحية.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق