مايسة زگي تكتب : القضاء المصري ونقلة نوعية في المشهد السياسي والدستوري

43

تستحق الوقفة التي وقفها القضاء المصري في واقعة الشروع في إقالة النائب العام في صورة موقع دبلوماسي رفيع ما بين دولة أجنبية وأخري عربية لحظة تأمل باعتبارها نقلة نوعية في المشهد السياسي، وبغض النظر عما يراه أهل الاختصاص، وبعيدا عن المطالب المختلف عليها في هذا الصدد.

فقد انطلقت القوي السياسية بخفة تحسد عليها مدفوعة بالإجماع علي العدو الواحد، أوشهوة الحرمان، أو الوعي بالتوازنات الجديدة، أوبشهية أحلام شعب بأكمله،أي الدوافع أقرب، إلي المأدبة الديمقراطية الحافلة. سقط دستور 1971الذي كان يحظر قيام أحزاب علي مرجعية دينية ولم نجرؤ علي مناقشة ما قد يعيق تلك المرجعية عن كامل اعتناقها للفكر الديمقراطي في جوهره، مخافة أن تطالنا تهمة الانتماء للنظام القديم. وكنا ننتفض لكرامة الديمقراطية إذا وصفها أحدهم ب”غزوة الصناديق” بينما نحن بتجاهل التطور الفكري والثقافي للمجتمعات الديمقراطية ننزلق حتما إلي تحويلها إلي مجموعة إجراءات مثالية و”حل” سحري لوثوب الجماعات التي تتمنطق بالدين إلي السلطة.

ولئن كان التبسيط اللصيق بالسطحية الفكرية سمة جوهرية من سمات عصر مبارك، وكما انعكس فيما يروج له في الفن والثقافة والخطاب الديني مما أسهم بجدارة في إضعاف النظرة المركبة المحيطة لأي مشكلة، فإن قيام ثورة جامحة – حتي وإن لم تكتمل أو كبتت إلي حين – ضد فساد اختلط بذرات الهواء حتي ليكاد يستحيل تحليل مكوناته إلي عناصرها الأولية يمثل بيئة مثالية راعية لاستمرار وازدهار الثنائية المتعارضة البسيطة : طيب وشرير، ثوري وفاسد، ونظام قديم وآخرجديد لم يره أحد بعد، لكنه يصلح لمداعبة الخيال الوطني. أضف إلي ذلك أن هذا التجريد الفقير محروم من عناصر الكفاءة أو الاختصاص.

وقد ثبت أن مثل هذه الثنائية المتعارضة لا تصلح إلا لتحليل الحكايات الشعبية في طورها البدائي، بنية فكرية هشة تتحطم أمام الأنواء التي تعصف بوطن متراكم التاريخ، معقد البنيان، تتقاذفه – علي ثقله – مصالح خارجية وداخلية تغري- لثقله – بالغرق لاقدر الله.

وعندما يصمت الضمير الوطني عن لجوء أنصار مرشح للرئاسة ـ أيا كان – بالتهديد بالعنف ضد الدولة والشعب، إن لم يفز، ونتغاضي عن قبح المبدأ في ذاته ميلا لفوز هذا أو درأ شر الآخر، وبغض النظر عن طبيعة المأزق الذي رأيته مع كثيرين مصمما خصيصا لشل إرادتنا، وعندما تصمت النخبة والشارع الثوري ويباركان التكتم المريب الذي فُض به المجلس العسكري دون قلق علي وضع الجيش الوطني في تلك الظروف السيناوية العاصفة، فمن المتوقع أن تتقدم الفئة الحاكمة خطوات أخري واثقة مستغلة ذات الحيلة قصيرة المدي.

كأنها كعكة اقضموا من ناحية تخلصكم من المرشح الآخر وأقضم أنا حكم مصر. اقضموا من ناحية ثأركم من المجلس العسكري وأنا أقضم الجمعية التأسيسية للدستور التي كان المفترض أن يعيد تشكيلها المجلس إذا طرأ مانع يحول دون استكمال مهمتها، وأشرع لقانون الملكية لأراضي سيناء وغيره، وأقود العمليات القتالية “بنفسي” وفق الخطاب الرئاسي للإجهاز علي “العسكر” .

وكانت القضمة التالية المرتقبة هي التخلص من النائب العام باعتباره مطلبا ثوريا لدي من يحمّله نتيجة أحكام البراءة، ويلحقه بالنظام السابق، ويدين تباطؤه في تحريك دعاوي بعينها، بينما تلتهم الفئة الحاكمة القضمة التي يقال إنها تفتح باب تغول السلطة التنفيذية علي السلطة القضائية، وتفتح باب التشريع علي مصراعيه.

حال هذا التضامن القضائي دون التلذذ بكامل الكعكة، وبدأ تغير ملحوظ في نمط التحليل في وسائل الإعلام ونما رأي عام أكثر نضجا. وظهرت أنواع من التمييز بين المطلب الواحد والمقاصد المختلفة،بين المبدأ والشخص، والكيفية، والتوقيت.

هنا بدأت بعد أكثر من عام ونصف العام مرحلة جديدة من إعمال الذهن وتقييم العناصر الملتبسة والمتداخلة تداخلا يكاد يستحيل معه نقاء الهدف أو نهائية البتر. وتلك نقطة محورية في وقف نزيف استثمار الفئة الحاكمة للثنائية المتعارضة البسيطة : الطيب والشرير، الشهيد والقاتل، والشاب والهرِم.

وفي هذا الإطار لا ينبغي لنا أن ننسي أن سعي القضاة إلي استقلال القضاء جاء باكرا منذ وقفة تيار الاسقلال الرمزية التاريخية عام 2005 بالأوشحة،وخروجهم الزاعق من أروقتهم المقدسة – الذهنية علي الأقل – وتلك كانت لحظة أولية محورية في معركة الديمقراطية، و زعزعة حكم مبارك،ومشروع ” الخلافة” الجمهوري. وبعد قيامة المصريين في يناير 2011 سعي القضاة إلي إنجاز قانون استقلال القضاء فيما قبل انتخابات الشعب والرئاسة ضمانا لتحصينها ضد التلاعب في ظل المجلس العسكري أو غيره، وتم افتعال قصة الخلاف مع المحامين بعد تضارب مشروعي القانون فيما بين مجلس القضاء الأعلي ونادي القضاة، وأحيطت محاكم بالجنازير وسط تجاهل عسكري أمني واضح وصارخ. فلما كان مجلس الشعب تعطل القانون الموحد، ولم تسارع بإصداره أو مناقشته المؤسسة “المنتخبة “، وهو القانون الضامن لدولة المواطنة التي تبلورت كهدف جوهري للكفاح المصري في السنوات الأخيرة. وفي تلك التفاصيل الفارقة فليتنافس المتخصصون في البحث والمقارنة بين ما قبل ومابعد وبين المشاريع، وتبدل المواقف .

ولست أدري لماذا كنت أستقبل العناوين المثيرة والملاكمات المرئية التليفزيونية عن أداء جلسات الجمعية التأسيسية بشعور عميق أنها تشتت وتبالغ وتفزّع لتغطي علي أشياء أكثر خطورة وقبحا، كما كان يحلو لنا السخرية الصاخبة من كل ما يتعلق بالأمن القومي المصري، ومن تهريب للأسلحة، وعودة باكرة لعناصر ليست فوق مستوي الشبهات ، والذي تزامن مع المخاض الثوري والصخب الإعلامي. لمصلحة من؟!

ولمصلحة من هذا الإغراب والاستفزاز الحاد لكل قيم التمدين والحضارة الإنسانية وترويع المصريين. لا أعتقد أن مواد الحريات وصياغتها في حد ذاتها هي محط النظر، وهو مايثبت في المسودات الأخيرة. فثمة تدريب مريب ومتعمد علي إنهاك العقل المصري، ما شارك منه في التأسيسية وما بقي خارجها. وهناك مهارة في المساومة بحيث يبدو التنازل عن تعبير يخص الشريعة أو الأحكام في ذيل مادة من مواد الدستور مؤشر مرونة لاتبديها المعارضة ” الليبرالية ” أو المدنية، والأبعد من ذلك أنها المواد التي يسهل المتاجرة بها وتوجيهها تعبويا في الاستفتاء لتتحرك بين الحرام والحلال وطريق الجنة ومآل الجحيم لاقدر الله .

هذا بينما يجري شد وثاق الدستور إلي مرجعية دينية تشحب مدنية الدولة في المواد الحاكمة، ويعاد هيكلة القضاء- لقد طالبنا بهيكلة الشرطة (!) – بحيث تبطل حتي الجملة التي طالما سخرنا منها في ظل عدالة بطيئة غير ناجزة :” وعلي المتضرر اللجوء إلي القضاء “، لأن القضاء بدوره سيلجأ إلي الأزهر أو مجمع العلماء الذي سيلجأ بدوره إلي “مذاهب” أهل السنة والجماعة، لتظل مصر تحت وطأة أسئلة فقهية تكبلها إلي يوم الدين. سجال عقيم يزهق ما تبقي من روح هذه الأمة .

كأن المزاوجة بين الحداثة والشريعة الإسلامية لم يكن جهد وعمل أجيال من علماء الدين والفقهاء الدستوريين والقانونيين، وتراكم ثمين من الأحكام المرجعية للعقلية القانونية المصرية. وإن أردنا ألا ندفن رأسنا في الرمال فإن السبيل إلي مزيد من استقلال القضاء، ورفع كفاءته، وتحديث آلياته، وتطهير القوانين من الثغرات والحيل المبطئة للحق والمسترخصة لعمر الناس هو توافقه مع منظومة متكاملة ،ورؤية مستقبلية تسعي إلي تطور معرفي، وعدالة اجتماعية.

و بعد التغير النوعي في المشهد السياسي لا أظن أن شعار ” تفكيك البنية التشريعية لحكم مبارك ” الذي تواتر فيما بعد يناير 2011 علي لسان منتمين إلي الفئة الحاكمة الآن سيسمح له بالتعدي علي المنجز والبناء القضائي المصري برمته،وعلي أساس نفس التبسيط المخل بين الشر المطلق والخير العميم. لكن أخشي ما أخشاه تصدير المواد الأكثر شعبية واثارة إلي مشهد الاستفتاء المبني علي الاستقطاب المبني بدوره في تشكيل الجمعية الذي أرفضه، وهو انعكاس للبنية الهشة المشار إليها، بينما تتواري فلسفة الدستور والمؤسسات الحامية لحرية المواطن والضامنة لمصالحه وسلامة أراضيه مثل القضاء والهيئات الرقابية والجيش وقرارات الحرب والحدود، تلك التي تكَبل بالسفسطة الدينية لكل ذي غرض أو النصاب االانتخابي المرجَح للتيار ذي المرجعية الدينية.

نحن مأمورون بتنوير عموم المصريين، وخروج الهيئات الموقرة عن كهنوتها وكبريائها لإبلاغهم . قضية الدستور والقانون قضية شعبية تخص مصالح الناس وحقوقهم في هذا الوطن.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق