سهام العقاد تكتب : فريد سوريال

21

أربعون يوما مضت علي رحيل المثقف والفنان ورجل الأعمال والناشر وصاحب مطبعة المهندس فريد سوريال عطية، الذي نجح في إعادة صياغة دور الناشر الثقافي لتوظيفه في خدمة المجتمع.

علي مدي ما يقرب من ثلاثين عاما، وهب حياته لخدمة الثقافة، والمجال التربوي، والمشاريع الثقافية، وترك العمل في الطوب والأسمنت، ليهتم بالعقول والأفكار والحضارة والجمال، أدرك منذ اللحظة الأولي أن للناشر وظيفة ثقافية وتنويرية، تلعب دورا في إعلاء الشأن الثقافي، وخدمة العلم والمعرفة.

كان لديه حس عال بالمسئولية تجاه وطنه الذي انجرف نحو الظلام، لذا اهتم بالمؤلفات الثقافية، التي تسلط الضوء علي حضارة مصر الفرعونية العريقة، ونشر عشرات وربما المئات من الكتب عن الحضارة الإسلامية.. الجدير بالذكر انه الناشر الوحيد في مصر الذي أصدر أعماله بالعديد من اللغات لدرجة أن أحد الكتب ترجم لـ13 لغة من بينها البولندية والروسية والصينية واليابانية، لقد حاول فريد طوال رحلته أن يقدم للعالم الغربي الوجه الايجابي والمشرق من الحضارة المصرية.

استطاع فريد أن يحدث نقلة نوعية في الطباعة، وأنتج نوعيات من الكتب والموسوعات والمجلات والخرائط قادرة علي المنافسة والوصول للمتلقي المصري والأجنبي في ذات الوقت.

ولعبت مطبعته دورا مهما في التفاعل الثقافي بين مصر والعالم الأوروبي، سعيا لبناء ثقافة مستقبلية خلاقة، وكناشر انحاز لحرية الفكر والإبداع، والجودة العالية، والدقة، مما أهله للمشاركة في المعارض الدولية المهمة.

وهو مثقف وطني تفاني في حب مصر، بحسه الوطني المرهف، آمن بالثورة، وكان علي يقين من أن النصر آت لا محالة، ودليله علي ذلك أن الثورة الفرنسية كللت بالنجاح بعد مرور 10 سنوات من النضال والكفاح والتضحيات، ورأي انه لا مجال لعودة الممارسات القمعية، مع سقوط حاجز الخوف، وأن المصريين عرفوا طريقهم، رغم محاولات الفلول والثورة المضادة لإفشال ثورتهم ، كان واثقا من أن الثورة سوف تحقق أهدافها المنشودة إن أجلا أو عاجلا، وانه لا مجال لليأس لأن شمس الحرية حتما سوف تبزغ، ونور الصباح سوف يشرق، ومصر سوف تنتصر علي كل جلاديها.

كان مصريا حتي النخاع، رفض أن يهاجر ويترك الأرض التي عشقها، استنكر كل المحاولات التي تجري من أجل الفرقة، لأنه آمن بوحدة عنصري الأمة، لذا كان مقاوما لكل أشكال التفرقة التي اعتمدها النظام الطائفي.

كان فريد أيضا فنان عشق الرسم والتصوير، ترك أكثر من 20الف صورة، التقطها بعناية، تسجل وترصد وتلتقط كل ما في الطبيعة المصرية والآثار والصحراء والنيل والبشر، كما ترك منزلا مفعما بالدفء، أشبه بمتحف يضم لوحات رائعة جمعها من أسفاره في مختلف أنحاء العالم.

رحل فريد ذلك النموذج الوطني المفعم بالحيوية والأمل، رحل وهو يحمل حب مصر وعشقه لها في قلبه، وترك في الحلق غصة، ربما سيداويها الزمن، ولكن ما يعزينا أنه ترك لنا فادي ذلك الفتي المبهر والطموح، الذي يحمل المستقبل في عيونه، ولديه القدرة علي مواصلة أحلام الأب العظيم، وترك لنا أيضا زوجته الرائعة سوسن، التي يعتصرها الألم والفقد، وتدفن أحزانها بين أضلعها في كبرياء ونبل، لكنها تحاملت علي آلامها وقررت تحمل المسئولية من أجل إكمال مسيرة الزوج في حب الحياة والوطن.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق