إلي متي يظل المسرح المصري مغلقا؟

32

 وزير الثقافة: لا يجوز أن تظل المسارح مغلقة

المسرحيون : بلد بلا مسرح هو بلد بلا ثقافة

تحقيق: سهام العقاد

“الدنيا مسرح كبير”، و” كل الرجال والنساء ما هم إلا لاعبون علي هذا المسرح”.. هكذا رأي الأديب والشاعر والكاتب المسرحي الانجليزي ويليام شكسبير المسرح، وأهمية الدور الذي يلعبه في الحياة، وفي توعية الجماهير والارتقاء بذائقتها الفنية..

ومصر الآن أكثر من أي وقت مضي، في حاجة ماسة إلي المسرح الذي يحمل قيما ورؤية ومضمونا، ليناقش أدق القضايا ويعبر عن همومها وأفراحها وانتصاراتها والانكسارات التي تمر بها. فالمسرح هو الفن الراقي الذي يحمل شعلة الاستنارة، ففي العصر الذهبي للمسرح في الستينيات، تشكلت الثقافة المسرحية من الأدب العالمي والأدب المحلي، ولمع كبار المسرحيين أمثال ألفريد فرج، وميخائيل رومان، وسعد الدين وهبة، ويوسف إدريس، ونعمان عاشور وغيرهم من كبار الكتاب.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة، هو لمصلحة من يتم إغلاق المسارح المصرية؟ وما هو مستقبل المسرح المصري في ظل غلق المسارح الذي يستمر لسنوات وسنوات؟

اغتيال المسرح

لقد ظل مسرح الهناجر مغلقا لسنوات!! وقد كان من أهم الأماكن التي قدمت عروضاً مسرحية جريئة، وأتاح للشباب تقديم مسرحياتهم من دون قيود أو عوائق، وقد انطلقت منه الفرق الحرة في التسعينيات، وتبني العديد من القضايا السياسية التي تهم الجماهير، وقدم نصوصا قوية والعشرات من العروض المتميزة والتي حققت نسبة مشاهدة جماهيرية عالية، مثل “اللعب في الدماغ” و”القضية 2007″ وغيرها من العروض المهمة، لكن ما لبث أن أغلقت خشبة الهناجر في وجه كل المبدعين والعروض الجادة بحجة تجديد المسرح!! وعبر المسرحيون عن غضبهم واعتبروا إغلاق الهناجر بمثابة اغتيال للمسرح المصري، وبمثابة محاولة للقضاء علي الحركة المسرحية في مصر.. وبعد4 سنوات من التوقف تم افتتاح الهناجر في عهد الدكتور شاكر عبد الحميد وزير الثقافة الأسبق.

غلق الأمل

في السياق ذاته تم إغلاق المسرح القومي يوم 27 سبتمبر عام 2008، عقب إضرام النيران به.. وهو من أهم وأعرق المسارح في مصر والمنطقة العربية، وعلي خشبته تم تقديم المئات وربما الآلاف من الأعمال المهمة التي أضاءت العقل العربي.

إن إغلاق المسرح القومي حتي الآن يعني إغلاق الأمل أمام وجود مسرح جاد وحقيقي، وذلك يعد بمثابة خطأ تاريخي يرتكب في حق الفن الراقي، وفي حق أبرز الصروح الثقافية في مصر، خاصة ان المسرح القومي له مكانة بارزة في قلب كل مصري، وقدمت أضخم وأهم العروض المسرحية علي خشبته، وقد تم افتتاحه عام1921، في مبني تياترو الأزبكية الذي تأسس عام1885، وحفل بأول موسم مسرحي، وكان يطلق علي المسرح القومي وقتذاك المسرح الوطني، وكان يعرض أربع مسرحيات يومية!! ولعب دورا بارزا في مقاومة الاستعمار، وفي عام 1935 أنشئت الفرقة القومية المصرية بقيادة الشاعر خليل مطران لتقديم عروضها علي خشبة المسرح الوطني، وسرعان ما تم حلها لتقديمها أعمالا مناهضة للاحتلال.. وعقب ثورة يوليو وإنهاء الحكم الملكي وطرد الاستعمار، بات اسمه “المسرح القومي” الذي شهد العصر الذهبي للثقافة والفنون تحديدا في حقبتي الخمسينيات والستينيات، حيث قدمت علي خشبته نصوصا لكبار الأدباء وكتاب ذلك الزمان أمثال يوسف إدريس ولطفي الخولي وألفريد فرج ونعمان عاشور، وكبار المخرجين ومنهم كرم مطاوع وسعد أردش وغيرهم.

الشكل الحضاري

مؤخرا قام وزير الثقافة د.محمد صابر عرب بجولة تفقدية للمسرح القومي، وأكد أن المسرح هو الحياة بالنسبة للمجتمع، وانه سيظل رسالة اجتماعية وثقافية للمجتمع بغض النظر عن العائد الاقتصادي.. وأشار إلي بحث إمكانية تخفيض التكلفة المتبقية في بعض الأماكن التي لم يتم الانتهاء منها في المسرح القومي مثل المبني الإداري مع الحفاظ و الاهتمام بالشكل الحضاري والتاريخي للمسرح ، وعدم المبالغة في التجهيزات والمباني التي ليست لها علاقة بالمسرح وذلك بناءً علي ما تم استعراضه من المشروع والمبالغة في تصميم المبني الإداري، مؤكدا أن الدولة لا يمكن أن تبخل في أن تعيد للمسرح القومي دوره مرة أخري، وأن الهدف الأساسي هو إعادة الروح الحضارية والفنية والطُرز المعمارية التي كان عليها المسرح، وطالب بإعادة دراسة العناصر الفنية علي ضوء المشروع، بالإضافة إلي تشكيل لجنة بين الوزارة والشركة المنفذة واستشاري المشروع لتقديم مذكرة بأقل تكلفة تمكن من استكمال الأعمال المتبقية من المسرح، حتي يمكن توفير تلك المبالغ في ظل الظروف الصعبة الراهنة، وتحديد المدة الزمنية لافتتاح المسرح القومي والجدول الزمني لاستكمال التنفيذ.

مشيرا إلي أن التكلفة المبدئية بلغت 55 مليون جنيه قبل البدء في المشروع، ولكن بعد إعداد الدراسات وصلت التكلفة إلي 99 مليون جنيه وما تم انجازه 65 % من المشروع وما تم صرفه 44،5 مليون جنية، بدعم من صندوق التنمية الثقافية والبيت الفني للمسرح والآثار والوزارة ولكن توقف التمويل من جانب الآثار لانفصالها عن وزارة الثقافة بعد ثورة 25 يناير وأصبح التمويل من قبل البيت الفني للمسرح، وقال الوزير إن وزارة الثقافة ستطرق أبواب كل الجهات منها وزارة المالية والآثار والتعاون الدولي. كما أشار الوزير إلي ضرورة رفع كفاءة وتشغيل المسارح التي بها إنشاءات أساسية في الفترة القادمة بقدر الإمكان لأننا ليس لدينا أموال تغطي احتياجات المسارح في العمليات الإنشائية ولكن معظمها يحتاج إلي إعادة تأهيل كامل من حيث الصيانة والتجهيزات مشيرا إلي أنه لا يجوز أن تظل المسارح مغلقة بحجة أننا لا نجد دعما أو موارد لترميمها.

في السياق ذاته، قبل أربع سنوات أيضا تم إغلاق مسرح قصر ثقافة حسن فتحي الذي كان منارة ثقافية لأهالي مدينة الأقصر، بحجة الترميم، لكنه ترك ولم تتخذ الدولة أو وزارة الثقافة أي دور لإنهاء تلك الترميمات المزعومة!!

كذلك تم إغلاق مسرح الفن، للفنان المخرج المسرحي جلال الشرقاوي، منذ سنوات!!

يري المثقفون والمسرحيون أن إغلاق الدولة لتلك المسارح يعتبر أكبر عقاب يمكن أن توقعه الدولة علي الفنان والمجتمع في أن واحد، فالبلد الذي بدون مسرح هو قطعا بلا ثقافة.

ونحن نحتاج إلي بناء العشرات من المسارح بدلاً من غلقها، لذا يجب أن تنظر الدولة ووزارة الثقافة إلي المسارح بعين الاعتبار، وتعمل علي تجديدها وترميمها بأقصي سرعة بدلا من إغلاقها مثلما يحدث الآن.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق