جمعية تأسيسية فاقدة للشرعية تتولي صياغة الدستور!

37

إسقاط الجمعية التأسيسية والدستور الإخواني السلفي ضرورة وطنية

المواد 2 و3 و4 و9 و10 و11 و220 من المسودة الأخيرة للدستور تحول مصر إلي دولة دينية أقرب إلي دولة «ولاية الفقيه»

بقلم: حسين عبدالرازق

في 30 مارس 2011 أصدر المجلس الأعلي للقوات المسلحة الإعلان الدستوري الثاني منذ توليه إدارة شئون البلاد في 11 فبراير 2011 «الإعلان الأول في 13 فبراير 2011» نتيجة ثورة 25 يناير وإجبار رئيس الجمهورية «حسني مبارك» علي الرحيل والتخلي عن منصبه، ونصت المادة الستون (مواد الإعلان 62 مادة) من الإعلان الدستوري علي عقد الأعضاء المنتخبين في مجلسي الشعب والشوري اجتماعا مشتركا لتشكيل الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور من 100 عضو.

عقب انتخاب مجلسي الشعب والشوري عقد هذا الاجتماع المشترك وانتهي في 17 مارس 2012 بتشكيل الجمعية التأسيسية ومن بين أعضائها أعضاء في مجلسي الشعب والشوري بنسبة 50% وبأغلبية كبيرة من أعضاء أحزاب «الحرية والعدالة» و«النور» وأحزاب تيار الإسلام السياسي الأخري.

وكان النص الذي أورده الإعلان الدستوري (إعلان 30 مارس 2011) الخاص بمسئولية الأعضاء المنتخبين في مجلسي الشعب والشوري عن تشكيل الجمعية التأسيسية يمثل انتهاكا سافرا لحكم صادر عن المحكمة الدستورية العليا في 17 ديسمبر 1994 في القضية رقم 13 لسنة 15 قضائية يقضي بأن «الوثيقة الدستورية تنشئ سلطات الدولة، وتنفصل وتستقل عنها.. وأن الدستور هو وثيقة السيادة المطلقة علي كل سلطات الدولة، فلا يجوز لواحدة من السلطات أن تضعه وإلا كان الأدني مسئولا عن الأعلي.. وإلا نسبنا الأب للابن»، وقد أوقعت جماعة «الإخوان المسلمين» – المتحالفة مع المجلس الأعلي للقوات المسلحة في ذلك الحين – ومعهما مستشاروها القانونيون المنتمون للجماعة أو القريبون منها المجلس الأعلي للقوات المسلحة في هذا الخطأ الفادح.

وزاد الطين بلة أن الاجتماع المشترك لأعضاء مجلسي الشعب والشوري ضرب عرض الحائط بكل القواعد المستقرة في الفقه الدستوري، فقام بتشكيل الجمعية التأسيسية من أغلبية تنتمي للسلطة التشريعية وتنتمي لتيار الإسلام السياسي كاشفا بذلك عن نيته صياغة الدستور بمنطق الأغلبية والأقلية وليس بمنطق التوافق، وهو الشرط الضروري لصياغة الدساتير في العالم كله، فالأغلبية متغيرة والدستور دائم.

واتخذ حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي الموقف الصحيح عندما قاطع هذه الجمعية التأسيسية منفردا.

وتأكد صحة موقفه عندما أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمها في 10 أبريل 2012 بوقف تنفيذ قرار تشكيل الجمعية التأسيسية «الأولي» وبطلانه.

وعندما اتضح أن حزب الحرية والعدالة وحزب النور اللذين يهيمنان علي الأغلبية في مجلسي الشعب والشوري يتجهان إلي تشكيل «الجمعية التأسيسية» الثانية بنفس المنطق وأنها ستحمل نفس العوار الذي كان سببا في إبطال تشكيل الجمعية التأسيسية الأولي، قرر حزب التجمع مقاطعتها ومقاطعة الاجتماع المشترك لمجلسي الشعب والشوري المخصص لتشكيل الجمعية التأسيسية، وغاب نوابه حتي لا يشاركوا في هذه الخطيئة.

ودعا حزب التجمع الأحزاب الأخري لمقاطعة الاجتماع والنأي بنفسها عن المشاركة في الجمعية الإخوانية السلفية، ولم تستجب الأحزاب المدنية والديمقراطية لهذه الدعوة ليصبح «التجمع» وحيدا في مقاطعة الاجتماع، وعندما «وقع الفأس في الرأس» كما يقولون وتبين صحة موقف التجمع، أعلنت أحزاب: المصريين الأحرار والمصري الديمقراطي الاجتماعي والجبهة الوطنية والكرامة والتحالف الشعبي الاشتراكي وأحزاب أخري الانسحاب من الجمعية التأسيسية الثانية، كما انسحب عدد من ممثلي حزب الوفد من الجمعية بالمخالفة لقرار رئيس الحزب بينما استمر آخرون، وبعد فترة عاد ممثلو بعض الأحزاب المنسحبة مثل المصريين الأحرار والمصري الديمقراطي الاجتماعي للجنة!

ومع بدء الجمعية التأسيسية عملها وافتضاح منهج النور والحرية والعدالة عمليا في فرض دستور «إخواني سلفي» علي مصر بما يهدد الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التي ناضل الشعب المصري لتأسيسيها منذ ما يزيد علي قرنين، ويعيد إنتاج الاستبداد الذي عانت منه مصر طوال العقود الأربعة الماضية توالت الانسحابات من «الجمعية التأسيسية».

وجاءت الاستقالة الأولي من الجمعية التأسيسية والتي كشفت الكثير مما يجري داخلها من الناشطة السياسية «منال الطيبي».

وتلاها بيان اللجنة الوطنية لحرية التعبير التي يرأسها الكاتب الكبير بهاء طاهر ومنسقها محمد سلماوي رئيس اتحاد الكتاب ليلقي المزيد من الضوء علي عمل الجمعية وعلي كارثة الدستور الذي تعده.

وأصدر تحالف الوطنية المصرية بيانا دعا لمقاطعة أعمال الجمعية التأسيسية.

وقررت محكمة القضاء الإداري في 23 أكتوبر الماضي وقف نظر 48 دعوة قضائية تطالب ببطلان وحل الجمعية التأسيسية، وإحالة أوراقها إلي المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدي دستورية القانون 79 لسنة 2012 الخاص بمعايير انتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية.

وفي 8 نوفمبر أصدر 30 عضوا من أعضاء الجمعية التأسيسية بيانا هددوا فيه بالانسحاب من الجمعية، ثم أعلنوا في 13 نوفمبر تجميد عضويتهم وتقدموا بخمسة مطالب يتم الانسحاب من الجمعية إذ لم تتم الاستجابة لها، وأعلنت الكنائس المصرية الثلاث سحب ممثليها في الجمعية وقدمت د. سعاد كامل أستاذة الجامعة والعضوة السابقة بمجلس الشوري استقالتها من الجمعية، بينما واصلت الأغلبية المهيمنة جهودها للإسراع بصياغة دستورها قبل 12 ديسمبر.

صياغة الدستور بالمقلوب!

توقع كثيرون علي ضوء تشكيل هذه الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور وهيمنة التحالف الإخواني السلفي عليها وإصرارهم علي الانتهاء من صياغة الدستور بسرعة والاستفتاء عليه قبل أن تصدر محكمة القضاء الإداري حكمها في الطعن علي الجمعية التأسيسية، أن يأتي مشروع الدستور مرتبكا وممثلا لوجهة نظر التحالف الإخواني السلفي وبعيدا عن التوافق السياسي والمجتمعي.

ولكن المسودة الثالثة التي نشرت يوم 5 نوفمبر 2012 – وهي المسودة الأخيرة حتي الآن – فاقت كل التوقعات، وحملت كل أمراض وعيوب ونواقص المسودة الأولي في 14 أكتوبر والثانية في 24 أكتوبر.

> ونقطة الضعف الرئيسية في مسودة الدستور تتمثل في المنهج الذي اتبعته الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور، فبدلا من أن يتم في البداية اتفاق الجمعية وتوافق أعضائها علي المبادئ العامة التي تحكم الدستور مثل شكل نظام الحكم والعلاقة بين السلطات والعلاقة بين السلطة والحرية والالتزام بالمواثيق والعهود والاتفاقيات الدولية من عدمه.. إلخ، بدأت اللجنة عملها بتقسيم أعضائها إلي لجان فرعية تتولي كل لجنة صياغة أحد الأبواب المقترحة للدستور ووضع تفاصيل المواد دون ناظم أو رابط أو رؤية متفق عليها.

> ونقطة الضعف الثانية نتجت عن ضعف واضح في الشخصيات الرئيسية التي تولت قيادات الجمعية ولجانها الفرعية وتصدت لكتابة مواد المسودات المختلفة، فصياغة مواد مسودة الدستور تكشف عن افتقار كاتبها للصنعة والجهل باللغة العربية عامة وبالصياغات القانونية والدستورية خاصة، فالعديد من المواد كتبت بصياغات عامة وعبارات فضفاضة تحتمل أكثر من معني وتفسير وبعبارات إنشائية، لا معني لها وغير منضبطة وفي صياغات ركيكة، دفعت د. محمد نور فرحات أستاذ فلسفة القانون وتاريخه بجامعة الزقازيق إلي المطالبة «بتأنيب من صاغوها علي سوء صناعتهم» وسانده في ذلك عديد من أساتذة القانون الدستوري في الجامعات المصرية علي اختلاف انتماءاتهم السياسية.

ونقطة الضعف الثالثة تتعلق بالإحالة في كثير من مواد الدستور للقانون، وبصفة خاصة في المواد المتعلقة بالمبادئ العامة والحقوق والحريات العامة، بما يحمله ذلك من خطر أن ينتقص القانون من أصل الحق الدستوري، وقد أحالت مسودة الدستور للسلطة التشريعية تنظيم هذه الحقوق عن طريق إصدار قوانين 14 مرة في المواد (4 و10 و18 و21 و24 و25 و37 و38 و39 و47 و57 و58 و73 و76).

دولة دينية

وإذا انتقلنا من الملاحظات العامة إلي الملاحظات التفصيلية حول مواد مسودة 5 نوفمبر (232 مادة) فسنفاجأ بأن الذين وصفوا مشروع الدستور الحالي بأنه أسوأ دستور منذ عرفت مصر الحياة الدستورية لم يخطئوا.

وتتعلق الملاحظة الأولي بالمواد المتعلقة بتحديد هوية المجتمع والدولة وهي المواد 2 و3 و4 و220 و9 و10 و11، والتي تتناول الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع والهوية الثقافية.

وتعد المادة الثانية هي نقطة الارتكاز في هذه القضية وتنص هذه المادة علي أن «الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع».

وقد تم إقحام هذه المادة علي الفقه الدستوري المصري في دستور 1971 من قبل الرئيس الأسبق «أنور السادات»، بعد أن رفض مشروع الدستور الذي صاغته اللجنة التي شكلها، وطرح للاستفتاء مشروع دستور آخر متضمنا المادة الثانية المشار إليها، وصدر الدستور الجديد في 11 سبتمبر 1971.

والنص علي أن «الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية» موجود في دستور 1923 الذي صدر نتيجة لثورة 1919 التي طالبت بالاستقلال والملكية الدستورية في (المادة 149)، وكذلك في دساتير ما بعد ثورة 1952 بدءا بمشروع دستور 1954 (مادة 195) ودستور 1956 (مادة 3) ودستور 1964 (مادة 5).

وبصرف النظر عن أن الدولة «كائن معنوي» لا يمكن أن تكون مؤمنة أو كافرة، فقد وصف الفقهاء النص علي أن دين الدولة الإسلام في دستور 1923 بأنه «مجاملة» من لجنة صياغة الدستور لدين أغلبية السكان ليس إلا.

ولكن النص علي أن مبادئ الشريعة الإسلامية «مصدر رئيسي للتشريع» طبقا لنص المادة عند صدور دستور 1971، ثم «المصدر الرئيسي للتشريع» في الاستفتاء علي تعديل الدستور عام 1980، فهي إضافة فرضها السادات كمناورة سياسية في المرتين، فخلال صراعه – بعد رحيل جمال عبدالناصر في 28 سبتمبر 1970 وتوليه رئاسة الجمهورية – مع شركائه في الحكم من رجال جمال عبدالناصر ومعاونيه «علي صبري وشعراوي جمعة ومحمد فائق والفريق محمد فوزي.. إلخ» ومع اليسار الشيوعي والناصري والقوي الديمقراطية التي عارضت انقلاب القصر الذي قاده السادات في 13 مايو 1971 وأسماه «ثورة 15 مايو»، وتمسكت بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية المنحازة للطبقة الوسطي والطبقات الشعبية.. لجأ السادات للتقارب والتحالف مع الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية واستغلال المشاعر الدينية للمصريين، فأطلق علي نفسه لقب «الرئيس المؤمن» وأبرز في مقدمة اسمه اسم محمد ليصبح «محمد أنور السادات»، ودس هذه الفقرة في المادة الثانية من الدستور، وفي استفتاء 1980 عدل المادة لتصبح مبادئ الشريعة الإسلامية «المصدر» بدلا من «مصدر» ليمرر تعديل المادة الخاصة بمدد رئيس الجمهورية (المادة 77) ليطلق المدد بعد أن كانت محددة بمدتين فقط تمهيدا ليرشح السادات نفسه لمدة ثالثة، لكن القدر لم يمهله ليكمل مدته الثانية وتم اغتياله في 6 أكتوبر 1981.

وتتمثل خطورة هذا النص في إسقاطه شعار ثورة 1919 العظيم «الدين لله والوطن للجميع» وإدخاله الدين في السياسة والسياسة في الدين بما يضر بالاثنين معا، وهدم أسس الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التي ناضل الشعب المصري من أجلها ما يزيد علي قرنين من الزمان.

كما أدي هذا النص للتمييز ضد أقباط مصر وغير المسلمين عامة، وتقديم السند لصعود الأحزاب الدينية وقوي الإسلام السياسي ودعوتها لإقامة «دولة إسلامية» أي دولة دينية، وأن «تكون الشريعة الإسلامية مرجعا أعلي من الدستور»، وأن يتم عرض القوانين قبل صدورها علي هيئة من كبار العلماء لتري مدي إتفاقها مع الشريعة الإسلامية.

ولم تكن مصادفة بدء أحداث الفتنة الطائفية بعد أشهر قليلة من صدور دستور 1971 حاملا هذه المادة، بوقوع فتنة «الخانكة» عام 1972.

ولا تكتفي مسودة الدستور «الإخواني السلفي» بنقل المادة الثانية كما هي، بل تضيف إليها المادة (220) التي تقول إن «مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة من مذاهب أهل السنة والجماعة»، وتنصب هيئة كبار العلماء بالأزهر مرجعية إلزامية في تفسير الشريعة الإسلامية (المادة 4).. لتتحول مصر بذلك إلي دولة دينية بامتياز، ويحذر د. محمد نور فرحات من النص علي أن مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل «.. المصادر المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة»، قائلا إن «تعبير أهل السنة والجماعة لم يظهر علي ساحة الفقه الإسلامي إلا في العصر العباسي المتأخر عندما اشتد الخلاف بين الفرق الإسلامية، فظهر هؤلا بزعم أنهم يمثلون الفرقة الناجية ويأخذون بكل ما وردت به مصادر الشريعة قطعية أو ظنية الثبوت والدلالة ويعملون عمل أهل السلف، بل يأخذون بالأحاديث الضعيفة وأحاديث الآحاد، والمطلوب منا وفقا لهذه المادة أن ننسف اليقين القانوني نسفا وتدخل النظام القانوني المصري في سراديب التاريخ القديم باعتبارها سراديب مقدسة لا يمكن الحيدة عنها»، ويتساءل «من الذي سيفسر المقصود بأحكام الشريعة ومن الذي سيختار بينها، هل هم المجددون أم المقلدون؟ هل هم فقهاء القانون أم أتباع السلف الصالح؟»

ويضيف د. إبراهيم العيسوي أن تعريف مبادئ الشريعة الواردة في المادة 220 يتعارض مع حقيقة أن في الإسلام تعددية في المذاهب والفرق والشيع، وأنه يستتبع هذه التعددية بالضرورة تعدد في الأحكام والاجتهادات بشأن أمور شتي «وهذا ما دعا د. السنهوري «عبدالرازق السنهوري» والمحكمة الدستورية إلي تعريف مبادئ الشريعة بأنها المبادئ الكلية التي لا تختلف من مذهب فقهي إلي آخر والتي تتصف بأنها قطعية الثبوت والدلالة وبأنها لا تتصادم مع روح العصر»، لينتهي إلي أن المواد المقترحة تقدم «تعريف ضيق وإقصائي» لمبادئ الشريعة الإسلامية، وأن اعتماد الأزهر كمرجعية إلزامية يثير شبهة «ولاية الفقيه» علي التشريع.

ويزداد الأمر خطورة عندما تفرض مسودة الدستور في المواد 9 و10 و11 نوعا من الأحادية الثقافية، وهو ما دفع عمرو موسي وعدد من ممثلي التيار المدني في الجمعية التأسيسية للقول في مذكرتهم للجمعية «إن هذه المواد مجتمعية تثير القلق الشديد حول اتجاه النية لتغيير هوية المجتمع والدولة من الهوية المصرية الإسلامية متنوعة الثقافات والأديان المنفتحة علي العالم، إلي الهوية الدينية المتشددة، ومن دولة القانون إلي دولة ولاية الفقيه».

ويصل د. محمد نور فرحات إلي نتيجة مهمة وحاسمة، وهي عدم جواز النص في الدستور كوثيقة قانونية كبري تحكم الحاضر والمستقبل البعيد علي الهوية بما يؤدي لإكساب الدستور طابعا عقائديا دينيا كان أو دنيويا.. «إن النص الدستوري علي الهوية أمر غير لازم وغير مطلوب في الدساتير الرشيدة.. فالهوية تمارس ولا تفرض بسيف القانون والدستور.. إن الطابع العقائدي للدستور أي تبني الدستور أيديولوجية مهيمنة أيا كان مضمونها من شأنه تحقيق نتائج تتنافي مع فكرة العمران الاجتماعي في الصميم: أولها إقصاء أصحاب العقائد الأخري من الحماية الدستورية، وثانيا تقييد الحريات العامة بحيث لا تتعارض مع التفسيرات العقائدية لأهل الحكم، وثالثا الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون بين أصحاب العقائد المختلفة، ورابعا فتح الباب واسعا أمام الاستبداد وتجنب نقد الحكام ومعارضتهم باعتباره نقدا ومعارضة للعقيدة التي تبناها الدستور، وتلك هي النتائج العملية التي أسفرت عنها فعلا جميع تطبيقات الدساتير العقائدية».

ويشير د. نور إلي أن دساتير الدول الديمقراطية مثل الهند والولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا تخلو من أي نصوص عن «هوية الدولة» و«مقومات المجتمع».

بينما دساتير البلاد غير الديمقراطية سواء كانت دولا شمولية مدنية أو دولا شمولية دينية، تتحمل نصوصا تجبر المجتمع قسرا علي اعتناق نسق فكري رسمي واحد لا يسمح بالخروج عليه، لا فرق في ذلك بين دستور الاتحاد السوفيتي «السابق» حيث نصت مادته السادسة علي قيادة الحزب الشيوعي وهيمنة الماركسية اللينينية، ودستور سوريا في المادة الثامنة التي تتحدث عن قيادة حزب البعث وفقا لأهداف الاشتراكية العربية ودستور العراق «في عهد صدام» والكتاب الأخضر في ليبيا، ودستور إيران الذي ينص في المادة الثانية علي أن نظام الجمهورية يستند إلي الإيمان بالإله الواحد وسيادته وحقه في التشريع وضرورة الخضوع لتعاليمه وإلي الآيات المقدسة وإلي الرجوع إلي الله في الآخرة، ودستور المملكة العربية السعودية حيث تنص المادة السابعة علي أن يستمد الحكم سلطته من كتاب الله وسنة رسوله، وتنص المادة السادسة علي أن يبايع المواطنون الملك علي كتاب الله وسنة رسوله وعلي السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، والمادة 23 التي تنص علي أن تحمي الدولة عقيدة الإسلام وتطبيق شريعته وتأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتقوم بواجب الدعوة إلي الله.

دولة استبدادية

الملاحظة الثانية تتعلق بالدول الاستبدادية التي تعيد مسودة الدستور إنتاجها، يكفي قراءة المواد من 134 وحتي 159 وهي المواد الخاصة برئيس الجمهورية، لندرك أن الرئيس في مشروع الدستور الإخواني السلفي يتمتع بالسلطات نفسها التي كانت لمبارك والسادات من قبله في دستور 1971، فالرئيس «يراعي الحدود بين السلطات» طبقا لنص المادة 134، أي أنه فوق السلطات الثلاثة: التنفيذية والتشريعية والقضائية رغم أنه طبقا لنص هذه المادة نفسها (134) هو رئيس الدولة ورئيس السلطة التنفيذية (!)، والرئيس هو القائد الأعلي للقوات المسلحة وهو الذي يعلن الحرب (مادة 151) ويضع السياسة العامة للدولة ويشرف علي تنفيذها (مادة 145) ويسمي رئيس الوزراء ويكلفه بتشكيل الحكومة (مادة 144) ويلقي بيانا حول السياسة العامة للدولة في جلسة مشتركة لمجلسي البرلمان (مادة 149) وله أن يدعو الناخبين للاستفتاء في المسائل المهمة التي تتصل بمصالح الدولة العليا (مادة 159) متخطيا بذلك كل السلطات، ويعين الموظفين العسكريين ويعزلهم (مادة 152) ويعلن – بعد موافقة الحكومة – حالة الطوارئ (مادة 153) وله حق العفو عن العقوبة أو تخفيفها (مادة 154).

وكما يقول د. محمد نور فرحات فقد نصت المادة 146 من مسودة الدستور علي أن رئيس الجمهورية يتولي سلطته بالاشتراك مع رئيس الوزراء ونوابه والوزراء فيما عدا اختصاصات محددة ورد النص عليها حصرا فيمارسها بمفرده، وهي الاختصاصات الواردة في المواد 143 و149 و150 و152 و153 من الدستور وهي كلها اختصاصات علي درجة من الأهمية والخطورة لا نعرف سبب نص مسودة الدستور علي استئثار الرئيس بها، رغم أنه من غير المتصور أن يكون بمقدوره ممارستها «فيما عدا تعيين رئيس الحكومة» دون عون من الحكومة وجهازها التنفيذي.. «ومن اللافت للانتباه أنه بالنسبة للاختصاصات التي يمارسها الرئيس مع الحكومة، حرصت مسودة الدستور علي أن تستخدم تعبيرا غائما غير منضبط وهو تعبيرمشاركة الحكومة للرئيس في ممارسة هذه الاختصاصات، ولفظ الاشتراك أو المشاركة في مجال القانون الدستوري «علي خلاف القانون الجنائي» لفظ غير منضبط، الاشتراك في مجال القانون الجنائي يكون بالتحريض أو المساعدة أو الاتفاق علي ارتكاب الجريمة، لكننا هنا لسنا بصدد جريمة ترتكب، بل بصدد ممارسة للحكم، ومن هنا يفهم الاشتراك في النص الدستوري بمعني المعاونة، أي أن الحكومة ستعاون الرئيس في ممارسة سلطاته الأخري، عدا ما انفرد به من سلطات حصرا بنص الدستور، والمعاونة أو الاشتراك السياسي لفظان غير منضبطين قد يعنيان مجرد المشورة وأخذ الرأي.

والأخطر أنه بالرغم من هذه السلطات الواسعة والمطلقة والتي تكاد تحول رئيس الجمهورية إلي صاحب القرار السياسي والتنفيذي والإداري الوحيد، فلا يوجد نص واحد حول مسئولية الرئيس السياسية «حال كونه يحكم شئون مصر من الفها إلي يائها» إن رئيس الجمهورية في الدستور الإخواني السلفي «يملك ويحكم» ولا يسأل عما يفعل!!

ويلفت المستشار طارق البشري النظر لقضيتين مهمتين.

الأولي هو سماح مسودة الدستور لرئيس الجمهورية أن يكون مزدوج الجنسية يحمل مع جنسيته المصرية جنسية دولة أخري حلف لها يمين الولاء وأقسم بانتمائه لها، وتجيز له أيضا أن يكون من أبوين مزدوجي الجنسية وأن يكون متزوجا من أجنبية «رغم أن الدبلوماسيين حتي من أصغر الرتب ممنوع عليهم التزوج من أجنبية، فما بالك برئيس الدولة الذي يمثلها بين دول العالم أجمع، ورغم أن العسكريين حتي من أصغر الرتب ممنوع عليهم ذلك أيضا، فما بالك بالقائد الأعلي للقوات المسلحة، ورغم أن ثمة أحكاما من المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة يمنع مزدوج الجنسية من أن يتولي منصبا ذا ولاية عامة، وحرمت عضو مجلس الشعب من عضويته لهذا السبب، وسندت حكمها بأن حلف يمين الولاء لدولة أخري يجرده من إمكانية توليه هذه الولاية العامة.

المثير للدهشة أن مسودة الدستور قبل الأخيرة كانت تمنع رئيس الوزراء والوزراء من أن يكون أي منهم مزدوج الجنسية وتشترط فيهم جميعا أن يكون مصريا غير حامل لجنسية دولة أخري، ولكن تم حذف النص في مسودة 5 نوفمبر 2011!!

الثانية تتعلق بالمادة 147 التي تجيز لرئيس الجمهورية أن يفوض بعضا من اختصاصاته لرئيس الوزراء أو نوابه أو الوزراء أو المحافظين «وذلك علي النحو الذي ينظمه القانون»، ويلفت البشري النظر إلي أنه مادام أن القانون هو الأداة التي تنظم التفويض فكيف يصدر قانون يجيز لرئيس الجمهورية أن يفوض ما ترك علي سبيل الحصر والتخصيص له، سواء حل مجلس النواب أو تعيين عسكريين أو غير ذلك «إبرام المعاهدات – إعلان الحرب – إعلان حالة الطوارئ»، وذلك مادامت هذه الاختصاصات مستبعدة مما يتولاه رئيس الجمهورية بواسطة وزرائه «بمعني أنه هل يجوز للقانون الذي تصدره السلطة التشريعية أن يجيز تفويض رئيس الجمهورية في سلطته المحتجزة دستوريا له، يجيز التفويض فيها للوزراء والمحافظين؟! وإن كان ذلك كذلك فلماذا استبعدت هذه الاختصاصات مما يتولاه رئيس الجمهورية بواسطة وزرائه طبقا لنص المادة 146؟ «الأمر يدعو للحيرة».

انتهاك استقلال القضاء

الملاحظة الثالثة تتعلق بالسلطة القضائية واستقلالها، فالمواد من 173 وحتي 181 والتي وردت في باب «السلطة القضائية» تنتهك استقلال القضاء، ويشوبها قصور في الضمانات التي تدعم استقلال القضاء وغموض حول دور النيابة العامة.

– فهناك «شذوذ واعوجاج في تعريف السلطة القضائية» فاعتبرت المادة 175 النيابة المدنية والنيابة الإدارية من قبيل الهيئات القضائية، متجاهلة أن «القضاء هو الفصل في الخصومات» وبالتالي لا ينطبق لفظ القضاء إلا علي القضاء العادي و«النيابة العامة» ومجلس الدولة.

– غموض النص الخاص بالنيابة المدنية (المادة 179).

– حصر اختصاص النيابة العامة في سلطة الادعاء دون التحقيق (المادة 178) وهي الصيغة التي تمنحها الصفة القضائية ابتداء، والفصل بين النيابة العامة والقضاء رغم استقرار المناخ التشريعي المصري عن كون النيابة العامة شعبة أصيلة من شعب القضاء.

– إقحام مادة خاصة بالنائب العام بهدف إقصاء النائب العام الحالي (مادة تفصيل) وهي المادة 178 التي تحدد مدة النائب العام بأربع سنوات، وأصبحت هذه المادة تسمي بين رجال القضاء وفي الإعلام «مادة المستشار عبدالمجيد محمود»!

– إهدار أهم الضمانات التي تحول دون تغول السلطة التشريعية علي نظيرتها القضائية، وهي لزوم موافقة المجالس القضائية العليا علي القوانين المزمع تعديلها بشأن السلطة القضائية بواسطة السلطة التشريعية، «حتي لا يترك شأن القضاء والقضاة لتتخبطه رياح أهواء التيارات السياسية بين التوافق والخصومة».

– عدم النص علي لزوم المساواة بين جميع الهيئات القضائية، وهو الأمر الذي يفتح باب التمييز دون موضع أو مقتضي.

– خلو مسودة الدستور من نص يلزم جهات الدولة بتنفيذ كل أحكام القضاء والتي تتوافر لها صفة الإلزامية.

– خلو النص من وجوب تحصين الأحكام ومصدريها من التناول بالقدح أو المدح في غير الأوساط العلمية علي يد المتخصصين.

عدوان علي المحكمة الدستورية

الملاحظة الرابعة خاصة بالمحكمة الدستورية العليا (المواد من 182 وحتي 185)، فقد خلت هذه المواد من اختصاصات ثلاث رئيسية للمحكمة الدستورية العليا حازتها ومارستها في ظل دستور 1971 وهي الفصل في تناقض الأحكام النهائية، ومنازعات التنفيذ الخاصة بأحكام المحكمة الدستورية، وطلبات أعضاء المحكمة.

وهناك غموض متعمد فيما يتعلق بتشكيل المحكمة وتعيين أعضائها ورئيسها، فالمادة 183 اكتفت بالقول «يكون تعيينهم ممن يرشحون وفقا للقانون بقرار من رئيس الجمهورية».

ولا يمكن قراءة هذا النص بعيدا عن النص المقابل في المسودات السابقة في 14 و24 أكتوبر 2012، فقد نصت الفقرة الثانية من المادة 183 علي أن أعضاء المحكمة الدستورية العليا «يختارون بناء علي ترشيح من الجمعيات العمومية للمحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض ومجلس الدولة ومحاكم الاستئناف وفقا لما ينظمه القانون»، لقد تراجعت الجمعية التأسيسية «الإخوانية – السلفية» شكليا أمام اعتراض المحكمة الدستورية العليا الذي انصب علي أعطاء رئيس الجمهورية سلطة تعيين رئيس وأعضاء المحكمة «بما يشكل ردة غير مسبوقة عن مبدأ استقلال واختيار قضاتها، كما يمثل تسليطا لإحدي سلطات الدولة وهي السلطة التنفيذية علي سلطة أخري علي نحو من شأنه أن يتجاهل ما ناضلت من أجله المحكمة الدستورية العليا بعد ثورة 25 يناير، بما يقصر سلطة تعيين رئيس وأعضاء المحكمة علي الجمعية العمومية للمحكمة» كما اعترضت علي تولي هيئات قضائية أخري ترشيح أعضاء المحكمة الدستورية العليا، وأقول تراجعا شكليا لأن إحالة تشكيل المحكمة وتعيين أعضائها للقانون سيتيح للسلطة التشريعية تطبيق هذا النص الذي تم رفعه من مسودة الدستور.

والنص في المادة 184 من المسودة علي اختصاص المحكمة الدستورية بالرقابة السابقة علي دستورية مشروعات القوانين المنظمة للانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية، من شأنه – كما قالت المحكمة الدستورية العليا في اعتراضها علي مسودة الدستور الصادرة في أكتوبر الماضي – «أن يحصن القوانين من الرقابة اللاحقة علي نحو غير ملزم للسلطة التشريعي أن تلتزم بما أبدته هذه المحكمة من أوجه العوار الدستوري بقرارها الصادر بهذا الشأن.. فيجوز أن تفصل المحكمة الدستورية في مدي دستورية نص أو أكثر ويتم إرساله للبرلمان، ولكن يقوم المجلس التشريعي بتفسيره تفسيرا خاطئا ويتم تطبيقه بشكل لم تقصده المحكمة الدستورية في حكمها، ولا يمكن الطعن علي النص وإعادة القانون للدستورية العليا لمعرفة مدي تطبيق حكمها من عدمه».

وهناك مواد أخري متفرقة بها عوار واضح أشار إليها عدد من الناقدين لهذه المسودة.

>>> في ضوء هذه الحقائق تصبح الدعوة لإسقاط الجمعية التأسيسية وإسقاط مسودة الدستور «الإخواني السلفي» ضرورة وطنية، يتحمل مسئوليتها كل الأحزاب والقوي السياسية والحركات الاحتجاجية والاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات، مجتمعة وكل علي حدة، وفاء للشعب ولثورة 25 يناير.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق