فريدة النقاش تكتب : تحرير الإعلام

29

سوف تتعقد عملية السعي لتحرير الإعلام المصري سواء في محاولة الانفلات من سيطرة رأس المال علي الإعلام الخاص أو علي الأقل تحجيم هذه السيطرة، أو من سيطرة الحكومة علي الإعلام العام الذي هو نظريا ملك للشعب، وقد ناضل الإعلاميون كثيرا وطويلا من أجل أن تصبح ملكية الشعب حقيقة لا مجرد أقوال أي أن يصبح الإعلام فعلا مستقلا عن السلطة قانونيا وتنظيميا وسياسيا ليعبر عن كل المجتمع وليس عن الحكومة فقط أي أن يكون إعلاما للدولة المصرية لا للحكومة. ومصدر التعقيد الرئيسي الآن هو الإعلان الدستوري الجديد غير الشرعي الذي أصدره الرئيس «محمد مرسي» وأصبح بمقتضاه حاكما فردا مهيمنا علي كل مفاصل الدولة بما فيها الإعلام القومي.

من المفترض نظريا أن يعبر الإعلام القومي عن كل قوي المجتمع ومناطقه وتياراته سياسية وفكرية، اجتماعية واقتصادية، ولكن هذه القرارات سوف تتجه طبقا لمؤشرات كثيرة إلي إحكام القبضة علي الإعلام القومي بل والتضييق علي الإعلام الخاص وصولا لإسكات صوته، وقد تجلي هذا التوجه في كل من الطريقة التي تعامل بها مجلس الشوري الذي يسيطر عليه نواب الإسلام السياسي مع رؤساء تحرير ورؤساء مجالس إدارات الصحف التي يملكها نيابة عن الحكومة وذلك حين اختار معظمهم لا علي أسس مهنية موضوعية وإنما علي أساس واحد هو الولاء للحكام الجدد.

كذلك بينت المسودات المختلفة لمشاريع الدساتير التي عرضتها الجمعية التأسيسية علي المصريين حتي الآن نزوعا واضحا لفرض الوصاية علي أجهزة الإعلام ومراقبتها ومعاقبتها عامة وخاصة، وما إغلاق قناة دريم إلا رأس الذئب الطائر. كما تجلي هذا التوجه بغاية الوضوح في مقترحات المواد التي تدعو لمصادرة الصحف وإغلاقها وحبس الصحفيين في قضايا النشر.

ورغم الحرية النسبية التي تتمتع بها الصحف والقنوات التليفزيونية الخاصة التي يمولها رأس المال، فإن مثل هذه الحرية ومضمونها تظلان مرهونتين إلي حد كبير بطبيعة النشاط الأساسي لرأس المال وإذا ما كان نشاطا إنتاجيا يسهم في توسيع القاعدة الاقتصادية في البلاد، أم نشاط مضاربات ووكالة وسمسرة، في الحالة الأولي يخضع نشاط رأس المال للسوق الوطني فتخدم علاقاته الخارجية الاحتياجات الداخلية للبلاد وتلتزم بها، وفي هذه الحالة يمكن أن نثق في الدور الذي تلعبه هذه القنوات والصحف في تنمية الديمقراطية والتحاور عقلانيا بين ممثلين لكل قوي المجتمع وتياراته.

أما في الحالة الثانية فسوف أذكر قول صديقة أمريكية إنها أحيانا ما تقضي أربع ساعات أمام التليفزيون وحين تبحث عن ما خرجت به فلا تجد شيئا، أي أن دفع الجمهور إلي تضييع الوقت واستخدام كل وسائل الإثارة الفارغة مع بث رسائل رجعية معادية للكادحين وللحريات في الغالب الأعم، بل وسوف نلاحظ في السياق المصري أن بعض القنوات التي تضع لافتات دينية تحض لا علي كراهية أصحاب الديانات الأخري بما يعني تأجيج الفتنة الطائفية وإنما تطعن علي عقائد المسلمين غير السنة مثل الشيعة والدروز والعلويين ارتباطا بأيديولوجيات عنصرية وتمييزية تفرق بين البشر، وإذا ما تحرر إعلام الدولة ولو نسبيا فإنه سوف يدفع الإعلام الخاص في اتجاهات جادة وديمقراطية ليلعب دورا تقدميا عقلانيا يضاعف مع إعلام الدولة المتراكم في سجل الحركة الوطنية والشعبية والاجتماعية في البلاد، ويفتح الأبواب أمام حرية الإعلام يتحول بمقتضاها إلي أداة للتنوير والتقدم تدفع بالصراع الاجتماعي إلي الأطر الصحيحة والصحية التي تفضي إلي تطوير الحياة وتحسين مستوي معيشة وتفكير الكادحين، وتنمية قدراتهم ومواهبهم، بل وتساعد حتي علي الوصول إلي توافق سياسي – اجتماعي يجري بناؤه علي المشتركات الكبري بين كل الطبقات الوطنية والقوي الديمقراطية، وهو دور تلعبه فعلا بعض هذه الصحف والقنوات التليفزيونية، ولعل أبرزها في هذا السياق الديمقراطي أن تكون قنوات أون تي في وفي قلب هذا الهجوم الكاسح علي الحريات، والاعتداء علي السلطة القضائية، ومد العمل للجمعية التأسيسية الباطلة رغم أنف كل القوي الديمقراطية.. في القلب من هذا السواد تبرز نقاط ضوء علينا أن نمشي خلفها، أولها الاتجاه العالمي لتأكيد الحريات والحقوق الديمقراطية، ونحن نعيش في قرية صغيرة كما يقال.

كذلك فإن ثورة المعلومات الحديثة، وولادة أجيال جديدة في قنوات التواصل بين البشر التي تصعب مراقبتها أو حجبها وإتقان الشباب الفذ للتعامل معها وبينهم شباب الإعلاميين تشكل جميعها ملاذا مهما للحركة الديمقراطية، بل وهي أيضا أداة تعبئة للجماهير المتعطشة للتغيير والتواقة لاستكمال ثورتها وسيكون من بين المهامات التي تلقيها الثورة علي عاتق شبابها خلق جسور بين المعرفة التي يتوفرون عليها كأداة إعلامية حديثة وبين الجماهير الكادحة والأمية التي كانت وستبقي وقودا للثورة بالرغم من الهوان والحرمان.

أما الإعلاميون والذين قدموا أكثر من مشروع لتحرير الإعلام ولم يستمع إليهم أحد فهم مدعوون لأن يواصلوا كفاحهم ويحشدوا جهودهم ويسقطوا الحواجز الزائفة بين الصحافة المقروءة ورقية وإلكترونية وبين الإذاعة والتليفزيون من جهة أخري ففي الاتحاد قوة كما تعلمنا. إن تحرير الإعلام هو معركة تندرج ضمن أهم معارك النضال الوطني والديمقراطي، بل إنها تقف علي رأس الأولويات في هذه العملية المتواصلة علي كل الجهات لاستكمال ثورة 25 يناير ووضع شعاراتها النبيلة موضع التنفيذ، وما ضاع حق وراءه مطالب، وهذا ما يعرفه جيدا كل المناضلين من أجل الحرية والعيش والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق