د. رفعت السعيد يكتب :الطبقة العاملة المصرية .. في غمار النضال (1)

63

لم يكن هيرودوت مخطئا عندما قال تلك الجملة العبقرية «سأتكلم كثيرا عن مصر، ففي مصر من الأشياء العجيبة ما لا يوجد في بلد آخر».

ولعل التكوين الطبقي هو أحد المظاهر الأساسية للاختلاف المصري عن الآخرين، فعندما نتحدث عن نشأة الطبقة العاملة نكتشف الاختلاف الحقيقي، وإذا كان روبرت داهل في كتابه ondemocracy قد قدم لنا تفسيرا مبسطا لنشأة المكون المجتمعي قائلا «إن ضرورات تسيير الشئون العامة للمجتمع قد فرضت نموا طبيعيا لممكنات تطور هذه المجتمعات، فقد نمت نموا طبيعيا كما ينمو العشب البري»، وإذا كانت متطلبات نمو العشب البري هي أرض + ماء + مناخ وتبقي هكذا في كل مكان، فإن مصر قد جعلت لعشبها الآتي عبر ذات المكونات منحي آخر وأثمرت منه تكوينا مجتمعيا مختلفا، تبدي متميزا في التكوين المجتمعي عبر النصف الأخير من القرن التاسع عشر.. وتمادي علي مدي الزمان.

ويمكن القول فيما يخص الطبقة العاملة المصرية أنها نشأت مع توجه محمد علي باشا الثلاثي الأبعاد والمستند إلي تحديث – تغريب – تصنيع، بما أثمر بذرة صناعية حديثة تمثلت في عام 1837 في 29 مصنعا حديثا تضم 000.30 عامل (راشد البراوي – محمد حمزة عليش – التطور الاقتصادي في العصر الحديث – ص63) لكن هذا العشب الجديد والمتميز ما لبث أن تهاوي تحت الضغوط الأجنبية علي نظام محمد علي.

وبعد عصر محمد علي فتحت مصر أبوابها بسبب ضعف حكامها وسوء تصرفاتهم أمام مئات الآلاف من الأجانب تحدث عنهم ديفيد لاندز قائلا «كان كثيرون منهم من فقراء وحثالة أوروبا ومارسوا مختلف الأنشطة الاقتصادية الشريفة وغير الشريفة محتمين بالامتيازات الأجنبية، ومستمتعين بخبرات وقدرات وحداثة لم تكن متوافرة لدي المصريين (بنوك وباشوات – ترجمة عبدالعظيم أنيس – ص82)، ولأن عوامل عدة منها الامتيازات الأجنبية والمحاكم القنصلية والفتاوي الدينية المتخلفة والتي حرمت التعامل مع المصارف وشركات التأمين قد قيدت خطي التجار المصريين ومنعتهم من أن يتحولوا إلي برجوازية صناعية، بالإضافة إلي نجاح كرومر في بناء شبكات للري والصرف رفعت إلي حد كبير من إنتاجية الأرض الزراعية ومكنت من استصلاح مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية بما اجتذب الأموال المتراكمة لدي التجار المصريين نحو تملك الأراضي الزراعية، وليس نحو التصنيع، هذا بالإضافة إلي ما أكده لاندز «كان المجتمع المصري لا يحتوي علي المقاولين والمستثمرين والمهندسين القادرين علي تحقيق ثورة اقتصادية، كما لم يكن يمتلك القيم التي تشجع علي إفراز رجال الأعمال والفنيين المتمتعين بالحداثة والمعرفة بالتطورات الغربية الجديدة، ومن ثم كان الأوروبيون وحدهم قادرين علي تقديم رءوس الأموال والمهارة القادرة علي تطبيق آليات وتكنيك وإنشاءات الحضارة الغربية» (ص83).

وهكذا تباعد المال المصري المكتنز لدي التجار وكبار الأثرياء عن مجال الصناعة، وانفردت الاستثمارات الأجنبية بالجنيه الصناعي ذي النسق الرأسمالي، بما خلق فئة رأسمالية صناعية ذات انتماء أجنبي.

ويتضح ذلك من الجدول التالي، والذي يوضح التطور المتسارع للاستثمارات الأجنبية..

السنة

1892

 -1907 –

 1912

الاستثمارات الأجنبية.. بالجنيه

000.326.7

000.176.87

000.52.100

وتبدأ صناعات حديثة بآلات حديثة وعلاقات عمل حديثة وعمال ذوي مكون فني ومهني وعقلي حديث.

وكانت صناعات مثل لفافي السجاير وحلج القطن وعصر بذرته وصناعة الخدمات (الترام – الغاز – النقل.. إلخ) تستند إلي تكوين عمالي مختلط من أجانب ومصريين، وهنا نتوقف أمام تكوين عمالي مصري مثير للتأمل

عمال «بروليتاريا» مصريين يسبقون وياللدهشة المكون الرأسمالي «البرجوازي» المصري، بما خلق حالة من الدمج بين المطالب الطبقية والصراع الوطني ضد الأجنبي.

وأيضا أتاح الفرصة لهؤلاء العمال المصريين أن ينقلوا وبسرعة غير متوقعة التجارب النضالية للعمال الأجانب، سواء في إيجاد تشكيلات نقابية اتخذت أحيانا طابع السرية «مثل جمعية بؤساء السكة الحديد» أو في العمل النضالي المباشر مثل الإضرابات والاعتصامات أو في الطموح الطبقي في تحديد مطالب حديثة مثل تحديد ساعات العمل – والإجازات مدفوعة الأجر – والحصول علي أجور ملائمة، والعلاج الطبي.. إلخ.

وهكذا وفي ظل حالة مصرية تماما، مختلفة عن نشأة وتطور الحركة العمالية الأوروبية بدأت الطبقة العاملة المصرية في النهوض المبكر.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق