عمار الشريعي غواص في بحر النغم والحياة

26

كتب : عيد عبدالحليم

عمار الشريعي حالة مصرية خالصة، فنان آمن بأن الفن رسالة ومبدأ، وأن الفن هوية وأسلوب حياة لذا جاءت أعماله لتعبر عن الشخصية المصرية في فرحها وحزنها، في انكسارها وتألقها، في عنفوانها وضعفها.

منذ طفولته المبكرة، وهو يجوب شوارع مدينة سمالوط بمحافظة المنيا، وهو طالب في المراحل الأولي لتعليم ارتبطت أذنه بالموسيقي وحب النغم، هذه الأذن الموسيقية جاءت عوضا عن حاسة البصر حيث ولد كفيفا.

ولا عجب أن يمتلك «الشريعي» صفة التحدي التي امتلكها بلدياته رائد التنوير المصري الحديث د. طه حسين الذي أضاء العالم العربي بمؤلفاته وآرائه النهضوية، فكلاهما وإن فقد نور البصر إلا أنهما أعطا للآخرين نور الأمل، والتطلع للمستقبل بقلوب مفتوحة من خلال الفكر التقدمي والفن التقدمي إن صح التعبير.

ومن الصدف الجميلة أن يحصل «الشريعي» علي الشهادة الثانوية من مدرسة «طه حسين للمكفوفين» بالقاهرة يلتحق بعدها بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب جامعة عين شمس والتي تخرج فيها عام 1970.

وفي تلك الفترة بدأ وعي «الشريعي» يتزايد بقيمة الفن والذي كان مشاركا في الأحداث السياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر في تلك الفترة خاصة مع صعود الحركة الطلابية في الجامعة المصرية بداية من عام 1968.

ولم يكتف «الشريعي» بما أعطاه الله من موهبة فطرية، بل راح يثقل هذه الموهبة بالدراسة الأكاديمية فالتحق بـ «المركز النموذجي لرعاية وتأهيل المكفوفين»، وخلال تلك الفترة بدأ يراسل المراكز المتخصصة – في هذا المجال – علي مستوي العالم، ومنها «مدرسة هادلي سكول» الأمريكية والتي بدأت ترسل له بكل جديد وصل إليه فن الموسيقي – في تلك الفترة – فبدأ يتعرف علي «الموسيقي الأوبرالية والسيمفونية»، وتأكيداً لذلك ذهب إلي انجلترا ليتعلم قواعد الموسيقي الحديثة فالتحق بالأكاديمية الملكية البريطانية للموسيقي، وهناك تعلم العزف علي «البيانو» و«الأوكرديون» بالإضافة إلي ما تعلمه في مصر من إجادة العزف علي العود. وبعد عودته مباشرة من انجلترا بدأ طريقه في مجال التلحين فكانت أول أغنية يقدمها هي «امسكوا الخشب» للمطربة الراحلة «مها صبري» عام 1975 وهي أغنية تجمع بين الحس الشعبي والموسيقي الفلكلورية، والموسيقي الحديثة ذات الطابع الإيقاعي السريع.

وكان هذا اللحن – الذي يبدو بسيطا – رغم ما فيه من جملة موسيقية مركبة، البداية الحقيقية لوضعه علي طريق التجديد الموسيقي، فقد أيقن «عمار» منذ البداية أن النجاح الحقيقي هو الوصول إلي القاعدة الجماهيرية العريضة، بفن يحمل جماليات وخصائص فنية عالية، فحاول أن يقدم هذه المعادلة الصعبة، وقد نجح فيها خلال أربعين عاما.

فقد استخدم في ألحانه الآلات العربية التقليدية كالعود والقانون والكمنجة بالإضافة إلي الآلات الغربية كالأكرديون والبيانو وكان «الشريعي» عازفا مجيدا لهما.

والنقطة الأهم في تجربة «عمار الشريعي» أنه آمن بالفكر الجماعي في العمل الفني لذلك سعي منذ نهاية السبعينيات إلي تكوين فرقة فنية أسماها بفرقة الأصدقاء كان هو ملحنها وعازفها الأول وكان يشاركه فيها بالغناء علاء عبدالخالق ومني عبدالغني. وقد حاولت الفرقة والتي استمرت لعدة سنوات تقديم نموذج غنائي مصر يهتم بنقل التفاصيل الصغيرة في المجتمع المصري إلي الأغنية بلغة بسيطة لكنها عميقة الدلالة والمغزي.

ثم انتقل «عمار» بعد ذلك إلي لون غنائي أكثر جماهيرية وهو تلحين أغاني المسلسلات ووضع الموسيقي التصويرية لها مثل مسلسلات «أبوالعلا البشري» و«عصفور النار» و«ليلة القبض علي فاطمة» و«أرابيسك» و«زيزينيا» و«الليل وآخره» وغيرها من الأعمال التي شهدت علي قدرته علي توظيف الموروث الشعبي في إطار تيترات المسلسلات، ساعده علي ذلك كلمات كبار الشعراء أمثال سيد حجاب وعبدالرحمن الأبنودي، بل إن «الشريعي» شارك بالغناء في بعضها مثل مسلسل «ريا وسكينة».

ولا نستطيع أن ننسي أغنيته الرائعة في فيلم «البرئ» من إخراج عاطف الطيب.

لقد آمن «عمار الشريعي» بأن أقصر طريق إلي الجمهور هو التعبير عن القضية الإنسانية في إطار فني. ومع بدايات ثورة يناير 2011 كان من أوائل الفنانين الذين نزلوا إلي الميدان، رغم أنه كان يمر بحالة صحية حرجة، إيمانا منه بأن الفنان الحقيقي لابد وأن يكون له موقف واضح من الأحداث التي يمر بها وطنه.

وإذا كان «الشريعي» قد رحل بجسده فإن أعماله باقية في الوجدان المصري، كدلالة واضحة علي أن الفن الحقيقي لا يموت.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق