الرؤية السياسية عند نجيب محفوظ

19

بقلم| محمد عبدالله الهادي

«العبقرية صبر طويل».. تلك هي المقولة التي تصدرت الكتاب الذي أصدرته وزارة الثقافة المصرية بمناسبة حصول «نجيب محفوظ» علي جائزة نوبل، وهي مقولة تنطبق بحق برهانا ودليلا علي كاتبنا الكبير ورحلته الإبداعية الثرية، الممتدة بمحصلة مشواره الأدبي والفني لأكثر من نصف قرن.

عوالم نجيب محفوظ متعددة وتنطوي علي أبعاد كثيرة ومثيرة للدهشة والتأمل والحيرة، ولذا كان واجبا علي كل من يتصدي لها أن يحتشد بقدر من الجرأة والدقة والتمحيص، لأن هذه العوالم الزاخرة بالفن الصادق والبديع، قادرة علي البوح بالكثير من الأسرار والمعاني، ولأن هذا المقال معني بالرؤية السياسية عند «نجيب محفوظ» يكون السؤال المشروع بداية هو: هل كان «نجيب محفوظ» سياسيا مهموما في إبداعه؟، ومحاولة الإجابة المشروعة أيضا علي هذا السؤال، تستلزم الدخول لعوالمه وإبداعه الأدبي الذي يتميز بكونه مرتبطا بالعلاقات الاجتماعية بين الناس خاصة، وقضايا الوطن عامة، بل ويتعدي ارتباطها ذلك بالقضايا الإنسانية التي تهم البشر علي سطح الأرض، وأعماله التي تبلغ درجة عالية من الحس المتوهج والوعي المرهف بكل هذه القضايا في الواقع المعاش، لقد كانت الرؤية السياسية للقرارات الثقافية تدعو الجماهير بالضرورة الملحة للمشاركة في صنع هذه القرارات ومن ثم استهلاكها، وتدعو أيضا للتقارب بين المبدع والمتلقي، بتصور أن الأدب الجاد يستطيع أن يكون مؤثرا بفنه الخالص، وبدرجة كبيرة تعجز عنها كثير من وسائل الاتصال الأخري، هذا برغم الثورة الهائلة التي صاحبت وسائل الاتصال مؤخرا، وبالرغم أيضا من الدعوة المتكررة للفصل بين الحلم والواقع، وبين الروائي والسياسي، وبين الواقع المعاش وخيال المبدع.

عمل سياسي

علي ذلك فإن السياسة التي تصل بوسائلها لجميع مناحي الحياة، تجعلنا ننظر لأي عمل أدبي، مهما تعددت أشكاله ومضامينه، بأنه سياسي بدرجة ما، أو بمعني آخر تلك العلاقة المعقدة بين الإبداع الأدبي من ناحية وهموم المجتمع من ناحية أخري، ومما هو معروف عن «محفوظ» أنه طوال رحلته الإبداعية لم يوظف إبداعه في خدمة شعار سياسي سلطوي، أو أنه قد أطر إبداعه بالحجم الذي يخدم غرضا سياسيا لأجل مطمع أو مطمح شخصي ضيق الأفق، كما لم يعرف عنه أيضا أنه قد تبني دعوة عنصرية أو متطرفة، بالرغم من وقوع الكثيرين من أبناء جيله في هذا الشرك، خاصة أدباء المنظومة الاشتراكية التي تفككت وانهارت بانهيار الاتحاد السوفيتي، لقد ظل «محفوظ» مؤمنا بأهمية الدور الذي يجب أن يلعبه الأدب في المجتمعات النامية.

وعن تطور العلاقة بين السياسة والأدب العربي، يحضرني الآن موقف الرائد «محمد حسين هيكل»، الذي رفض وضع اسمه وهو السياسي البارز علي روايته الشهيرة «زينب»، مخافة الانتقاص من قدره في هذه المرحلة المبكرة من تاريخ الرواية العربية، التي كان لمحفوظ فيما بعد، دور رائد في تطورها ووصولها للعالمية، بعد جيل الرواد: عباس العقاد وطه حسين وإبراهيم المازني والحكيم وغيرهم.

أعمال «محفوظ» فيما سمي بالمرحلة الفرعونية كانت: «عبث الأقدار» 1939 – رادوبيس 1943 – كفاح طيبة 1944 – وفيها يدعو إلي معاني الحرية والتطلع لأمجاد الماضي من أجل الحاضر، النضال ضد المحتل، وإدانة سياسات المستعمر التي تؤمن بالقوة والبطش والاستبداد، لذا كان الغرض الرئيسي للطرح التاريخي الروائي هو مصر وتحررها، والحقيقة أنها لم تكن رؤيته فقط وهو الذي نشأ في كنف ثورة 1919، بل كانت رؤية أبناء جيله من الرواد أيضا.

مراحل الابداع

ثم جاءت مراحل إبداعه التالية: الواقعية (1945 – 1967) بمرحلتيها الأولي والثانية، الأولي التي يتناول فيها مصر قبل ثورة يوليو 1952 والتي بدأت بروايته «القاهرة الجديدة» 1946، والثانية التي تتناول مصر بعد الثورة والتي بدأها بـ «اللص والكلاب» 1961، ثم المرحلة الأخيرة من مراحل إبداعه التي بدأت بالمرايا 1971، ولقد اتهم «محفوظ» ظلما بالتناقض بين موقفه السياسي في رواياته وموقفه السياسي المعلن، وهذا ما كان ينفيه دوما داعيا القارئ الذكي للفهم الصحيح، روايات قبل الثورة «الثلاثية – بداية ونهاية.. وغيرهما» لم تكن مؤيدة للحكم القائم، وبعد الثورة «ميرامار – اللص والكلاب – ثرثرة فوق النيل.. وغيرها» يمكن أن تضع «محفوظ» في خانة المعارضة لـ «عبدالناصر»، وهكذا استمر الحال في عهد «السادات» الذي لم تنشر بعض أعمال «محفوظ» في عهده بصحيفة الأهرام لأول مرة، ويؤكد «محفوظ» أنه كان دائما ما يحمل علي السلبيات ويؤيد الإيجابيات، الثلاثية «بين القصرين – قصر الشوق – السكرية» تتناول الأحداث السياسية من 1917 حتي 1944، والحركة الوطنية بقيادة «سعد زغلول»، وأقرب الشخصيات ميلا لشخصية «نجيب محفوظ» في الثلاثية هي شخصية «كمال عبدالجواد» وابن شقيقه «أحمد»، أما «السيد أحمد عبدالجواد».. «سي السيد» كان رجلا وطنيا يجيش قلبه بحب الوطن، والثلاثية كعمل ضخم يؤكد علي البعد الوطني للوفد و«سعد زغلول» والشعب بالمظاهرات والعمل السري والتضحيات من أجل الاستقلال.

نافذة الواقع

في «ثرثرة فوق النيل» تتطاير الكلمات من الأفواه ساخرة وناقدة الواقع، المخدر مبرر وطريق للسياسة وعالمها والأزمة الناشئة عن اصطدام الحلم بالواقع، وفي «السمان والخريف» تتجلي أزمة الوعي السياسي في فترة الثورة، وفي «يوم مقتل الزعيم» يأتي التناقض أيضا بين الأحلام والشعارات والفساد والتراوح بين الجانب السياسي والاجتماعي من خلال النقد اللاذع للأوضاع القائمة.

ليس هذا علي المستوي الروائي فقط، بل يتجلي أيضا في اسهاماته في القصة القصيرة: همس الجنون – دنيا الله – بيت سييء السمعة – خمارة القط الأسود – تحت المظلة.. وغيرها، في هذه المحطات القصصية القصيرة التي توقف فيها قطار إبداعه بين أعماله الروائية، أدان فيها قوي الشر والبطش والقهر ووحدانية السلطة، وأشار لحركة الجماهير الرافضة لتجاوز الأجهزة القمعية، يقول «نجيب محفوظ»: «أنا أعيش دائما في الخانة التي تلتقي فيها الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية، وأنا أدافع دائما عن هذا الرأي».

موقف الديمقراطية

وأشار إلي أنه في بداية ثورة يوليو 1952 تعرف علي الديمقراطية من أهدافها وليس بذاتها، لكنه كان أكثر الناس الذين أسفوا لتأجيل تطبيقها، وأكد أن رواياته وقصصه القصيرة خير دليل علي ذلك، فهي تدور حول عزلة المثقفين بسبب عدم المشاركة السياسية ضد عيوب النظام الشمولي، كما في القصتين: «الخوف» و«الانتظار»، ولقد ظل واعيا لما حرم منه الشعب طوال تاريخه، فالثورة حققت إنجازات رائعة في صالح الفقراء: التعليم والصحة والتصنيع وارتفاع مستوي المعيشة، هذا لم يحدث في مصر طوال تاريخها السابق علي الثورة، هذا كله جعله يقبل تأجيل الديمقراطية نظير هذه الإنجازات، فهذه المكاسب كبيرة جدا، لم تشهدها مصر في عصور الديمقراطية الحقيقية التي مرت عليها، بسبب ظروف الاستعمار وفساد الحكم وضغط الحركة الوطنية، لكن «عبدالناصر» الذي اكتوي بنار الأجهزة فيما بعد، جعل «محفوظ» يدرك أن الديمقراطية ليست مفيدة كنظام في حد ذاتها، بل هي القيمة التي تحفظ جميع القيم الأخري، سواء في السياسة أو التنمية أو الإنتاج، هذا كله تعرض للخطر بسبب انتهازية الأجهزة الفاسدة، وعندما حدثت نكسة 1967 أدرك بجلاء أنه لا نهضة ولا حياة حقيقية بلا ديمقراطية، بل إن «عبدالناصر» نفسه كادت إنجازاته أن تذهب ضحية للحكم الفردي، لكل هذا رحب «محفوظ» باتجاه «السادات» نحو فتح النوافذ لبناء الديمقراطية، وعن الديمقراطية يقول «نجيب محفوظ»: «الديمقراطية عملية تاريخية طويلة المدي بمؤسسات ترسخ باستمرار، وتمتد للثقافة والتربية والأسرة حتي تصل للفرد في سلوكه اليومي مع الآخرين ومع نفسه، إنها عملية تحتاج لتربية طويلة». وقال أيضا: «أنا أحتفظ باستقلالي السياسي من أجل أدبي حتي أستطيع أن أري السلبيات والإيجابيات بوضوح».

وعودة للسؤال: هل كان نجيب محفوظ مهموما سياسيا في إبداعه؟.. إن هذه الإطلالة علي رؤيته السياسية مجرد محاولة للإجابة والفهم.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق