حسين عبدالرازق يكتب : الحسيني أبوضيف.. الشهيد الحي

18

لم أكن أعرف أنني سأكون موضوعا لآخر تحقيق تليفزيوني لهذا الشاب الجميل الذي يتفجر حيوية وحماسا والذي حضر إلي مكتبي بحزب التجمع صباح الثلاثاء 4 ديسمبر ومعه طاقم التليفزيون الألماني، سألني عن بداية عملي بالصحافة عام 1961 وحتي اليوم وعن عملي بالسياسة من خلال حزب التجمع وقبل تأسيس الحزب، وعن المتاعب والمصاعب التي واجهتها وعدد مرات دخولي السجن ومنعي من الكتابة والعمل بالصحيفة القومية التي كنت أنتمي إليها «الأخبار» والذي استمر من عام 1975 وحتي نوفمبر 1996 وانضم «الحسيني أبوضيف» إلي المحتجين في وقفة الصحفيين وقاد الهتاف ضد حكم المرشد والدستور الإخواني – السلفي، وكنت أقف خلفه وأردد مع آلاف الصحفيين الهتافات، وبعد وصولنا لميدان التحرير، أخذني جانبا واستكمل الحوار التليفزيوني معي حول الأوضاع الراهنة في مصر ودور الصحفيين فيها.

عندما وصلني خبر إطلاق النار عليه مساء الأربعاء أثناء تغطيته لأحداث الاتحادية بمصر الجديدة وإصابته في الرأس ليرقد في المستشفي بين الحياة والموت انتابني إحساس بالضياع ولم أستطع منع الدموع التي تساقطت، ظلت عيناي تدمعان رغما عني مع كل تطور أو تحرك من أجل «الحسيني أبوضيف»، حتي والهتافات ترتفع في المسيرة التي نظمتها نقابة الصحفيين يوم الجمعة 7 ديسمبر مساندة للحسيني «الشهيد الحي» كما أطلق عليه خلال فترة وجوده في المستشفي، رددنا جميعا في هذه المسيرة «يا حسيني يا ولد.. دمك بيحرر بلد».

وعشنا سبعة أيام متشبثين بأمل ضعيف، أمل يتناقض مع العلم والمنطق، حتي جاءنا الخبر اليقين.. خبر استشهاد «الحسيني أبوضيف» ورحيله إلي جنة الخلد ظهر الأربعاء 12 يسمبر 2012.

واستعرض زملاؤه وأصدقاؤه ورفاقه تاريخه ونضاله الطويل رغم قصر حياته، فهو الابن الأكبر لأسرة مصرية بسيطة الحال، والده سائق، أنجب ثمانية (6 أولاد وبنتان)، حرص علي تعليمهم جميعا وصولا للجامعة، فالحسيني خريج كلية الحقوق جامعة أسيوط، وشقيقه أبوضيف خريج كلية التجارة.. وهكذا.

وللحسيني ملف كبير في مباحث أمن الدولة، خاصة خلال سنوات الدراسة في الجامعة ونشاطه كناصري مع اليسار في معارك الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان ومساندة الثورة الفلسطينية وقضايا الوطن والأمة، ويذكر أساتذته في كلية الحقوق بجامعة أسيوط بإعجاب القضية التي رفعها – وكان مايزال طالبا – ضد فرض مصروفات جامعية رغم أن الدستور ينص علي مجانية التعليم، ومنعت إدارة الكلية إعلان نتيجة امتحانه لعدم دفعه المصاريف المقررة، ولكنها اضطرت إلي إعلانها بعد أن حكم القضاء الإداري لصالحه، مما أدي إلي إلغاء المصاريف المقررة في الجامعة.

وشارك الحسيني في تأسيس حركة «كفاية» في أسيوط وتشكيل حركة «عايز حقي»، واعتقل عدة مرات خلال حكم مبارك.

وعام 2006 وقف مع آخرين ضمن الوقفة الاحتجاجية التي نظمتها لجنة الحريات بالنقابة ضد المحاكمات العسكرية لخيرت الشاطر و40 من قيادات جماعة الإخوان المسلمين.

وبعد 6 شهور قررت جماعة «محمد مرسي» اغتياله لوقوفه ضد الدستور الإخواني – السلفي الذي يحول مصر إلي دولة دينية استبدادية ويميز ضد المرأة والأقباط وينتهك استقلال القضاء وحرية الصحافة..!

وطبقا لتقرير الطب الشرعي فقد توفي الحسيني بطلق ناري في الرأس من الجانب الأيمن للرأس أدي إلي تهتك خلايا المخ وكسر بقاع الجمجمة وكسر في الفقرات العنقية، وهو ما يشير إلي أن القاتل محترف وأطلق النار بهدف القتل تحديدا.

وتصل الجريمة ذروتها عندما استولي «أحمد سبيغ» الصحفي بالحرية والعدالة و«عبدالرحمن عز» المذيع بقناة 25 الإخوانية علي «الكاميرا» التي سجل بها الحسيني وقائع اعتداء ميليشيات الإخوان علي المتظاهرين أمام الاتحادية وتعذيبهم أمام بوابة رئاسة الجمهورية فبمجرد إطلاق النار عليه وسقوطه علي الأرض تقدما لانتزاع الكاميرا التي كانت معلقة علي رقبته والفرار بها.. وذلك طبقا لما ذكره محامي «الحسيني أبوضيف» الذي أكد أن هناك شهود علي الواقعة سيتم تقديمهم للنيابة.

لذلك لم يكن غريبا أن المشيعين لجنازة «الشهيد الحي» رددوا الهتافات التالية:

– «بلدي يا بلدي.. المرشد قتل ولدي»

– «الحسيني مات مقتول.. والرئيس هو المسئول»

– «قولوا للكداب والسفاح.. الحسيني معاهوش سلاح»

– «يا حسيني يا ولد.. دمك بيحرر بلد»

– «يسقط يسقط حكم المرشد»

ولا يمكن تجاهل الدور المهم الذي لعبه – ومايزال – مجلس نقابة الصحفيين في قضية اغتيال الحسيني أبوضيف – باستثناء النقيب – وفي قضية رفض الدستور الباطل والاستفتاء الباطل.

وفي القلب من هذا التحرك تبرز الزميلة «عبير سعدي» التي كانت الدينامو المولد لكل هذه الجهود والوقفات والمسيرات، خاصة في مواجهة جريمة اغتيال الحسيني، لم تكن مجرد زميلة صحفية ومسئولة نقابية، بل كانت وكأنها أم تدافع عن فلذة كبدها، أو الأخت الكبري تسعي لإنقاذ شقيقها الأصغر، كانت وماتزال إنسانة ومناضلة سياسية وقائدة نقابية.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق