د. رفعت السعيد يكتب : عن الخاسر والمهزوم بعد تزوير الاستفتاء

60

والآن نجح الإخوان في تمرير دستورهم، حشدوا حشودهم، وبعثروا أموالهم، وفقدوا أخلاقهم بتزوير مهين لكل من شارك فيه، أو سكت عليه مغمضا عيونا تستحق أن تفقأ عن جرائم انتخابية سافرة، فعلوا ذلك كله بنفوس مطمئنة وراضية تزعم لأصحابها أن أي جريمة سوف تختبئ تحت غلاف يقولون فيه أن الاستفتاء يحصن كل ما سبقه، فهل صوت الناس «بنعم نحن مع التزوير» أم إن الكثيرين ممن صوتوا بنعم خدعوهم بوهم الاستقرار أو بوهم أن نعم ستقودهم إلي الجنة، أو بمذاق دجاجة لم يتذوقوا طعم لحمها من قبل.

أو بنفحة مال تناولوه من قبيل البركة ناسين أن التزوير لا يسقط بالاستفتاء ولا بالتقادم، فالتاريخ هو الحكم، والتاريخ لم يزل يذكر أسماء المزورين ولم يزل يحاسبهم حساباً عسيراً، زيور باشا، اسماعيل صدقي باشا ثم امتدادا حتي اصحاب استفتاءات الـ 9ر99% وحتي برلمان 2010. وحكم التاريخ قاس بل شديد القسوة إلي درجة أن بعض أحفاد زيور باشا أخفوا اسم جدهم من أسمائهم محاذرة من معايرة الناس لهم، فقد تلبسهم .. «عار الزمان وسبة الأبد».

والآن وبعد التزوير وكل ما كان نعود لنسأل سؤالا جافاً وجاداً : من انتصر ومن هزم؟ والاجابة موحدة سواء عندنا أو حتي عند الإخوان، انتصر الشعب وانتصرت جبهة الانقاذ فقد أثبتت أنه برغم كل ما كان فإن نسبة عالية من المصريين رفضوا الدستور الإخواني – السلفي. رفضوه بنسبة أربكت الحسابات الإخوانية وحتي حساباتهم المقبلة في انتخابات مجلس النواب الآتي. وبنسبة أثبتت قيمة توحد كل القوي الوطنية والديمقراطية والليبرالية واليسارية في صف واحد موحد هو جبهة الإنقاذ الوطني، وهي قيمة ألهمت جماهير واسعة بالاصطفاف معها سواء في المسيرات أو المليونيات أو في التصويت بـ«لا» علي دستور يستحق ألف ألف «لا» وأقنعت كل اطراف الجبهة بضرورة الحفاظ علي وحدة هذه الجبهة وتماسكها. وبضرورة تمسكها بالعمل الموحد معا، والمقاومة معاً والاستعداد معاً لانتخابات مجلس النواب المقبلة.

والآن.. ما هي واجباتنا؟

> الإخوان وحلفاؤهم مرروا وثيقة باهتة ركيكة وملغومة بنوايا متربصة بالديمقراطية والليبرالية واحترام حقوق الإنسان وبحقوق المواطنة المتكافئة. لكن الدستور هو مجرد ورقة مكتوبة بنصوص باردة وتحتاج كي يجري تفعيلها إلي تحويلها إلي قوانين وممارسات عملية. وإذا كان سيدنا علي بن ابي طالب قد علمنا أن «القرآن لا ينطق وهو مكتوب وإنما ينطق به البشر وهو حمال أوجه». إذا كان الأمر كذلك مع القرآن المقدس والمنزل من سبحانه وتعالي بأوامره ونواهيه فماذا عن ورقة بائسة مغموسة بأفكار متخلفة ونوايا متأسلمة، ورقة نقول نحن أنها ضد مصالح الشعب والوطن ووقفت معنا في رفضها كل هذه الجماهير الغفيرة؟ والاجابة وبوضوح أن الورقة بذاتها لا تعنينا وأن علي أصحابها أن «يبلوها ويشربوا ميتها» وأن يستحملوا وزرها أمام الشعب الآن وفي المستقبل. وإنما يعنينا أن نرفض وبحزم كل إجراء أو قانون أو ممارسة أو فعل يأتي من تفسير متأسلم لواحد من الألغام المبثوثة بدهاء ساذج في كتابة المواد. سنقف ضدها وندعو الجماهير إلي رفضها، وسوف تستجيب الجماهير لنا أو بالدقة سنستجيب نحن لهذه الجماهير التي ستجد نفسها في مواجهة أخطاء وجرائم تستند إلي فهم متأسلم لعبارات جري تلغيم الدستور بها. وهكذا سنظل موحدين ومتأهبين ضد كل فعل متأسلم أو قول أو قانون يفجر الألغام الكثيرة التي تملأ هذه الكتابة الركيكة. وتتعاهد جبهة الإنقاذ علي الاستمرار في حماية حقوق الشعب في الديمقراطية والحرية، وحرية الكتابة والتعبير وحرية الإبداع والبحث العلمي وحرية الاعتقاد والعبادة، وستظل جبهة الإنقاذ ونحن جزءاً فاعلاً في صفوفها في العمل من أجل مساواة كاملة وتكافؤ تام بين المواطنين جميعا.. النساء تماما كالرجال رغم أنف ألغام الدستور الإخواني ، والمسيحيون تماما كالمسلمين أيضا رغم أنفهم، والفقراء تماما كالأغنياء بأوامر شعبية حتمية وواجبة النفاذ. والويل كل الويل لمن سيحاول أن يتخطي هذه الحدود الثلاث.

> وهناك ما هو مهم أيضا، فمصر ليست ورقة تم التصويت عليها وإنما هي هموم متراكمة فقر وعشوائيات، وخبز وتعليم وعلاج طبي.. مصر أفواه جائعة وشباب بلا عمل ومستشفيات بالية وتوشك أن تتحول إلي خرائب بلا دواء وبلا علاج حقيقي ومدارس بلا تعليم حقيقي. ويشكل ذلك كله عبئا شديد القسوة علي مواطنين صبروا حتي ضاقت صدورهم من الصبر، وأؤكد أنهم لن يحتملوا المزيد، أقرر لن يحتملوا المزيد، أكرر لن يحتملوا المزيد. وجماعة الإخوان ورئيسها وحكومتها عاجزون عن إيجاد حلول ولا حتي أنصاف حلول. وهم بشهوة احتكارهم للسلطة يستحوذون علي المواقع المفصلية بأشخاص منهم لا يمتلكون المعرفة ولا القدرة ولا حتي الرغبة في التوجه لحل مشاكل الجماهير.

فماذا يبقي للمصريين؟ ومتي تحل مشكلاتهم من خبز وعمل ومسكن وصحة وتعليم ووسائل نقل وحرية وديمقراطية ومواطنة؟ متي يا جماعة الإخوان وانتم لاهون عن ذلك كله متمسكون فقط بشهوة السلطة والتسلط؟ متي يشعر المواطن بالأمن، بالقدرة علي الإحساس بأن ثمة دولة مستقرة تحمي ترابها وتحمي أبناءها؟

> وهناك كذلك تلك المأساة الكبري.. سيناء.. وأكرر بيت شعر مؤلم بل وشديد الألم.

سيناء كانت لنا أمانا

فكيف أصبحت لنا الهوانا

ويا د. مرسي كيف سمحت لنفسك بأن تتخذ من المواقف والإجراءات بما يبقي الأنفاق تمرر الإرهابيين والسلاح والأموال والذخيرة لتجعل من منطقة في سيناء قاعدة لإرهابيي القاعدة، وكيف سمحت لنفسك بأن تضع جنود مصر تحت وطأة إرهابيين يأتون من الأنفاق ليمارسوا ضدهم القتل والترويع ثم يهربوا عبر الأنفاق؟ وكيف سمحت للأطماع والمطامع أن تسعي نحو اقتطاع جزء من سيناء لتقام فيه إمارة لحماس فتنتهي سيادة مصر علي سيناء وتنتهي القضية الفلسطينية وإلي الأبد؟ ولماذا تصمت بالتحديد عن هذه التساؤلات الخاصة بسيناء.. قل كلمة حولها ولو حتي من قبيل تبرير ما يجري.

وبعد..

يكثر الكلام وتكثر المعارضات والرفض والدعوات للمصريين بأن يحموا أمنهم وأمن وطنهم وخبزهم وخبز أطفالهم، وحريتهم وحرية أقلامهم وصحافتهم وإبداعهم..

ولا يبقي سوي تحذير صارم حازم سبق أن وجهناه إلي نظام مبارك ولم يرتدع.. فهل ترتدعون أنتم أم تنتظرون ذات المصير عناداً ومعاندة.. هذا التحذير من ثلاث كلمات:

احذروا ثورة الجياع.

تذكروها. وإلا فسوف نذكر بها الناس عند رحيلكم غير مأسوف عليكم

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق