فريدة النقاش تكتب : مع كامل الاحترام للدين

17

أدهشني أن قال الزميل «حمدين صباحي» المرشح السابق لرئاسة الجمهورية أنه لا يدعو لفصل الدين عن الدولة وبدا كأنه لم يتابع ما يجري من جدل حول مواد الدستور الباطل الذي يقيد الحريات العامة ويعتدي علي حقوق النساء والمسيحيين والفقراء باسم الدين.

«إن الدستور الذي تم تمريره لا يليق بدولة عظيمة بتاريخها العريق، ولكن العيب علي من جعل مثل هذه الفصائل كتاب دساتير وهم لا يعلمون شيئا عن كتابة الدساتير، إن تلك المواد والكوارث التي وضعت في الدستور الجديد بالخداع والمؤامرة ما هي إلا أفكار تحمل أهواء التيارات التي تتآمر علي هدم الوطن. بهذه الكلمات الحادة التي تقطر مرارة علقت الدكتورة آمنة نصير استاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية علي الدستور الجديد الذي أصدرته جماعات الإسلام السياسي بليل وعن طريق ألاعيب قامت أساسا علي التزوير.

وقال الدكتور أحمد كريمة الأستاذ بجامعة الأزهر معلقا علي هؤلاء الكتبة الذين يملأون القنوات الدينية ضجيجا «إن أصحاب الاتجاه الوهابي المتسلف متمرسون علي العنف الفكري بل والعنف المسلح، فالعنف الفكري يتمثل في كراهية واحتقار كل من ليس من الاتجاه المتسلف في التكفير والحكم بالشرك والبدع والفسق، وهذه بضاعتهم، وأضاف، فما الذي ننتظره منهم إلا العنف الفكري والعنف المسلح، لافتا إلي أن التنظيمات المسلحة في كل العالم هي نتاج العنف الفكري لهؤلاء..».

وتدلنا احتجاجات النساء من مظاهرات لقص الشعور إلي نداء الجهات والحركات المشتركة علي أن ثمة وعيا متناميا بالمخاطر التي يمثلها الدستور الذي صاغته جمعية باطلة وجري عليه استفتاء باطل وموافقة مزورة وهو الأمر الذي يجعل دهشتي من تصريح حمدين صباحي تزداد مع تقديري لرجال الدين المستنيرين.

ويعرف حمدين صباحي قطعا أن أكبر دولة بها سكان مسلمون في العالم وهي أندونيسيا ليس في دستورها أي نص علي دين الدولة. وكان الزعيم الوطني الأندونيسي أحمد سوكارنو بطل الاستقلال، وأحد قادة حركة باندونج وعدم الانحياز قد خاض معركة طويلة مع المتطرفين الدينيين الذين طالبوا بالنص علي دين الدولة في الدستور وانتصر التوجه الديمقراطي العقلاني علي التطرف وجري فصل الدين عن الدولة وهو الأمر الذي لم يؤثر في تدين سكان أندونيسيا ولا في حقيقة أنهم من أكثر الشعوب المسلمة حجاجا لبيت الله الحرام كل عام.

وكانت معركة مشابهة قد اندلعت في الهند عشية الاستقلال عن الامبراطورية البريطانية بين «جواهر لال نهرو» والمتطرفين الهندوس الذين كانوا يريدوا أن ينصوا في الدستور علي أن الهندوسية هي فلسفة الدولة أو دينها، ومرة أخري انتصر التوجه العقلاني الديمقراطي وأنتجت الهند بنخبتها المثقفة المناضلة المتنوعة دستورا علمانيا ديمقراطيا كان دائما أحد العناصر المهمة في حفظ التنوع الهائل في البلاد، فالهند تتشكل من 25 ولاية ويوجد بها 18 لغة رئيسية وآلاف اللهجات المحلية وكل الأديان التي عرفتها البشرية كما تتعدد فيها القوميات، ويتعايش هؤلاء جميعا في ظل الدستور العلماني الديمقراطي والوجه العلماني الديمقراطي هو الحد الأدني المعترف به في الدولة الحديثة حيث ينتمي النص علي الديانة في الدساتير إلي العصور الغابرة وإلي الدولة ما قبل الحديثة.

وغياب النص علي دين للدولة سواء في الهند أو أمريكا، سواء في أندونيسيا أو فرنسا لم يمنع المؤمنين من كل ديانات هذه البلدان من ممارسة شعائرهم الدينية وزيارة الكنائس والجوامع والالتزام بالطقوس إن شاءوا «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» كما يعلمنا القرآن الكريم.

فما الذي يفعله النص علي دين للدولة في البلدان التي اختارت هذا النهج الذي ينتمي إلي القرون الوسطي؟ ما حدث هو أن المهووسين الدينيين اعتبروا مثل هذا النص هو رخصتهم الشرعية لممارسة تكفير الخصوم وصولا إلي قتلهم. والذين قتلوا الرئيس الأسبق أنور السادات قالوا إنه لا يطبق شرع الله كما نص عليه الدستور. كذلك قال قتلة الدكتور «فرج فودة» بعد أن كفروه وأقاموا عليه الحد بأيديهم بسبب كتاباته وأفكاره كما علمهم شيوخهم، بل إن أحد هؤلاء الشيوخ شهد لصالح القتلة في المحكمة.

وقرر أحد القضاة أن يفسر النص علي مبادئ الشريعة بنفسه في قضية حسبة حركها محامون لا مصلحة لهم وقبلتها المحكمة. وبتفسير القاضي للنص أصدر حكما بتطليق الدكتورة ابتهال يونس من الباحث من علوم القرآن د. نصر حامد أبو زيد بدعوي أنه مرتد، ولا يجوز لمسلمة أن تبقي زوجة لمرتد.

لا ستبقي الدعوة لفصل الدين عن الدولة وعن السياسة ولإلغاء كل النصوص التي تحدد دينا للدولة في الدستور مطلبا ملحا يناضل من أجله ولن يتنازل عنه هؤلاء الذين يتطلعون لأن تسير مصر إلي قلب العصر حرة ديمقراطية حديثة تلتزم بأهداف ثورة 25 يناير التي لم تطرح شعارا دينيا واحدا امتدادا للثورة الوطنية الكبري عام 1919 وشعارها العبقري الدين لله والوطن للجميع مع كامل الاحترام للدين وللشعائر والطقوس لأن حرية الدين سوف تبقي دائما واحدة من الحريات الأساسية للإنسان.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق