ذكري عبدالرحمن الخميسي: العاطفة والثورة والاغتراب مصدر الإبداع ورسالة الفن

15

نبيل فرج

لم يتذكر أحد في بلادنا أن هذه السنة التي نودعها توافق الذكري الخامسة والعشرين علي رحيل الشاعر والكاتب والفنان عبدالرحمن الخميسي الذي ولد في 11 نوفمبر 1920، وتوفي في أول أبريل 1987.

لأن الخميسي اسم كبير في الثقافة العربية، فقد احتفلت بهذه الذكري مجلة «العربي» الكويتية، بنشر ملف عنه في عدد أبريل الماضي، شارك في تحريره ابنه الأديب أحمد الخميسي، وكاتبان آخران، تحدثوا عن جوانب مختلفة من حياته وأعماله.

لا أريد أن أعلق في هذا المقال علي هذه المفارقة، التي تتذكر فيها الكويت عبدالرحمن الخميسي وتتجاهله أو تنساه مصر، ذلك أن الوضع المتردي للثقافة المصرية في هذه المرحلة لا ينفصل عن الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتردية التي انقسم فيها الوطن لأول مرة في تاريخه إلي فريقين متعادين عداء سافرا لا سبيل معه إلي أن يلتقيا، لأن الحق مع طرف والقوة مع الطرف الآخر الذي لا يحفل بشيء، ويتجرأ علي مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، المحكمة الدستورية ومدينة الإعلام، وهو آمن من المساءلة القانونية، بل إن كل فريق انقسم بدوره علي نفسه، وهذا يعني أن الانقسامات تقع أيضا داخل التيار أو الفصيل الواحد، كما نجد بين الإخوان والسلفيين، وليس فقط بين دعاة الدولة الدينية ودعاة الدولة المدنية الذين يريدون أن يحفظوا للوطن شخصيته ورسالته العصرية.

وعبدالرحمن الخميسي شاعر غنائي من أرفع طراز، اجتمعت له الموهبة مع التجربة، أو الفن مع المعرفة، أدرك من وقت باكر من حياته الأدبية أن الواقع مصدر كل إبداع، وأن الفن كلمة هذا الواقع، وحافز تطوره، وأن رفعة الأسلوب وإحكام البناء يثري مضمون الإنشاء، بينما يؤثر بالسلب علي النصوص انعدام القيم الجمالية، وغلبة الدعاية علي الفن.

أما بالنسبة للآداب الأجنبية فكان الخميسي مع لقاء الثقافات توطيدا للروابط بينها، لأن بحث ونهضة الآداب والفنون رهن بهذا اللقاء، ويري أن الترجمة لا تنجح إلا إذا كان المترجم أدبيا، علي إحاطة تامة بالمؤلفات الكاملة لمن يترجم له، فاهما لمقومات وخصائص إنتاجه الذي ينفرد به.

وليس لتلخيص الأعمال الأجنبية في نظره قيمة، لأن التلخيص يسقط عن هذه الأعمال ما تنطوي عليه من أجواء وأحاسيس وتفاصيل ينجم عن غيابها تشويه العمل الأصلي.

ويصف الخميسي الذين يلخصون الروايات الطويلة في صفحات قليلة بالعرضحالجية الذين يجلسون علي أبواب المحاكم المختلطة.

كما يصف دعاة الفن للفن بأنهم يعيشون في أبراج عاجية، بمعزل عن الشعب، ولابد للكاتب أن تكون له وجهة نظر، أو أيديولوجية، والكاتب أو الفنان الذي يفقد ضميره لا تصبح له قيمة.

وعن النقد الفني يقول الخميسي في كتابه «الفن الذي نريده» (1966)، أن النقد الفني كالتأليف، عملية خلق، تكشف بالموهبة المصقولة والعلم عناصر القوة والضعف في العمل الفني.

وأدب الخميسي يجمع بين الرومانسية والواقعية، أو بين العاطفة والثورة، ولا يتعارض فيه الوجدان الفردي مع الوجدان الجمعي.

وقد ظل شعر الخميسي متفرقا في الدوريات الصحفية ما يقرب من عشرين سنة، من سنة انتقاله إلي القاهرة في 1938 إلي 1958، وقد اختار منه تسع قصائد جمعت في ديوانه الأول «أشواق إنسان» الذي أعيد طبعه في 1967 في «ديوان الخميسي»، بعد أن أضاف إليه القصائد التي كتبها في ديوانه الثاني «دموع ونيران» 1962، وما كتبه من أشعار أخري. ثم صدر له في 1972 «ديوان الحب»، ويتألف من ست قصائد كتبها الخميسي عن زوجته الفنانة الراحلة فاتن الشوباشي التي فقدها فجأة في حادث منزلي مروع بعد زواج قصير، ولم يزايله حبه لها حتي آخر يوم في حياته.

وخلال السنوات التي تغرب فيها الخميسي بعيدا عن وطنه، صدر له في العراق في 1975 ديوان «ميلوديات للفارس في بلاد ما بين النهرين»، وتلاه ديوان «ست قرنفلات حمراء مهداة إلي موسكو».

وتقديرا لدوره في مؤتمرات كتاب آسيا وأفريقيا منحته روسيا جائزة لينين، وترجمت أشعاره إلي كل لغات الجمهورية الروسية.

وعلي كثرة ما كتبه الخميسي وكتبه الكتاب عن حياته، فإننا لا نعرف شيئا شافيا عن قراءاته وثقافته التي حصلها بنفسه، بعد انقطاعه عن استكمال تعليمه، سوي ما نستطيع أن نستخلصه من الموضوعات التي تناولها، ومن ترجماته، وأهمها ترجمة عشرات القصائد للشاعر الإنجليزي وردزورث، ومجموعة من القصص والأشعار الروسية، وهي في مجملها معرفة محدودة بالقياس إلي ما نعرفه عن حياة الخميسي التي ارتبط فيها بفرق الفن الشعبي، وما تناقلته الأوساط الثقافية من حكايات ونوادر طريفة عن الخميسي، وعلاقاته بكتاب وشعراء عصره، مثل خليل مطران وإبراهيم ناجي وسلامة موسي ولويس عوض، الذين كان لكل منهم تأثيره في شخصية الخميسي الأخلاقية، وفي رؤيته الإنسانية.

وقبل هؤلاء الفنان الشعبي أحمد المسيري الذي عمل الخميسي معه في مسرحه المرتجل الذي كان، مثل مسرح القرداحي، يطوف القري والكفور والمدن، وإن لم يتبق من هاتين الفرقتين شيء غير بعض الألحان المصرية القديمة وأغاني الأفراح التي كانت تقدمها فرقة المسيري، وهي ليست أفضل ما قدمه هذا المسرح الذي كان يندد بنظام الملوك والحكام، ويشيد بانتصار الفلاح عليهم وعلي التقاليد البالية.

وإذا كان بوسعنا أن نحدد في كلمات أو أسطر محنة الخميسي، ونكشف سر الزحير الذي يبطن شعره ونثره، فهو العجز الذي لازمه وحال بينه وبين انطلاق الروح، وعدم تمكنه من الفكاك منه، إلا بالوهم والسراب، بسبب قيود الواقع المرير الذي عاشه، والظروف القاسية التي نكب بها، وجعلته ينشغل طول الوقت بالدفاع عن قيثارته، بدلا من أن يعزف عليها ألحانه.

ومن أجمل قصائد الخميسي التي تتصدر ديوان «أشواق إنسان» وأكثرها إفصاحا عن روحه الثورية، قصيدة «أبوالقاسم الجزائري» التي صاغها في قالب قريب من الموال، وفيها نجد هذا المقاتل أو الفلاح البسيط أبوالقاسم يخرج في يوم العيد من بيته في تلمسان إلي السوق، لكي يشتري لابنه لعبة ولزوجته ثوبا زاهيا، رمزا للحياة الحرة التي ينشدها.

غير أن جنود الاحتلال الفرنسي المدججين بالسلاح تترصده وتقبض عليه في السوق، وتحطم اللعبة وتمزق الثوب، وتحكم عليه بالإعدام، جزاء جهاده الوطني من أجل تحرير بلاده.

ووفق مقولة أو حقيقة أن الموت في الدفاع عن الوطن حياة، يتحول الخميسي في قصيدته من وصف المشاهد إلي مخاطبة ليل زوجة هذا الشهيد، ذات الشعر الجميل المنسكب علي كتفيها، طالبا منها بما يشبه النشيد البهيج أن تخلع ثوب الحداد لأن زوجها الذي سقط كما يسقط النجم حي لم يمت، وإنما يتحرك بسناه وسط أرواح ثوار الجزائر.

والإنسان الذي يشير إليه الخميسي علي غلاف الطبعة الأولي من ديوان «أشواق إنسان» هو الشاعر نفسه الذي عاش حياة صعبة شقية، لم تبرأ يوما من الهموم الشخصية أو العامة، عرف فيها المشاق بكل ألوانها، وهو يدور في ربوع مصر، في الظلام والصقيع، هربا من الحقائق المؤلمة، مناجيا الليل بقلب خفاق، دون أن يفقد الأمل قط، أو يضعف فيه الشوق إلي الخروج مما يعانيه، ويتغلب عليه بالإدراك والوهم والخيال.

وبهذا الإدراك والوهم والخيال يرجو الخميسي قراء إحدي قصصه إذا عثروا علي إحدي شخصياته التائهة، واسمها نبوية في قصة «نبوية»، أن يرشدوه إليها حتي ينقذها من الضياع الذي يتهددها.

وتعد تجربة الخميسي في المسرح الغنائي من الأعمال التي لا تنسي سواء بتأليفه ونظمه لأوبريت «مهر العروسة» في 1964، التي يمتزج فيها النص العربي بالشكل الغربي، أو بترجمته المتقنة أو تعريبه لأوبريت «الأرملة الطروب» في 1961 التي تعاون في إخراجها وقيادة الأوركسترا فيها عدد من النمساويين، كانوا بمثابة بعثة فنية أتت من الخارج لكل المشاركين فيها من طاقم الفنانين والمنشدين والفنيين.

وقصة حياة الخميسي تبدأ بانفصال أبيه عن أمه يوم مولده، وفي سن السادسة اختطفه هذا الأب من أحضان الأم التي كان يعيش معها في بورسعيد، ليقضي أيام الوحدة والوحشة في قرية منية النصر بالدقهلية.

في هذه القرية التي تفتقد أبسط ضرورات الحياة عاش هذا الطفل مترويا في غرفة ضيقة، بلا مياه نقية وبلا كهرباء وبلا أثاث، لا يملك غير عشرة قروش في الأسبوع، يعطيها الأب له ليدبر بها شئونه وحاجاته.

وعندما انتقل إلي القاهرة في الثامنة عشرة من عمره عاني الأمرين حتي تستقر قدمه علي الطريق، إلي حد أنه لم يكن يملك من المال ما يتيح له المبيت في فندق أو سكن، فيضطر إلي المبيت في المقاهي، أو إلي الرقاد علي دكك الحدائق العامة، إلي أن يطلع الصباح.

وليست هناك صفة توصف بها حياة الخميسي غير صفة الاغتراب داخل الوطن وخارجه.

هذا الاغتراب الذي أثر علي صحته، فكان في سن العشرين يبدو في سن الأربعين.

نتعرف علي فصول من هذه الحياة في السيرة الذاتية المخطوطة التي بدأ الخميسي في كتابتها قبل أن يهاجر من مصر، ونشر بعض فصولها في صحافتها، ولكنه لم يتمها لأنها كانت تنكأ جراحا عميقة في نفسه لا يتحملها، رغم أنه عند كتابة هذه السيرة كان في كامل نضجه الفكري وقدرته الفنية.

ولا شك أن اعتقال الخميسي ثلاث سنين بعد ثورة 1952، وإسقاط حقه المدني في 1981، من الجراح التي لا تندمل بالنسبة لأديب في قامته، هاجم الطغيان الملكي قبل الثورة، ووصف الملوك بأنهم يأكلون لحم رعاياهم، ودافع عن المطحونين الذين أقصاهم الحكم الملكي، ومع هذا لم يسلم من قبضة هذه الثورة في عهد عبدالناصر وعهد السادات.

وتحت تأثير هذا المناخ المناهض لحقوق الإنسان، وما أتيح له من معايشة الفنون، والتقلب بين مختلف الأحوال والمهن، وما تزوَّد به من الطبيعة، اكتسب الخميسي روح العطف علي الآخرين وامتلاك نفوسهم، غير مكترث بما يفقده، ولو كان كل ما في جيوبه، واضطراره بعد ذلك إلي الاقتراض.

ويستطيع من اختلط به وشاهد كيف كان الخميسي يتعامل مع الناس دون خضوع للشكليات الاجتماعية، أن يقول إنه لم يكن يأمل من أحد إلا أن يكون علي سجيته ونقاء طبعه، وأنه كان شلالا لا ينضب من الحب لجوهر الإنسان.

ولم يستثن الخميسي من هذا الشلال هذا الأب القاسي الذي خطفه بوجه ملثم، وحرمه من حنان الأم، حين سمعه في حلكة الليل يغني غناء صاحب القلب الجريح، وفهم من غنائه أنه ينوح علي فراق زوجته، أم عبدالرحمن.

ومن الطبيعي لمن يكون علي هذا الغرار أن يتجه بكل ملكاته إلي الاشتراكية التي تجنب البشر المصير التعس الذي صادفه، وتكفل لهم حياة العدل والكفاية.

وهذه الاشتراكية هي التي رفعت الغشاوة عن عينيه، وحددت منذ البداية مبادئه الأدبية ومواقفه الموضوعية كشاعر وكاتب وفنان، دقيق الحس، يؤمن بالحق والحرية، وبأن الإبداع رسالة في سبيل الحياة والمجتمع.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق